الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الإناء الخزفى وطقوس السحر الإفريقى

0 58

كتبت د. هدي مدني

أشارت دراسات علم الجمال إلى أهمية دراسة الفنون الإفريقية, لأنها فنون تتفاعل مع الروح لما تتميز به من خصائص ومميزات أسهمت فى إثراء الفنون الآخرى فكرياً وفنياً وتشكيلياً مما جعلها أحد الفنون العالمية، حيث ظهر الفن الإفريقي بأشكاله وأساليبه العديدة، فكانت تقاليدهم وعاداتهم تنقل من خلال أعمالهم الفنية، وفن الخزف من الفنون الملموسة المتميزة بأداء فنى بارز، فأنتجوا أوانى فخارية متنوعة الألوان, وذلك بسبب اختلاف التربة الإفريقية ذات الطينات المختلفة والألوان المتدرجة بين الأحمر القانى إلى البنى الداكن والفاتح، ونجد أن الإناء الإفريقى يحمل فى طياته جماليات الفن الإفريقى وأصالته، فلقد استفاد الإنسان الإفريقى من الوحدة الكلية للعناصر التى شكلت ثقافتة الإفريقية وحياته الاجتماعية، وهناك التكامل بين الدين والبيئة الاجتماعية, وتكامل بين العناصر السحرية والفنون، وكل هذه العناصر تتداخل فيما بينها بشكل دائرى لتصب فى نظام اجتماعى موحد يظهر أثره فى شكل إناء متنوع الأشكال والزخارف وله دور ووظيفه نفعية واجتماعية، وارتبط بنظم اجتماعية وعقائد دينية وسحرية والأساطير القديمة.

حيث اهتمت المجتمعات الإفريقية بالسحر لأنه وسيلة لتحقيق مطالبهم, والشخص الذى يمارس السحر ينظر إليه بعين الريبة والخوف لأنه على اتصال بقوى شريرة وبإمكانه أن يجعل أى شخص فى قبضة السحر, ومن الأشخاص الذين يمارسون السحر الطبيب الساحر أو كما يطلق عليه الكاهن الطبيب.

ويلاحظ فى شكل (1)، تمثال يوضح شكل الكاهن أو الطبيب الساحر، وتتضح ملابسه الغريبة الشكل والتى تضفى عليه عنصر الرهبة والريبة والخوف منه، فالملابس هى عبارة عن ألياف النخيل معلق بها تماثيل صغيرة مصنوعة من الخشب أو منحوتة من الطين مطعمة بالخرز الملون والقواقع، أو تمائم صغيرة من الخرز الملون الأبيض والأزرق والأحمر.

متحف الفن البدائى – نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية.

ونجد أن الأفارقة يخافون منه ويعدونه أخطر رجال القبيلة، وذلك لاتصاله بالقوة الخفية لاستنباط الجواب منها عن نوع المرض الذى أصيب به شخص ما, ويقوم الطبيب الساحر بأساليبه الخاصة لمعرفة الجواب, وقد يضيف إلى ذلك وصف دواء ما وطريقة استعماله, فهذا الكاهن الطبيب يلعب فى القبيلة الدور الذى يقوم به فى عالمنا المتحضر الأطباء والصيادلة، فهو يساعد الناس على الاستشفاء، حيث يستدعى أرواح الأجداد لحل المشكلات والعلاج من الأمراض، وطرد الأرواح الشريرة، فهو (المبرئ) الذى يتصل بالأجداد بمختلف الطرق، ربما يذهب فى سبات أو تجل أو يستخدم السحر، مثل لوحة للتكهن بالغيب أو الأشكال المحفورة، فعلى سبيل المثال قبيلة اليوروبا فى نيجيريا، وقبيلة الدوجون فى مالى يـستخدمـون سلطانية أو وعاء للتـكهن والتنجيـم، والكاهـن بهذه الطريقـة يتـكهن عنـدما يستشيـره الناس فيما يـجب أن يفعلوه، ويتضح ذلك فى شكل (2).

هذا الإناء يطلق عليه (الفأر الوسيط للوحى)، وهو من القطع النادرة التى تستخدم فى الطقوس السحرية، يلاحظ أن الزخارف آدمية لرجل متقدم فى العمر, الوجه به استطالة دليل على قدسية هذا الشخص, العيون نصف مغلقة رمز للتأمل, والشفاه غليظة والشعر منسق, ولقد ركز الخزاف الإفريقى على الرأس فقط دلالة على حكمة هذا الشخص، الرأس حولها إطار زخرفى بسيط مثلثات محزوزة، وعلى الجانبين نتوآت بارزة مثلثة الشكل تم تكرارها على الغطاء أيضاً بالإضافة إلى زخارف بسيطة منفذه بأسلوب الحز ملتفة حول البدن، كما تم تكرارها على قاعدة الشكل، الإناء له ثلاثة مقابض, مقبضان على جانبي العمل الفنى، ومقبض على الغطاء.

  • ارتباط الإناء الإفريقى بالسحر والأساطير القديمة:

يعرف السحر بأنه عالم الغموض والرهبة والخوف وأيضاً عالم المعجزات والآمال المنشودة, إنه عالم خفى مليء بالأسرار, وربما كان ذلك هو مكمن جاذبيته التى أثارت اهتمام العديد من الفلاسفة والعلماء على السواء، والأعمال الفنية الأفريقية لا تعتبر أعمالاً فنية خالصة كما هو متعارف عليها, بل أشياء نافعة تستخدم فى الاحتفالات والطقوس الدينية والسحرية التى تؤلف غالباً على أساس التنظيم الاجتماعى, جيث ينتج الفنان الأفريقى كثير من الأوانى الفخارية المتنوعة الأشكال والأحجام ويزخرفها بتصميمات وأنماط معقدة متشابكة ذات مدلولات رمزية, والتى معظمها ينتمى من حيث النشأة إلى مناطق معينة فى القارة الأفريقية لم يستكشفها إلا القليل من المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا*, حيث تأثر الفنان الأفريقى بالسحر, الأساطير, والقصص القديمة والأمثال التى تهتم بتراثهم القبلى القديم, وهذه المؤثرات تلاحظ فى كثير من أعمالهم الفنية التى لقيت تكريماً بمرور الزمن, ويؤكد (جيمس فريزر**) الذى اهتم بدراسة علاقة الدين بأعمال السحر عند القبائل الأفريقية المعاصرة فيقول: توجد علاقة وثيقة بين السحر والعقيدة عندهم, فالسحر ينطوى على محاولة التحكم فى قوى الطبيعة مباشرةً, أما الدين فالتضرع للفوز برضا الله عن طريق الدعوات والصلوات وغيرها من الوسائل بما فيها الفنون[1], فالمجتمعات الأفريقية عندما تمارس الطقوس السحرية لاستحضار قوى غير طبيعية فإنهم يلبسون الملابس التى تتناسب مع هذه الطقوس وارتداء الأقنعة والرقص على دقات الطبول بعنف وخشونة بالإضافة إلى الأغانى التى تمدح وتمجد الأسـلاف،  كما أنهم يستخدمون أوانى تتميز تصميماتها بالقوة أوالدمج بين العناصر الآدمية والحيوانية فى آن واحد كما فى الشكل (3).

إناء إفريقى يستخدم فى الطقوس السحرية، الزخارف وجه آدمى يشبه الوطواط، العين والأنف بارزة، الأذنان كبيرة الحجم، العنق طويل بعض الشيء, البدن عليه زخارف بارزة تعطينا إحساسا بتفاصيل الأذرع، الزخارف من الأمام خطية طولية وعرضية محزوزة، بالإضافة لبعض الملامس المحفورة، كما يوجد نتوآت بارزة تبدأ من على جانبـى العنق تشبه حراشيف التماسيح، الإناء مستنـد على قاعـدة مصنوعة من ألياف النخيل تتناسب مع الشكل العام للإناء، الزخارف أغنـت العمل الفنى، كما أنها تتلاءم مع الجانب الوظيفى مضافاً لها القيم التعبيرية.

كما يقوم الساحر بعمل التعاويذ اللازمة وإشعال النار ووضع علاج السحر داخل الأوانى الفخارية المخصصة لهذا الغرض، فيضع  بداخلها حبوبا وشعرا وأسنانا، كما يضع قطعا من القماش أو الريش أو قطعا من الطين، وبعض القطع الصغيرة من المرايـا أو قطعا من المعادن اللامعة أو القواقع, ويتضح هذا فى الشكلين (4،5).

 

ويلاحظ ارتباط الإناء الأفريقى بالسحر والطقوس السحرية والمواد التى يتم إضافتها ووضعها داخل الإناء أثناء هذه الطقوس، كما أن المشاركين فى هذه الطقوس يسألون الأرواح والآلهة المعنية الخلاص من هذا السحر أو أن تسقط على المزارعين المطر, أو رفع الوباء والمرض, أو أن تضمن لهم حياة رغدة وأن تساعد محاصيلهم على النضج والوفرة وكذلك أن تزيد من مواشيهم, فيلاحظ أن الفنان الأفريقى تأثر بهذه المعتقدات السحرية وبالتالى أثرت على أعماله الفنية فأصبحت الزخارف التى على الإناء الأفريقى معظمها زخارف حيوانية مثل: الأفعى, التمساح, السلحفاة، والحرباء…… وغيرها, ويتضح هذا فى الشكل (6)، وذلك لاعتقاده أن هذا الرمز الحيوانى يمكنه من مـواجهة السحر، أو يبدأ فى وضع بعض المكملات الآخرى بعد عملية الحريق مثل: (القواقع, الحبال, أغصان الأشجار الرفيعة، وغيرها)، وهذه العناصر تتناسب مع طقوسه السحرية، التى لم تتغير رغم أننا فى القرن الواحد والعشرين، ورغم مرور آلاف السنين، فالإفريقى يمارس السحر حتى الآن، للتقرب من الآلهة، وللحصول على ما يبغيه منها من الازدهار والصحة والحياة الرغدة، وهذه المعتقدات ذات معان رمزية، تمنح الفنان الإفريقى الشعور بالأمان والاستقرار النفسى وإحساسه بالتوازن والأمن مما يجعله ينتج أوانى فخارية ذات وظيفة اجتماعية حسب مفاهيمه الدينية والسحرية.

إناء يستخدم فى الطقوس العقائدية السحرية، الزخارف عبارة عن عنصر آدمى يـقف بجوار طوطـم*، حاملاً فى يـده إنـاء لانتـظاراً لما سـوف تـهبه له الآلهـة من نـعم وخيرات، العمل الفنى يؤكد على أهمية الإناء فى حياة الأفريقى، ومدى ارتباطه بطقوسه وعاداته، فهو يمنحه الشعور بالاستقرار والاتزان، والشكل تتضح فيه القيم التعبيرية بقوة.[2]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

* الأنثروبولوجيا : علم الإنسان.

**جيمس فريزر: أحد علماء الأنثروبولوجيا , وله آراؤه القيمة حول علاقة الدين بأعمال السحر عند البدائيين فى موسوعة (الغصن الذهبى).

 

*الطوطم : هو أى كيان يمثل دور الرمز للقبيلة، وأحيانآ يقدس باعتباره حامى القبيلة ويكون على هيئة حيوان أوجزء من إنسان.

 

 

///////////////////////////////////////////////  كلام الصور

شكل(1)

تمثال يوضح شكل الكاهن أو الطبيب الساحر

 

شكل(2)

إناءأفريقى من الفخار – تركواتا- قبيلة باولى

ساحل العاج -كوتديفوار

غرب إفريقيا – منتصف القرن الـ 20

 

شكل (3)

إناء أفريقى من الفخار – تراكوتا

نيجيريا – غرب أفريقيا

الأبعاد: الطول 36 سم

منتصف القرن الـ 20 الميلادى

 

شكلى (4،5) يوضحان ارتباط الإناء الإفريقى بالسحروالطقوس والعادات السحرية، والمواد التى يتم إضافتها ووضعها داخل الإناء أثناء هذه الطقوس.

 

شكل (6)

إناء أفريقى من الفخار – إيف

نيجيريا – غرب أفريقيا

متحف إتايامو– نهاية الـ 18 الميلادى

الأبعاد:37 ارتفاع × 36عرض سم

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.