الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

أم كلثوم علمتنا الحب

0 100

كتب: فايز فرح

وتأتى ذكرى أم كلثوم كوكب الشرق، وقيثارة السماء، سيدة الغناء العربى بلا منازع، صوت الحب وعبقرية الأداء وعاشقة الحب والجمال، الفنانة التى علمتنا الحب عن طريق تغنينا بكلمات أغنياتها العظيمة، من منا لم يغن معها: القلب يعشق كل جميل، والحب كله، والحب كده، وحيّرت قلبى معاك، وجددت حبك ليه؟، والله محبة الخير محبة، وأنت الحب، وهل رأى الحب سكارى مثلنا، رق الحبيب، وفاكر لما كنت جنبى، وهلت ليالى القمر، سهران لوحدى، بالسلام وبالمحبة، وسيرة الحب، وأنت عمرى، ووقف الخلق ينظرون كيف أبنى قواعد المجد وحدى، كلمات هذه الأغنيات والقصائد تدفع فينا حب الإنسانية وحب الوطن وحب الخير وحب الحياة مما يجعلنا نشعر بالسعادة وبقيمة الإنسان كإنسان وهذه مهمة الفن الأولى.قصة حياة أم كلثوم فى حد ذاتها مشوقة جذابة، هى قصة طفلة ريفية بسيطة من عائلة متوسطة فقيرة، ولدت وتربت فى قرية صغيرة فى ريف مصر، لم يتجاوز تعليمها الكتّاب، أن تصبح سيدة الغناء العربى وكوكب الشرق، ودرّة الغناء فى الوطن العربى، وجوهرة مصر العظيمة فنياً واجتماعياً ووطنياً تتقن اللغة العربية الفصحى وتغنى بها أصعب القصائد الشعرية قديماً وحديثاً، وتتحدث اللغات الإنجليزية والفرنسية وبعض الألمانية، تجالس الملوك والرؤساء والأمراء والزعماء وكبار الأدباء والشعراء ورجال السياسة وتحاورهم فى كل الموضوعات بمقدرة وندية وتواضع..
إنها عبقرية متفردة تملك الشخصية القوية والطموح الذى لا يقف عند حد، والرغبة العارمة فى التعلم والتزين بكل قيم وسمات العقل.
اختلف الكتاب والمؤرخون فى تحديد ميلاد أم كلثوم، فالبعض يقول إنها ولدت فى الثلاثين من شهر ديسمبر عام 1898، وبعض آخر يقول إن تاريخ الميلاد هو اليوم الرابع من شهر مايو عام 1904م، أما مكان الميلاد فهو قرية طماى الزهايرة مركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية فى بيت صغير مبنى من الطوب اللبن، ولم تكن الأسرة تملك أى شىء آخر غير هذا البيت المتواضع، وكان والدها الشيخ إبراهيم السيد البلتاجى إماماً لمسجد القرية وقارئاً للقرآن، وكان أيضاً منشداً للابتهالات والمدائح النبوية فى المناسبات الدينية، وبعض الحفلات التى يقيمها الأثرياء والأعيان ورجال الحكومة، أما الأم السيدة فاطمة المليجى وكانت سيدة فاضلة اهتمت بتربية أطفالها: أم كلثوم وشقيقها خالد وشقيقتها سيدة تربية حسنة متمسكة بالعادات والتقاليد الأخلاقية المعروفة فى المجتمع المصرى، عندما بلغت أم كلثوم الخامسة من عمرها أصرت والدتها ووالدها على أن يرسلاها إلى الكتّاب مع أخيها خالد لتتعلم القرآن الكريم والقراءة والكتابة وقليلاً من الحساب، وعندما توفى شيخ الكتّاب أرسلت الأم طفلتها إلى مدرسة تبعد عن القرية عدة كيلو مترات لتستكمل تعليمها مدة ثلاث سنوات، يبدو أن القدر السعيد هو الذى شجع الوالدين على الاهتمام بتعليم الصبية أم كلثوم حيث حفظت بعضاً من القرآن الكريم، وبعضاً من قواعد اللغة العربية والنحو والقدرة على نطق الآيات وترتيلها وهو ما مهد لها فى الكبر أن تغنى القصائد وتتذوق الشعر، ومن الطبيعى أنها ظلت طوال حياتها تتعلم من كل الأساتذة والشعراء والشيوخ الذين تقابلهم، وتظل قراءتها للقرآن الكريم منذ طفولتها وترتيله السبب الرئيسى فى تمكنها من اللغة والغناء كما قال الفنان محمد عبدالوهاب.
من الطبيعى أن تتذوق الطفلة أم كلثوم فن الغناء، فقد كان والدها شيخاً ومنشداً وصاحب فرقة متواضعة، كانت البداية فى قريتها وفى بيت العمدة حيث اشتركت بالغناء فى إحدى المناسبات، كانت أذنها موسيقية تحفظ الألحان فى يسر وسهولة، وساعدتها ابنة العمدة زينب فى استضافتها فى بيتها والاستماع معاً للأسطوانات التى كانت تحتفظ بها، وبخاصة أغنيات أبو العلا محمد ومنها:
أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعه
ملك الفؤاد فما عسى أن أصنعه
اكتشف الأب موهبة طفلته وحلاوة صوتها فضمها إلى فرقته العائلية الصغيرة المكونة من الأب الشيخ إبراهيم والابن خالد، وابن زوج ابنته صابر والطفلة أم كلثوم.
ذاع صيت الفرقة وانتشرت أخبارها وزاد الطلب عليها فى الأفراح وليالى الإنشاد الدينية والموالد فى كل المراكز، ويبتسم الحظ لمطربتنا الصبية الموهوبة وعلى رصيف محطة القطار بمدينة السنبلاوين خلال عودة الفرقة من إحدى رحلاتها الفنية تفاجأ بأبيها يرحب بالشيخ أبو العلا محمد فهرولت إليه ترحب به وتعبر عن إعجابها بصوته وغنائه، ثم أوعزت لوالدها أن يدعوه إلى تناول الغداء فى بيتهم، قبل الفنان الكبير الدعوة، ولم تصدق فنانتنا الصغيرة نفسها وأنها تجلس أمام المطرب الكبير، وبعد تناول طعام الغداء استمع أبو العلا محمد إلى صوت أم كلثوم فانبهر به وأعجب بصوتها الجميل وأدائها المتقن وقال لأبيها:
(ابنتك جوهرة تحتاج للرعاية والتدريب، إنه صوت ماسى). تابع الفنان الكبير موهبة الفنانة الموهوبة من بعيد لكنه فى النهاية شعر بأنها لا بد أن تنتقل إلى القاهرة العاصمة حتى تنال فرصتها، ووافق الأب، وانتقلت الأسرة فى شهر مارس 1923 إلى العاصمة وساعدهم الفنان فى العثور على مسكن مؤقت فى أحد الفنادق، وعرفهم على بعض الشعراء ومنهم أحمد رامى، ثم رحل عن دنيانا عام 1927 وحزنت عليه أم كلثوم حزناً شديداً، يمثل الشاعر أحمد رامى نقلة ومحطة رئيسية فى حياة سيدة الغناء العربى أم كلثوم، فبعد عودة شاعرنا من فرنسا دعاه صديقه محمد فاضل يوم الخميس الموافق 24 يوليو سنة 1924 ليسهر معه فى حديقة الأزبكية التى كانت تضم كشكاً للموسيقى.
تحكى لنا الدكتورة نعمات أحمد فؤاد فى كتابها: (أحمد رامى قصة شاعر وأغنية) قصة رامى وأم كلثوم من البداية فتقول: فى كشك الموسيقى فى حديقة الأزبكية استمع رامى لأم كلثوم لأول مرة، كانت تغنى بغير آلات، كان رامى يجلس مع صديقه فى الصف الأول، وقال رامى.. مساء الخير يا ستى، أنا حاضر من غربة ونفسى أسمع قصيدتى..
فطنت أم كلثوم لمحدثها قائلة.. ازيك يا سى رامى وغنت له قصيدته:
الصب تفضحه عيونه
وتنم عن وجد شجونه
دخلت القصيدة المرنمة أذن رامى، ودخلت فى ركابها أم كلثوم قلبه، هام بصوتها وجن بأدائها وشعر بأن شيئاً قد زلزل نفسه وأخذ فؤاده، وأصبح متيماً بالصوت والشخصية، وبدأت حكاية حب كبيرة بين الشاعر والفنانة، كان الصوت هو السبب الرئيسى لإعجاب رامى بأم كلثوم، سافرت أم كلثوم فى اليوم التالى إلى رأس البر وظلت أربعين يوماً هناك شعر خلالها رامى بحبه لها وارتباطه بها، ثم أعلن عن حفل لها فى البوسفور فهرع إليها، ولما رأته غنت للمرة الثانية أغنيته المحببة لديه، وتوثقت علاقتهما، وأخذ يزورها ويراجع لها أسطواناتها، كما هذب ألفاظها قبل الصدور، وكرس وقته فى خدمتها، وأخذ يزورها كل يوم اثنين ليقضى اليوم كله معها يعلمها اللغة العربية وكيف تتذوق الشعر وينتقى لها الأشعار الكلاسيكية ويشرحها لها، كما كان يعلمها اللغة الفرنسية، لم يكن رامى يشرع فى كتابة الأغنية إلا بعد معرفته بأم كلثوم، ولم يعجبه كلام الأغنيات فى ذلك الوقت التى تعتمد على المشاعر الحسية واللذات الجسدية والإيماءات الجنسية مثل: ارخى الستارة اللى فرحنا أحسن جيرانا تجرحنا، بل اهتم بالقيم والأخلاقيات والمشاعر الروحية السامية، وكانت هذه ثورة فى مجال الأغنية الإنسانية الراقية، بدأ رامى التعبير عن حبه لأم كلثوم بكلمات الغناء الراقى الوجدانى فعندما مرضت كتب الشاعر يغنى:
يا للى جفاك المنام
عليل أليف السهاد
النوم على حرام
وأنت طريح السهاد
تسافر أم كلثوم فيكتب رامى:
أيها الفلك على وشك الرحيل
إن لى فى ركبك السارى خليل
وتعود وتدعوه فيغنى:
رق الحبيب وواعدنى يوم
وكان له مدة غايب عنى
حرمت عينى الليل م النوم
لأجل النهار ما يطمنى
صعب علىّ أنام
أحسن أشوف فى المنام
غير اللى يتمناه قلبى
واستجمع أحمد رامى شجاعته ليعبر عن مشاعره نحو الفنانة التى ملكت فكره وعقله وشاعريته وكتب قصيدته إلى سومة:
صوتك هاج الشجو فى مسمعى
وأرسل المكنون من أدمعى
سمعته فانساب فى خاطرى
للشعر عين ثره المنبع
سلوى من الدنيا تعزى بها
قلب شديد الخفق فى أضلعى
كأنما لفظك فى شدوه
منحدر من دمع الطيّع
فيه صباباتى وفيه الضنى
يشكو تباريح فؤادى معى
نظمت أشعارى وغنيتها
منظومة الحبات من مدمعى
غنّى وخلّى الدمع يروى الذى
قد جفّ من نفسى ولم ينبع
غنت أم كلثوم لخمسين شاعراً مصرياً وعربياً، تبنت بعضهم من الشباب، وغنت لبعض الشعراء بعد وفاتهم مثل، أحمد شوقى، والدكتور إبراهيم ناجى.
لعبت أم كلثوم بطولة ست أفلام سينمائية غنائية هى: فيلم وداد 1936، فيلم نشيد الأمل 1937، وفيلم دنانير 1940، وفيلم عايدة 1942، وفيلم سلّامة 1945، وفيلم فاطمة 1947، فى شهر سبتمبر 1944 أقام النادى الأهلى الرياضى والاجتماعى حفلاً غنائياً بمناسبة حصوله على بطولة الدورى العام وكأس مصر فى الموسم 43/ 1944 وأيضاً بمناسبة عيد الفطر المبارك، خلال الحفل فوجئ الحاضرون بتشريف جلالة الملك فاروق الأول بصحبة بعض الأمراء ورجال القصر، وكانت أم كلثوم تغنى: يا ليلة العيد آنستينا، وبعد أن حضر الملك استطاعت أم كلثوم أن تضيف للأغنية من عندها كلمات تعبر بها عن فرحتها وترحيبها بالملك، وفى نهاية الحفل أعلن أحمد حسين باشا عن منح الملك فاروق وسام الكمال من الطبقة الأولى لأم كلثوم التى فوجئت بالموقف، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أم كلثوم أول امرأة من عامة الشعب تحمل لقب صاحبة العصمة.
استمرت أم كلثوم فى الغناء على المسرح أكثر من نصف قرن، منذ وصولها إلى القاهرة 1923 وحتى رحيلها فى فبراير 1975، غنت خلالها 82 قصيدة شعر ومئات الأغنيات العاطفية والوطنية والوصفية والدينية الأخرى، وهى الوحيدة الفنانة العربية التى ظلت تغنى هذه المدة وهذا الكم البديع من الغناء، وخلفها فرقتها الموسيقية تعزف أصعب وأجمل الألحان دون نوتة موسيقية، وكانت الفرقة المصاحبة لها تتكون من 22 إلى 28 عازفاً ماهراً بقيادة عازف القانون العملاق محمد عبده صالح، لكن عدد العازفين زاد فى بعض الأغنيات ليصل إلى 42 عازفاً.
استطاع الرئيس جمال عبدالناصر إقناع الموسيقار محمد عبدالوهاب وكوكب الشرق بالتعاون فى عمل فنى يثرى الحياة الفنية ويشبع عشاق الفن فكانت قصيدة أنت عمرى 1964 وغيرها.
وعندى أن أم كلثوم عبقرية غنائية نادرة، فهى ليست مجرد مطربة، بل هى تتذوق كل كلمة وبيت شعر وتتدخل أحياناً فى تعديل كلمة أو كلمات أو بيت ويوافق الشعراء والمؤلفون عندما يجدونها على حق، وهى تتدخل فى اللحن لتغير جملة موسيقية تكون أنسب وأسهل، وهى فوق ذلك عندما تغنى تستكمل بصوتها – قيثارة السماء – اللحن الموسيقى ليكون روعة على روعة، وهى تلون صوتها وأداءها ليعبر عن كلمات الأغنية وروح النص، هى أيضاً تعيد جملة أو بيت شعر بلحن آخر غير الأول، وكانت تملك قدرة عجيبة فى التحكم فى تنفسها، فالمستمعون كانوا يعجبون بالعبارة الطويلة سواء أكانت طويلة نصياً أو موسيقياً أو نصياً وموسيقياً معاً، هى عبقرية حقيقية تهتم بتقديم الجديد والمبهر، الذى ربما لا يصل إليه غيرها.
أم كلثوم علمتنا الحب، حب الإنسان، وحب الوطن، وحب الخير والبناء والعمار، علمتنا العطاء فكرست وقتها وقت الحرب لتغنى للمجهود الحربى، وتجمع التبرعات من الكبار والشعب، وتطير إلى كل العالم تغنى من أجل مصر، أم كلثوم هى ملحمة الفن والحب والعطاء، ستعيش مئات السنوات فما زالت الجماهير تعشق أعمالها وروائعها وتتغنى بها وتسهر معها..
إنها أم كلثوم وكفى..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.