الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

“السائرون نيامًا”..التاريخ كقناع اجتماعي

0 66

-صُنفت ضمن قائمة أفضل مائة رواية عربية
-اعتبرها النقاد صوت الحرافيش في العهد المملوكي
-اتخذ سعد مكاوي التاريخ كقناع اجتماعي مسقطًا إياه على الواقع أو قضاياه
-حُولت إلى مسلسل تليفزيوني عام 2010 بإنتاج مشترك بين مصر وسوريا

كتبت آلاء عثمان

تُعد الروايات التاريخية كمصدر من مصادر فهم التاريخ الاجتماعي والسياسي للمجتمع، إحدى أكثر المصادر صدقًا كونها تعبر عن روح الأمة، وتقف على حياة المهمشين، الذين قد لا ينتبه لهم المؤرخون، بالإضافة لكونها تتيح الفرصة للروائي بأن يدمج الحدث التاريخي مع مخيلته الشخصية، وأن يصنع أحداثًا موازية للحدث الرئيسي، وكما يقول الناقد الأدبي حسين حمودة “الروائي ليس ملزمًا بأن يصوغ حقائق التاريخ كما صاغها المؤرخون، لأنه لا يعيد تلك الحقيقة التي توصل إليه المؤرخ، إنما يستكمل ما لم يكتبه المؤرخ”.

ولجأ العديد من الأدباء إلى كتابة الرواية التاريخية، إلا أن رواية “السائرون نيامًا” للأديب المصري الراحل سعد مكاوي، تُعد من أفضل الروايات التاريخية في الأدب العربي الحديث. نُشرت للمرة الأولى في يناير عام 1963م على حلقات في جريدة الجمهورية، ثم صدرت كرواية في كتاب في مايو عام 1965م، ورغم أنها صُنفت بعد ذلك ضمن قائمة أفضل مائة رواية عربية؛ إلا أنه حين صدورها لم يتعرض إليها أحد لا بالنقد أو المدح، ويبدو أن سعد مكاوي أصيب بإحباط لتجاهلها؛ لدرجة أنه انقطع عن كتابة الروايات حوالي خمسة عشر عامًا، لكن القدر جعل -فيما بعد- من رواياته هذه التي قوبلت بتجاهل حينذاك أشهر رواية في مسيرته الأدبية.

قناع اجتماعي
ورغم تصنيفها كرواية تاريخية، لكنها ليست كتلك الروايات التي تتخذ من التاريخ حدثًا وتسقطه على الواقع، ولم تُعنَ بطبقة الحكام والصراعات الدائرة بينهم، وليست مجرد رواية تستعين بكتب التاريخ ووثائقه وتصبها في قالب روائي؛ إنما جاءت لتركز اهتمامها على هذه الطبقة المهمشة في مصر زمن المماليك، الذي يُطلق عليها “الحرافيش”، فأرادت أن تكون صوتًا لمن لا يُسمح أو يتاح له التعبير عن نفسه؛ حيث اتخذ سعد مكاوي التاريخ كقناع اجتماعي، مسقطًا إياه على الواقع أو قضاياه.

بناء الرواية
لا تقدم رواية “السائرون نياما” بنية تقليدية كما يحدث في كثير من الروايات التاريخية، وإنما تقدم بنية مختلفة؛ إذ إن قيمتها الحقيقية في إحكام بنائها السردي. وكما يقول الناقد الراحل علي الراعي: “حشد المؤلف في هذه الرواية جُلّ طاقته الفنية لتخرج لنا رواية كاملة الأوصاف”.

اعتمد سعد مكاوي في بناء الرواية على ما يسمى “البناء المتوازي”، إذ تقسم أحداث الرواية على عدة محاور، تتوازي في زمن وقوعها، تنمو وتتطور إلى أن تلتقي في خاتمة الرواية؛ حيث تتوازى الأحداث في ثلاثة محاور أساسية: الأول يرتبط بالمماليك والسلاطين داخل القلعة، والثاني حول الشخصيات العامة، والأخير يرتبط بالطبقة البرجوازية أو “أعوان السلطة”.

زمن الرواية
الفترة التاريخية التي تدور فيها أحداث هذه الرواية لا تكاد تتجاوز ثلاثين سنة (1468– 1499) من عصر سلطنة المماليك التي حكمت تاريخ مصر والشرق (267 سنة). وتأتي الرواية مقسمة إلى ثلاثة أجزاء: “الطاووس” و”الطاعون” و”الطاحون”، في خمسين فصلًا، ولم يأتِ التقسيم بعناوين أجزائه اعتباطيًا، وليس ببعيد عن رؤية الراوي الكلية في تقديمه لثورة المصريين على الظلم التي مرت -حسب أحداث الرواية- بثلاث مراحل: “الاحتجاج السلبي” و”المقاومة غير المنتظمة” و”مرحلة الثورة”. ويدخلنا مكاوي سريعًا إلى أجواء الرواية منذ فصلها الأول، ويطوف بنا داخل عوالم شخصياتها الكثيرة والمتعددة، الموزعة بين الحكام والمطحونين ويغرقنا في هموم الأجيال المتوالية.

الأحداث
هذه الرواية يحكيها راوٍ عليم، ينتقل في خفة بين الفصول الخمسين متناولًا الثلاثين عامًا الأخيرة من حكم المماليك في مصر، وهي تدور خلال فترة حكم السلطان بلباي، وتسلط الضوء على المؤامرات التي كانت تدور في قصر السلطان وخارجه، والظلم الذي ألحقه المماليك بأهالي مصر، وكيف تصدى لهم هذا الشعب الذي كثيرًا ما اعتبره الحكّام مغيبًا.

لا نجد في هذه الرواية الشخصيات التي نسميها في لغة الأدب “شخصيات محورية”؛ فكل الشخصيات كانت تتضافر لترسم معالمها، فأبطال الرواية متشابكون ولا يربط أغلبهم رابط مباشر سوى المكان والفترة الزمنية. فمنذ أن رأينا “أيوب” صانع النعوش وصبيه “يوسف” في مطلع الرواية إلى أن وصلنا إلى ثورة الجياع والمهمشين في نهايتها، وبين هذين المشهدين المتباعدين تتوالى المشاهد في إيقاع درامي روائي متسارع، هو أهم ما يميز هذه الرواية ويجذب القارئ إلى عالمها. وحسب ما يقوله الناقد خيري دومة فإن سعد مكاوي استخدم كل طاقاته الواعية واللاواعية من أجل أن يصنع هذا الإيقاع الروائي الجاذب ومن أجل أن يحافظ عليه قدر الإمكان دون سقطات.

اللغة
يتقمص الراوي روح العصر في لغته وتشبيهاته، فينقل القارئ للحدث عبر ثلاثين عامًا من فترة حكم المماليك، فكان أحيانًا يخلط اللغة العربية باللهجة العامية، حين ينطق عامة المصريين، ويستخدم بعض الألفاظ والألقاب والمصطلحات المملوكية الغامضة، مع شرح معانيها في هوامش الفصل.

العنوان
أول ما يلفت النظر في هذه الرواية هو عنوانها الساحر، وقد تبدو الرسالة واضحة في “السائرون نيامًا”، فهذا الشعب السائر كالنائم محكوم بالقهر والظلم والاستبداد من قبل السلطة المستبدة، وهو ما يستدعي مقاومة هذا الظلم والقهر، ولا بد أيضًا من خلع هذه السلطة المستبدة التي لا تمت إلى الشعب بصلة، فهي في حكم الأجنبي الذي لا يتحدث لغة الشعب صاحب الأرض والتاريخ، إن مثل هذه الرسالة الجادة لا يمكن أن تقال بشكل مباشر، ومن هنا كان اللجوء إلى التاريخ والرمز.

المسلسل
في عام 2010م قدم قطاع الإنتاج في اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري في إنتاج مشترك مع سوريا رواية “السائرون نيامًا” في مسلسل تليفزيوني ضخم، عبارة عن دراما تاريخية غنائية، أخرجها محمد فاضل وكتب السيناريو والحوار مصطفى إبراهيم، وشارك فيه عدد كبير من الفنانين من مصر وسوريا؛ كتعاون مشترك بين البلدين، من بينهم فردوس عبد الحميد وأحمد وفيق وسلوم حداد ونبيل نور الدين وأحمد صفوت، وقام بغناء الأغاني الفنان علي الحجار، وكتبها الشاعر جمال بخيت ولحنها الموسيقار حمدي رءوف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.