الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الغناء العاطفى: تاريخ من الرقي تاريخ من الإسفاف

0 67

كتب :أشرف عبد الرحمن

تعتبر أكثر الموضوعات ارتباطا بالغناء سواء الغناء العربى أوالغربى هو الحب والعاطفة ، وبما أن لغتنا العربية هى اللغة الأكثر بلاغة والأعمق تعبيرا عن المشاعر والحب ، مما جعل الشعراء وخاصة شعراء الأغنية العربية يتفنون ويبدعون بتعبيرات مختلفة عن الحب والأشواق والهيام. وقد مر الغناء العاطفى بمراحل مختلفة منذ القرن العشرين إلى الآن، ففى بداية القرن العشرين ومع الحرب العالمية الأولى ، كان وضع الأغنية العاطفية يمر بفترة من الإنحدار فمع الأزمات تتزايد الأعمال المسفة التى وصلت إلى الأغانى الإباحية أحيانا ، وهذا ما نشاهده أيضا هذه الأيام وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد، حيث انتشرت الأغانى الفيديو كليب الإباحية والتى وصلت إلى القضايا بالمحاكم ليحكم فيها القضاء فيتم الحكم على من يقومون أو تقمن بغناء مثل هذه الأعمال بالسجن باعتبارها جريمة أخلاقية كبرى وهى بالفعل أكثر من ذلك، لقد تخطت الأغنية العربية مرحلة الهبوط الفنى منذ سنوات لتدخل فى مرحلة جديدة هى مرحلة الفساد الفني، على الرغم أن القرن العشرين شهد قمة التطور للغناء العاطفى الراقى والصادق والذى شكل وجدان الوطن العربي، وإن كانت الأغانى القديمة من موشحات وأدوار التى انتشرت فى القرن التاسع عشر، كانت تتسم بالحب الراقى وبالعاطفة البريئة، ولكن كانت الكلمات سطحية المعنى لم تكن بنفس العمق والخيال الذى جاء به شعراء القرن العشرين أمثال أحمد شوقى وأحمد رامى وبيرم التونسى والعشرات من الشعراء الذين ساهموا فى تطور الأغنية العربية على قدم المسواة بجانب الملحنين والمطربين الكبار، ففى القرن التاسع عشر كان الغناء يتسم بالرقى فى النغمات الموسيقية التى تتسم بالتطريب والأصوات الشجية القوية أمثال عبده الحامولى ومحمد عثمان ، فرغم بساطة الكلمات إلا أن هذه الأعمال الغنائية تعد نموذجا راقيا من الإبداع.
ولو ذكرنا بعض من كلمات هذه الأغانى واشهرها هو الدور الغنائى ( قد ما احبك زعلان منك) وتقول كلماته ” قد ما أحبك زعلان منك .. وليه ترضى ببعدى أنا عنك … أسمح بقه وتعالى أما أقولك .. إن ما كان ده يكون خلينا منك .. جرحنى لاحظك وهجرنى قلبك .. ماكنش أملى الله يسمحك .. اسمح بقه وتعال ما أقولك إن ما كان ده يكون خلينا منك ” فكانت هذه الكلمات القليلة والبسيطة هى الدور بأكمله والذى كان يستغرق فيه المطرب بالغناء لأكثر من ربع ساعة متواصلة، حيث كان العمق فى النغمات والتنوعيات اللحنية المختلفة وغناء نفس المقطع بأكثر من اللحن مع الزخارف الصوتية الشجية، ومع ذلك كانت الكلمات معبره راقية.
وجاء القرن العشرين وبعد فترة الهبوط الفنى التى لحقت بالأغنية العربية فترة الحرب العالمية الأولى ، انطلقت الإذاعات العربية التى اهتمت بالموسيقى والغناء والعناية أيضا عند اختيار الكلمات والأصوات والموسيقيين حيث حققت بذلك الطفرة الحقيقية فى تطور الأغنية العاطفية، ليأتى هذا التطور مناصفة بين الملحنين والشعراء، وإن سبق تلك الفترة الرائد الأول للتطور الغنائى عموما فى بداية القرن العشرين هو سيد درويش الذى أدخل الغناء التعبيرى والجمل اللحنية التعبيرية دون أن يتخلى عن التطريب أيضا فى بعض الألحان، ورغم أن سيد درويش كانت أعماله من خلال المسرح الغنائى التى تحاكى مواقف والتى تعبر عن الدراما إلا أن جمال هذه الأعمال أصبحت فى تراثنا أعمال غنائية مستقله بذاتها بعيدة كل البعد عن النص المسرحى الذى قدمت من خلاله، فمن الأعمال التى تعد نقطة انطلاقة للغناء العاطفى نجدها على سبيل المثال فى المونولوج الذى يناجى فيه قلبه ويعاتبه على حبه ، وهذا المونولوج من كلمات أمين صدقى ليقول ” والله تستاهل ياقلبى ليه تميل .. ما كنت خالي”.
وهنا نجد مناجاة مع القلب والجوارح وهنا الحب الراقى ليكتمل هذا الرقى والإبداع فى نهاية المونولوج والكامات التى تحوى فى مجملها مشاعر كثيرة، عندما يدعو لكل الأحبة ” يارب كل من له حبيب .. وطال بعاده ولا قريب ما تحرموش منه وهاته له بالسلامة”.
ليأتى هذا الجيل وهو جيل الرواد فى القرن العشرين على رأسهم سيد درويش والشيخ زكريا أحمد ومحمد القصبجى ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطى ليقوموا بتطوير هذه المدرسة الدرويشية الراقية من حيث اللحن والغناء التعبيري، كما يأتى الجيل الثانى أمثال فريد الأطرش ومحمد فوزى ومحمود الشريف وأحمد صدقى ليضيفوا أيضا للغناء العاطفى لونا جديدا خاصة مع تطور الفرقة الموسيقية على يد عبد الوهاب ودخول آلات موسيقية غربية عمقت خيال الجمل اللحنية العربية التعبيرية وإظهار جمالها مثال دخول التشيللو والكنترباص والعديد من الآلات الغربية ، والتى كانت دافعا مهما لظهور المقدمات الموسيقية الطويلة فى القصائد التى تغنت بها أم كلثوم وعبد الوهاب وكل من جاء بعدهم، لتصبح الأغنية العاطفية الراقية هى سمة هذا العصر بكل أشكالها من طقاطيق خفيفة أو قصائد باللغة العربية الفصحى لتصل القصيدة الغنائية فى هذا العصر إلى أقصى درجة من التطور والرقى الفنى سواء فى اللحن والكلمات والغناء ، وكان أكثر الفنانين إنتاجا للقصيدة الغنائية محمد عبد الوهاب وأم كلثوم التى غنت معظم قصائدها من ألحان السنباطى على الأخص.
ويرجع إلى رامى الفضل الأول فى نظم الشعر الغنائى العاطفي، الذى يعتمد على إيقاعات تتجاوب مع الغناء، واستخدم من أجل ذلك أكثر من بحر وقافية ، وبذلك حقق رامى للقصبجى ما كان يصبوا إليه وكان مونولوج ياغائبا عن عيونى، أولى تجارب أحمد رامى كما قدم أروع أغانى أم كلثوم العاطفية مثل «إن كنت أسامح وأنسى الأسية – حيرت قلبى معاك – رق الحبيب – النوم يداعب عيون حبيبى – عودت عينى – جددت حبك ليه»….. . تنتهى هذه الفترة فندخل فترة ( الهبوط الفنى ) التى جاءت فى نهاية السبعينيات من القرن الماضى ، وظهور أغانى بكلمات اعتبرها البعض غناء شعبى ولكنه كانت فى الحقيقة بداية لتدهور الأغنية المصرية بكلمات لا ترتقى بالذوق العام، وهى الأغانى التى لا نفع منها ولا ضرر، إلى أن وصلنا إلى المرحلة النهائية بعد مرحلة الهبوط الفنى إلى مرحلة الفساد الفني، التى تحرك الغرائز ولا تحرك المشاعر والوجدان، أصبح للصورة دور كبير بالنسبة لأغانى الفيديو كليب، بأن تصبحأكثر فجاجة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.