الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

“الهلال”… نصيرة حقوق المرأة

0 45

كتب: أحمد شامخ

كان للهلال منذ صدورها «عام 1892» وحتى الآن دور فعال فى قضية تحرير المرأة وكل ما يتصل بقضاياها العصرية ونهضتها الحديثة والمطالبة بحقوقها، ورغم المعارك الصحفية التى أثارها البعض ضد هذه الدعوات، إلا أن الهلال تصدت بشجاعة لمثل هذه المعارضات التى حاولت تعطيل مسيرة المرأة والنيل من حقوقها المشروعة ومنها اللحاق بركب المدنية، فضلا عن حقوقها الاجتماعية والسياسية والفكرية حتى وصلت إلى مرحلة الاستقلال الفكرى وتشجيعها على خوض كل مجالات العمل والمشاركة فى الحياة السياسية والحزبية.

كما أن الهلال فتحت صفحاتها للعديد من رائدات النهضة النسـائية، فشهدنا مقالات ودراسات للعديد منهن أمثال:د. سهير القلماوى، ود. بنت الشاطىء ود. نعمات أحمد فؤاد وصوفى عبدالله وجاذبية صدقى ومى زيادة وأمينة السعيد وغيرهن كثير فى مجالات القصة والرواية وغيرها من فنون الأدب والثقافة.

والجدير بالذكر أن قضية تحرير المرأة اقترنت بالمصلح الاجتماعى قاسم أمين حينما أصدر كتابه ذائع الصيت «تحرير المرأة» عام 1899، ولكن «قاسم أمين» لم يكن الأول فى هذا الاتجاه، فقد دعا إلى تعليم المرأة «بطرس البستانى» عام 1849، وأحمد فارس الشدياق الذى طالب صراحة بتحرير المرأة وسفورها، ومما قاله فى كتابه «الساق على الساق» المطبوع عام 1855: «مهما بالغت فى أن تبرقع زوجتك عن رؤية الدنيا فلن تستطيع أن تخفيها عن قلبها، فإن المرأة حينما كانت وكيفما كانت هى بنت الدنيا وأمها وأختها وضرتها»، وهذا بخلاف ما كتبه الشيخ رفاعة الطهطاوى فى كتابه «المرشد الأمين للبنات والبنين» المطبوع حوالى عام 1862، وما خطه عبدالله النديم فى شأن تعليم المرأة.

وكانت الهلال تنحو نحوا آخر ، وتطالب فى أعدادها المتلاحقة بحقوق المرأة. والبداية كانت عندما أثار أحد قراء الهلال واسمه «زكى .م» قضية كبرى جعل عنوانها «هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال؟» وأجاب عن سؤاله بالإثبات، ورأى أن لهن كفاية عقلية وبدنية تكفل لهن القيام بأعمال الرجال، وذلك على رأيه بذكر نابغات فى الأدب مثل الخنساء، ومدام ستايل، وخبيرات فى السياسة وقيادة الدول مثل سميراميس فى آلتور، والملكة كاترينا فى روسيا، والملكة مرجريتا فى إنجلترا «هلال يناير 1894».

وسرعان ما عارضه د. أمين الخورى – القاطن بدمياط – ولجأ إلى أدلة علمية وواقعية ليبرهن على أن الرجل أقوى بدنيا وعقليا من المرأة، ورأى أن تتعلم النساء ترتيب المنزل وتدبيره وتربية الأولاد والاقتصاد. «هلال فبراير 1894».

وانهالت الردود على د. أمين الخورى لتفند أقواله ، وتبطل حججه، ومنها رد جرجس الخورى الذى تحدث عن حرمان المرأة فيما مضى من كل حق سياسى وعلمى وأدبى عدة قرون وذكر أن المرأة الأمريكية اخترعت 1930 اختراعا فى الفترة من 1809 – 1886 منها آلات فلكية وحربية وبخارية، ورأى أنه «يحق للمرأة أن تقوم بأشغال الرجال إذا تفرغت لها».

إلا أن دعوة الهلال فى المطالبة بحقوق المرأة صارت أكثر وضوحا من خلال رد «جبر ضومط» الذى أقر بحقوق كل من الرجل والمرأة، ومنها «حق حرية أن يتخذ (كل منهما) المهنة أو الصناعة التى يرغب فيها، وإدارتها على ما يرى أنه أنسب بحاله، وأنمى لكسبه، وحق حرية الأفكار والكتابات والمخاطبات» ورأى أن المرأة قادرة على العمل «ومنعها من طلب هذه الحقوق مخالف لمقتضى العدالة التى تؤذن لكل إنسان بالحركة والتصرف على ما يريد بشرط أن لا يتعدى حرية الغير المساوية لحريته» «هلال مايو 1894».

وكما أن دعوة قاسم أمين لاقت عنتا، وواجهت نقدا، فإن دعوة الهلال وجدت من يناهضها من الرجال مثل د. أمين الخورى، ومن النساء واحدة تقطن الإسكندرية ذيلت مقالا لها بتوقيع «بهية» وحثت فيها بنات جنسها على عدم التخلى عن مملكة البيت وتربية النشء وقالت: «مالنا نطلب فوق ما نريد ونحن السائدات فى هذا العصر المالكات المتحكمات على القلوب بما ميزتنا به الطبيعة من سرعة التأثير ولطف المزاج، والرجل يسعى ويكد ليقدم لنا ما نحتاج إليه.. أى أحبتى أخشى على حقوقنا من الضياع إذا طالبنا فوق حقوقنا». «هلال يونيه 1894».

واستمرت الهلال فى تفجير القضايا الحيوية المثيرة للجدل والنقاش. المنعشة للفكر، الدافعة إلى تحريك المجتمع وإعادة النظر فى التقاليد، فدفعت إلى قرائها وكتابها بسؤال آخر هو «هل تعلو منزلة المرأة بالعلم أكثر أم بالمال؟» وقد أجاب أكثر كتاب المجلة بأن المرأة تعلو بالعلم لأنه يكسبها الوقار والاعتدال ويجنبها الرذيلة والتبذير، وينير قلبها، فضلا عن فوائده الجمة فى تربية النسل، وهناك من رأى أن العلم لا يدوم للمرأة بعد الزواج بينما يدوم المال، ورأى د. أمين الخورى أن المرأة العالمة إذا تزوجت عالما مثلها لا يخلو أمرهما من المباحثة والجدل ويخطئ أحدهما الآخر فتقل الهيبة المطلوبة، ورأى فرح أنطون أن المرأة تعلو بالاثنين، وفضل العلم، واعتبر المال من كماليات المرأة. «أعداد الهلال 1896».

وقد ساهمت الهلال بكتابات كثيرة أبرزت فيها ما بلغته المرأة الغربية من الوظائف التى كانت مقصورة على الرجال، وراحت تذكر – أى الهلال – أسماء بلاد أجازت للمرأة حق الانتخاب مثل أمريكا التى منحت المرأة حقوقا سياسية فصارت تنتخب، وتعمل فى الوظائف، واستراليا التى أعطت نساءها حقوقا فى عضوية المجلسين التشريعيين، والنرويج، وفنلندا «هلال مايو 1914» ثم تطرقت الهلال إلى أعمال أسندت للمرأة فذكرت أن دانماركية قادت سفينة وقطعت بها الأطلنطى (يونيه 1914) وثانية تدير مصرفاً فى اليابان (أبريل 1914) وثالثة صارت شرطية تراقب النساء الغريبات فى لوس أنجلوس وهكذا.

وعلى أثر نشوب الحرب العالمية الأولى تجدد الحديث عن المرأة، وراحت الهلال تبين دور المرأة فى هذه الحرب، وتضرب المثل بشجاعتها. (هلال ديسمبر 1917). وكانت الحرب العالمية الأولى مناسبة للحديث عن النساء المقاتلات قديما وحديثا وبذلك حطمت المرأة قول أبى العلاء:

كتب القتل والقتال علينا  ..    وعلى الغانيات جر الذيول

 

ولم يقف الحديث عن ذلك فقط، وإنما تناول الهلال تأثير النساء فى السلم بعملهن فى الصناعة والتجارة والزراعة، واستقلالهن فى العمل وهذا أدى إلى استقلالهن الفكرى «هلال أبريل 1917» وتابعت المجلة أنشطة المرأة فى كل المجالات، ولاحقت كل جديد فى حياتها وعملها مثل استعدادها للطيران، وإظهار أنها أشد من الرجال فى هذا المجال «هلال نوفمبر 1921 وفبراير 1925» وتشعب الحديث، وامتد إلى دورها فى المجامع العلمية والأدبية «هلال مارس 1922» والصناعات والرياضة البدنية وغير ذلك مما صار للمرأة فيه نصيب وافر. والقصد أنها تصلح لكل الأعمال والأنشطة الذهنية والبدنية. كما أن هذه النبذ تحدد للمسئولين فى الدولة المجالات التى يمكن أن تطرقها المرأة عندما تنعقد النية على تشغيلها، ولا يغيب عنا أثر هذه المعلومات فى النساء اللائى ضاعفن من جهدهن فى سبيل تحررهن وانطلاقهن على ما سنرى.

وقد اتبعت المرأة المصرية عدة طرق لتصل إلى مرادها، وتشارك فى الحياة الحزبية والأحداث الوطنية، ومن ذلك حضور جماعة من السيدات باليشامك والحبر إلى دار اللواء وجلوسهن مع الحاضرين للاستماع إلى خطبة مصطفى كامل التى استهلها بتوجيه الخطاب إلى السيدات والسادة. وتروى أمينة السعيد أنه يوم وفاة مصطفى كامل حملت فتاة تدعى تفيدة طلعت صبور علما وسارت به فى مقدمة موكب الجنازة حتى وصلت المقبرة فى الإمام الشافعى. وتوالى اشتراكها فى الحياة العامة إلى أن خلعت اليشمك والبرقع والحجاب.

«لقد كان تحرر المرأة فى البدايات بمنزلة تجربة، وبعد استقرار الوضع والإقرار بتحررها، صارت التجربة ظاهرة. والظاهرة تحتاج إلى تأمل وتحليل لذلك رأينا عدداً. من المفكرين يراجعون الآراء ويقومون الأمور المستجدة. فذهب سامى الجريدينى إلى أن عمل المرأة الأوروبية أمر أملته الحاجة الاقتصادية وظروف الحرب العالمية الأولى، أما المرأة الشرقية «فلم تجبرها الحياة الآلية الاقتصادية إلى الخروج إلى ميدان العمل بعد وليست محرومة من حقوق كانت أختها الغربية محرومة منها حتى الآن، فسبيلها إلى التمتع بكل ما للرجال من حقوق وما عليهم من واجبات يجب أن يكون سبيلا بطيئا تمهده الضرورة ويهيأ له بالتعليم والتهذيب».

وفى نوفمبر 1934 خصصت الهلال عدداً لتقييم هذه النهضة النسائية وتقدير آثارها على المرأة نفسها وعلى الأسرة والمجتمع، وتنوعت النظرات بطبيعة الحال، فرأى الشيخ مصطفى عبد الرازق أن المرأة تبنى، أما فريد وجدى فقد رأى أنها تهدم بناء المجتمع بإهمال تربية الأبناء وإشاعة الفحشاء والعمل على خلل التوازن الاقتصادى، واحتج بأقوال كثيرة لكتاب عالميين من أمثال أوجست كونت الذى قال بأن استقلال المرأة مؤخر للرقى، وجول سيمون الذى رأى أنه فى مقابل دريهمات تتقاضاها المرأة فى العمل تقوض دعائم أسرتها، وفى نفس العدد المشار إليه ذهب محمد حسين هيكل إلى أن المرأة منذ تحررها لم تبدع جديداً وأنها تفكر على النسق الغربى.

وفى عدد مارس 2008، والذى يحتفى فيه بيوم المرأة العالمى، وعيد الأم فى مصر، تصدر «الهلال» عدداً خاصا عن المرأة بعنوان «المرأة.. الجمود .. النهضة».

وما بين افتتاحية مجدى الدقاق رئيس التحرير والكلمة الأخيرة للشيخ مصطفى عبدالرازق، تنشر المجلة أكثر من ثلاثين مقالا وشهادة لعدد من الكاتبات المصريات والكتاب أيضا.

وفى عدد (مارس 2017) من مجلة «الهلال» صدر عدد خاص عن المشهد العام للنساء فى العالم العربى، بعنوان ( المرأة العربية .. قبل الربيع بعد العاصفة).

وجاء فى الافتتاحية التى كتبها رئيس التحرير سعد القرش: (تمنينا بعد اندلاع الثورات العربية فى نهاية 2010 وبدايات 2011 أن نتجاوز عقبات الاستبداد المركب، بصوره السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن نحتفل بالإنسان الذى أسهم فى هذا الإنجاز الثورى، مستلهمين لحظة نادرة كان ميدان التحرير (فى القاهرة) أصدق تمثيل لها، حين كان وطناً للأمن والحرية وعدم التمييز على أساس الدين أو الجنس، ويبدو أن الانفجارات العظيمة التى كانت الثورات ذروتها لم تنجح إلا فى كشف قشرة النفاق الاجتماعى والسياسى والدينى، إذ سارع أعداء المرأة، الخائفون من الحرية بامتداد دول الثورات والانتفاضات، إلى التراجع ليس عن دعم مكتسباتها القليلة قبل الربيع، وإنما إلى حصارها وإعادتها إلى عصور الحريم، فانتعشت مصطلحات جهاد النكاح، والسبى والولاية على المرأة التى انتفضت مرة أخرى، لتثبت أن لعجلة التاريخ اتجاهاً واحداً، إلى الحرية).

 

 

 

 

نهاية نقر بأن الهلال قامت بدورها الفعال فى حركة تحرير المرأة والدعوة إلى تحررها والنهوض بها وذلك منذ إصدارها (1892) وحتى الآن.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.