الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

التشكيل ..وقراءة خرائط الجسد

0 76

كتب :احمد الجنايني

>> طرح تناول الجسد إبداعيا العديد من الإشكالات بدءا من سؤال المقدس ومرورا باشتباك الجميل والغواية

>> فى تسلسل طبيعى لتأثر فنون القرن 19 بالمنجز الإنسانى عبر التاريخ أبدع سيزان لوحته “المستحميات” ومانيه لوحته “أولوميا” وكليمت لوحته “القبلة” و”الحقيقة العارية” وبراك “العارية الكبيرة”

>> فى مصر كانت تجارب محمود سعيد العارية التى أبدع فيها عبر الموديل العارى وأهمها لوحة الخضراء

 رغم ما يمثله الجسد الإنسانى من أهمية كبرى فى تاريخ الإبداع من ناحية وفى رسم ملامح ثقافات متعددة ومتباينة من ناحية أخرى إلا أنه لا يمكن إلا أن يكون هذا الجسد علامة مهمة من علامات قراءة الخريطة الأنثروبولوجية للمجتمعات المختلفة ومفتاحا مهما لتأويل الرموز الجمالية، وتفسير ما يقف عليه مفهوم الجمال وتباينه من مجتمع إلى آخر ولا يمكن لأى قارئ لتاريخ الفن أن يستطيع هضم أو الوقوف على قراءة حقيقية لهذا التاريخ إذا ما تم قصر الجسد الإنسانى من تاريخ التصوير أو النحت أو المسرح أو حتى الشعر والأدب، فالجسد الإنسانى حجر زاوية تتكئ عليها كل تلك الإبداعات والجسد الإنسانى تم تناوله رسما على جدران الكهوف وحضوره جنسيا كان أكثر وضوحا فى العصر الزراعى اللاحق لعصر الكهوف، بيد أنه اتشح بالقداسة فى عصور الحضارات لاسيما فى حضارة الفراعين وكذا الحضارة اليونانية.

وطرح تناول الجسد إبداعيا يفتح الباب أمام العديد من الإشكالات بدءا من سؤال المقدس ومرورا باشتباك الجميل والغواية ويبقى سؤال العرى فى الفن التشكيلى حسب رؤية الناقد إبراهيم الحسين من زاوية جمالية تاريخية يفتح نوافذ الغواية التى تسللت منها نماذج جسدية عارية فى التصوير والنحت حسب تعبيره.

إذا كان التصوير العارى المسكون بإشارات جنسية فى الثقافة الإغريقية شائعا وطبيعيا وأيضا كان محملا ببعد فلسفى وعقائدى يسمح بالتأصيل لفكرة الشمولية ونعنى بها شمولية الإنسان باعتبار أن الروح و الجسد لا يمكنهما إلا أن يكونا واحدا، لذلك أكد الفنان الإغريقى على ما يمكن أن نسميه بالفكرة المجردة التى تمنح الشكل تجليات مزدوجة تتجلى فى الكمال الجسدى والإثارة معا.

ها هو براكسل النحات الإغريقى يجرد أفروديت لأول مرة من ثيابها فيصورها عارية تماما ويقدم أيضا بوتشيللى فنان عصر النهضة لوحته الأشهر “مولد فينوس” أو ” ولادة فينيرا” ليبدع عبرها قيما جمالية خالصة أكدت تلك القيم على جماليات الجسد الأنثوى فى تلك الآونة كذلك فعل تيسيان وجيورجيونى غير أنه لايمكننا غض الطرف عن تلك الأعمال الفنية الكثيرة التى صورت النساء المخمورات وقبضت إبداعيا على لحظات الإثارة الجنسية والفجور لتعكس هذه اللوحات ملمحا من ملامح الفن الإغريقى القديم.

وإذا كانت ثمة إشكالات فى تناول الجسد الإنسانى عاريا حين يشتبك الفنان مع المقدس تماما كما فعل مايكل أنجلو فى منحوتته المسيح عاريا، فإنه لاشك قد تجاوز فكرة الخجل ليصبح التناول مؤكدا ومشتبكا مع مفاهيم جديدة تتخذ من العلاقة بين الواقع والميثولوجيا مهمة للكشف عن قيم جمالية راقية.

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للإغريق فإن ارتباط العرى بالمقدس كان واضحا وجليا فى الهند حيث ارتبط رجال الدين العراة بعقيدة “الجاينز” التى ظهرت منذ ما يقرب من 2500 عاما، كذلك نقلت طائفة ” الساكاس” وهى طائفة هندية تقاليدها فى العرى إلى الهند الحديثة عبر آلاف التماثيل التى عرضت فى مدينة “كاجوراكوا” والمدهش أن تلك التماثيل والتى تعود إلى القرن العاشر الميلادى بدا فيها العرى والجنس فجا لدرجة حجبت عن الخيال أى نافذة للرؤى بينما شاع ما يعرف بـ ” الكاماسوترا” هذا النص الهندى القديم الذى يتناول السلوك الجنسى لدى الإنسان وقد صاغ هذه النصوص وجمعها الفيلسوف الهندى “فاتسيايانا” مجسدا العديد مما يفعله البغايا فى المعابد الهندوسية باعتبار ذلك طبيعيا حيث كان الحب مباحا ويمثل شعيرة من شعائر العبادة فى ذلك الوقت.

وفي نفس الإطار لا يمكن تجاهل تجربة بابلو بيكاسو التي أبدع خلالها كما هائلا من اللوحات مصورا ومتناصا مع ما كتبه أوفيد في كتابه ( مسخ الكائنات  ) الذي اعتبره الألمان إنجيل المصورين واعتبره الفرنسيون إنجيل الشعراء .

وفى تسلسل طبيعى لتأثر الفنون فى القرن 19 بكل هذا المنجز الإنسانى عبر التاريخ أبدع سيزان لوحته “المستحميات” ومانيه لوحته “أولوميا” وكليمت لوحته “القبلة” و” الحقيقة العارية ” وبراك “العارية الكبيرة” بينما أبدع دالى “المستنمى الكبير”وماجريت ” لوحة اغتصاب”.

وجدير بالإشارة هنا لهذا المنجز الكبير عند الفنان السويسرى باولفوندارليش الذى وظف الفوتوغرافيا العارية لزوجته ليعيد صياغتها تشكيليا فى العديد من التشكيلات وسيطرت على الكثير من أعماله الأفكار الجنسية بشكل ملفت للانتباه.

وبالقطع لم يكن التاريخ الإنسانى منفصلا عنه بأفكاره وفلسفاته فى المنطقة العربية رغم القناع الدينى الذى حد من أن يكون الجسد موضوعا جماليا أو أن يكون تجارب الإبداع عبر الجسد فاضحة لاعتبار ذلك خدشا للمؤسسة الدينية وللتقاليد العربية والإسلامية مما جعل تناول الجسد العارى اختراقا للتابو.

ورغم هذا الصدام الذى قد يبدو عائقا للفنان إلا أنه لا يمكن تجاهل إرث كبير تركه لنا بعض من اجتهدوا من الإسلاميين ببحوث تناولت الجنس من كافة جوانبه، نعم حفظت المخطوطات والمنمنمات الأدبية الإسلامية الكثير من قصص وقصائد العشق والغرام والكثير من الأجساد النسائية بكل تفاصيلها الجمالية والتى جسدت أزياؤها إضافة  جمالية موحية ومبهجة أيضا.

حفظت لنا المخطوطات بحوثا أكثر خدشا للحياء من اللوحات وفى هذا الصدد لا يمكن غض الطرف عما جاء فى قصص ألف ليلة وليلة من أساطير وقصص عن الجسد الأنثوى وعن الجنس المحرم وتلك العلاقة الشائكة بين الرجل والمرأة.

لقد أرخ العديد من مفكرى العصر الوسيط للجنس لتفاصيل مسهبة تناولت كافة التفصيلات الفسيولوجية والوظيفية وما ارتبط بها ارتباطا وثيقا بثقاقة جنسية واجهت ما يمكن أن يسمى بتابو الحياء وما قدموه كان محاولة جادة للتنوير الذاتى.

وفى العراق قدم الواسطى مجموعة كبيرة من الرسوم التى أرخت لإشارات جنسية ولم يعقه تابو الحياء فرسم المرأة كما الرجل بكل وعى وحرية “تكورات الجسم، تفصيلات العجز والورك وغيرها” وفى مصر كانت تجارب محمود سعيد العارية التى أبدع فيها عبر الموديل العارى الذى تكرر كثيرا فى أعماله والتى أهمها لوحة الخضراء، بينما ينفخ مختار بأزميله الرخام والجرانيت ليشكل لنا عاريات يكاد تلمس العين بضاضة جسدها ونفور حلماتها ها هو يجسد جمال إيزيس فى أهم منحوتة من منحوتاته العارية.

وإذا كان رسم الموديل العارى قد تم مصادرته ومنعه فى كليات الفنون فى أوائل السبعينيات فى مصر نتاج المد الدينى الذى رفع شعار التابو لحجب تجارب الدراسات الجادة للجسد العارى، فإن ثمة من تحدى التابو فى مصر كانت تجارب ميرفت عطا الله بقاعة إخناتون بمجمع الفنون بالزمالك فى تسعينيات القرن الماضى حيث رسمت إيحاءات جنسية واضحة فى كل أعمالها مما أثار الكثير من الجدل، وفى تونس فى تجربة أكثر جرأة حين رفعت الفنانة التونسية دورصاف بنت شعبان الفرشاة عاليا لتعلن فى تحد واضح أنها قررت أن تخوض تجربة شخصية لاستلهام موضوع”ثقب البكارة ـ ثقب الروح، تجربة شخصية فى استلهام ألف ليلة وليلة” ليكون عنوانا لورقتها البحثية لنيل درجة الماجستير ولتمارس إبداعاتها التشكيلية فى تواز مع البحث معلنة أن التاريخ يبرز لنا أن العذرية تابو مقدس ليس عند العرب والمسلمين فحسب بل لدى الشعوب البدائية نظرا لرمزية الافتضاض وطقوس الدم.

إنها بذلك قررت ونحن فى بدايات الألفية الثالثة ووسط ارتفاع موجات التيارات الدينية وما يسفك من دماء على جل الخارطة العربية نتاج هذا الصدام الذى يرفع شعار المقدس فى مواجهة الحياة رغم هذا الجو المشحون بعواصف المخاطرة قررت دورصاف بنت شعبان أن تخوض المعركة.

وفى النهاية فإن كلمات رولان بارت لايمكنها إلا أن تكون واصفا دقيقا لكل ما تختلج به مشاعرنا تجاه هذا الصخب الذى ما زلنا نبحث عن تفسير يحتويه ويحتوينا.

” إننا عبر صورة الجسد لا نملك سوى ضعفنا”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.