الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

شادية… صوت كل العصور

0 125

كتبت : د.ياسمين فراج

>>المرحلة الفنية الأولى في حياة  شادية جسدت خلالها الفتاة المرحة خفيفة الظل التي تقدم أغنيات بسيطة في بنائها اللحني والأدائي في أغلبها

>> الشكل الجديد لشادية في مرحلتها الفنية الثانية جعل المخرجين يسندون إليها أدواراً صعبة فنجدها في فيلم المرأة المجهولة وهي في العشرينيات من عمرها تقوم بشخصيتين إحداهما أم مُسنة بكفاءة تامة مما وضعها في مصاف الممثلات الكبيرات

>>كان قالب “الطقطوقة” غالبا على ما قدمته شادية في مرحلتيها الأولى ثم الثانية التي اتسمت بالنضج وأصبحت فيها متمكنة بشكل أكبر

شادية، اسم كبير في عالم الفن العربي عندما يُذكر اسمها تجيش مخيلاتنا بالعديد من المشاهد السينمائية والنغمات العربية.

يعرف جمهور الفنانة شادية الكثير عن حياتها الشخصية التي تناولتها الصحف والمجلات ، لكن مالا يعرفه الكثيرون هو مراحل تطور التاريخ الفني وصوت الفنانة شادية ، وهو ما نختص بتقديمه في هذا المقال لنتعرف على الفنانة شادية من منظور علمي . 

بدأت الفنانة شادية مشوارها الفني في سن المراهقة وخلال أربعين عاما تقريبا قدمت خلالها مائة واثنى عشر فيلما تقريبا إلى جانب ستة مسلسلات إذاعية ، ومسرحية واحدة ، وعشرات الأغنيات  المستقلة بذاتها. كانت انطلاقة شادية من خلال شاشة السينما حيث عرفها الجمهور كممثلة ومطربة في آن واحد.

من الناحية العلمية لا يمكن الحديث عن مشوار الفنانة شادية الفني بنظرة شمولية واحدة ولكن هناك مراحل مختلفة في مشوارها الفني كل مرحلة من هذه المراحل لها سماتها الخاصة.

  • مرحلة الفتاة المرحة ..

من الطبيعي أن تكون المرحلة الفنية الأولى في حياة الفنانة شادية هي مرحلة تجسيد الفتاة المرحة خفيفة الظل التي تقدم أغنيات بسيطة في بنائها اللحني والأدائي في أغلبها ، بدأت هذه المرحلة مع ظهورها الأول في فيلم”أزهار وأشواك” عام 1947 وانتهت عام 1958 التي قدمت فيه ثلاثة أفلام هي: الهاربة ، لواحظ ، أنت حبيبي. وفي هذه المرحلة احتفظت الفنانة شادية بالشكل الذي يسمح لها بأداء شخصية الابنة ، الشقيقة ، الصديقة ، الفتاة المراهقة البريئة التي تقع في حب ابن الجيران أو شخص آخر ويجتازان جميع المعوقات الطبقية أو المادية لإتمام قصة حبهما بالزواج وكان ذلك إما في إطار كوميدي خاصة في الأفلام التي جمعت بينها وبين الفنانين إسماعيل يس ، شكوكو ، أو إطار ميلودرامي.

على مستوى الشكل احتفظت شادية في هذه المرحلة ببساطة الفتاة المصرية المراهقة وعدم التكلف في الملابس التي ابتعدت إلى حد كبير عن الإغراء ، والاحتفاظ بالشعر الأسود الطبيعي ، والمكياج البسيط جدا.

أبرز من لحن للفنانة شادية في هذه المرحلة كان: منير مراد الذي شاركته فيلم “أنا وحبيبي” ولحن لها في فيلم “قطر الندى” ، محمد فوزي والذي شاركته في أفلام “العقل في أجازة” ،”من أين لك هذا” ، “الروح والجسد” ، ” صاحبة الملاليم” ، “بنات حوا”. كما لحن لها محمد البكار ومحمود الشريف في فيلم “ليلة العيد” ، ومحمود الشريف وأحمد صدقي في فيلم “حماتي قنبلة ذرية” ، ومحمود الشريف في فيلم “غضب الوالدين” و “لسانك حصانك” بالإضافة إلى ألحان كارم محمود الذي شاركها بطولة هذا الفيلم. وضع ألحان فيلم “لحن الوفاء” الذي شاركت فيه عبد الحليم حافظ لأول مرة عدد من الملحنين هم : محمود الشريف في أغنية شبكت قلبي ، ودويتو تعالي أقول لك ألحان منير مراد ، دويتو لحن الوفا ألحان رياض السنباطي ، الفيلم الثاني الذي جمع بينهما في هذه المرحلة هو فيلم “دليلة” ووضع ألحان الفيلم منير مراد وكمال الطويل ومحمد الموجي.

في هذه المرحلة شاركت شادية الموسيقار فريد الأطرش في فيلمين”ودعت حبك” و”أنت حبيبي” وغنت خلالها من ألحانه ولعل من أبرز الدويتوهات التي جمعت بينهما هي زينة و ياسلام على حبي وحبك .

غنت شادية  في هذه المرحلة في صيغ غنائية متنوعة مثل  نشيد “إحنا لها” من ألحان فريد الأطرش والذي شاركها  في الغناء.

الدويتو كان له نصيب كبير من غناء شادية في هذه المرحلة ومن أبرزها ماتغنت به مع الموسيقار فريد الأطرش ومن ألحانه.. زينة ، ياسلام على حبي وحبك، ومع منير مراد” أنا وحبيبي” من ألحانه، ومع عبد الحليم حافظ ” احتار خيالي” لحن محمد الموجي،و” تعالي أقولك “وإحنا كنا فين” ألحان منير مراد ، “لحن الوفاء” لحن رياض السنباطي، ومع كارم محمود دويتوهين”واحدة واحدة يابسكلتة” ، “يادي الهنا” من ألحان عزت الجاهلي.

التريو أو الغناء الثلاثي قدمته في عدد من أفلامها وكان أبرزها تريو “إحنا الثلاثة سكر نباتة” بمشاركة إسماعيل يس وشكوكو لحن منير مراد.

وكانت أغلب أغنيات هذه المرحلة في صيغة الطقطوقة ونذكر منها: يادبلة الخطوبة ، ياسارق من عيني النوم ، خمسة في ستة ألحان منير مراد، كسفتيني ياسنارة لحن محمود الشريف، وكذا القصيدة الدينية وأبرزها قصيدة ” قل ادع الله أن يمسسك ضرُ” لحن كمال الطويل.

صوت شادية في هذه المرحلة كان يميل للمنطقة الصوتية الحادة نسبيا ، رقيق ، بريء في آدائه.

  • مرحلة النضج الفني..

المرحلة الثانية في مسيرة الفنانة شادية الفنية بدأت من عام 1959 وقدمت فيها ثلاثة أفلام أهمها المرأة المجهولة وامتدت إلى عام 1969 التي قدمت فيه أربعة أفلام أهمهما “شيء من الخوف” و “ميرامار” ، وفي هذه المرحلة كانت الفنانة شادية في شرخ شبابها.

وإذا ماتناولنا هذه المرحلة على مستوى الشكل نجد أن الفنانة شادية بدأت منذُ عام 1959 في تغيير شكلها من حيث تغير لون الشعر إلى الذهبي وإن كان تغير إلى الأسود مرة أخرى في بعض الأفلام مثل معبودة الجماهير، تغيرت الملابس التي باتت تميل إلى الفساتين الأنثوية ، واستخدمت مساحيق التجميل بشكل واضح وأكثر أنوثة عن المرحلة الأولى كل ذلك أعطى لها صورة جديدة هي صورة المرأة المتحررة الجريئة.

الشكل الجديد الذي أصبحت عليه شادية في هذه المرحلة جعل المخرجين يسندون إليها أدواراً جديدة فنجدها في فيلم المرأة المجهولة وهي في العشرينيات من عمرها تقوم بشخصيتين إحداها أم مُسنة وقدمت كليهما بكفاءة تامة مما وضعها في مصاف الممثلات الكبيرات ، وتوالت عليها أدوار الأمومة ، والزوجة بتنويعات مختلفة فأحيانا التي تخون كما في فيلم الطريق أو التي يخونها زوجها كما في الزوجة ال13 ، وأدوار المرأة العاملة كما في أفلام “مراتي مدير عام” و”أغلى من حياتي”، فتاة الليل كما في أفلام “اللص والكلاب” و “زقاق المدق” ، المكافحة الشريفة بأنماط مختلفة كما في فيلمي “ميرامار” و “شيء من الخوف” التي انتهت بهما هذه المرحلة.

وفي هذه المرحلة دخلت الفنانة شادية عالم التراجيديا السينمائية وخير مثال على ذلك نهاية فيلم “زقاق المدق” الذي ينتهي بفجيعة موت حميدة ، وأيضا في فيلم “شيء من الخوف” الذي ينتهي بفجيعة موت الحبيب الظالم ، وتكرر ذلك في نهاية فيلم “أغلى من حياتي” بشكل آخر. هذا إلى جانب استمرارها في تقديم الأفلام الكوميدية سواءً الاجتماعي منها أو الجريمة مثل فيلمي “عفريت مراتي” و”مراتي مدير عام” ، وأفلام الميلودراما التي كان أبرزها في هذه المرحلة فيلم “معبودة الجماهير”.

غنت الفنانة شادية في هذه المرحلة من ألحان : منير مراد ، بليغ حمدي ، محمد الموجي ، كمال الطويل ، محمد عبد الوهاب ، سيد مكاوي.

أبرز الصيغ الغنائية التي غنت فيها الفنانة شادية في هذه المرحلة سواءً داخل الأفلام السينمائية أو الأغنيات المستقلة بذاتها كانت : الطقطوقة ومن أبرزها: إيرمالادوس ، على عش الحب ألحان منير مراد ، ، ياعيني ع الولد لحن بليغ حمدي ، شباكنا ستايره حرير ، مين قال لك تسكن في حارتنا ألحان محمد الموجي . الأغنية الوطنية وأبرزها : الوطن الأكبر ، صوت الجماهير من ألحان محمد عبد الوهاب. الدويتو وأبرزها في هذه المرحلة دويتو “حاجة غريبة” لحن منير مراد.

اتسم صوت شادية في هذه المرحلة بالنضج أيضاً وأصبحت متمكنة بشكل أكبر في صوتها من حيث النغمات ولهجة الأداء الغنائي الذي تخلى عن براءته الساذجة التي بدا عليها في المرحلة الأولى ، فكانت تستطيع آداء الغناء بما يتناسب مع الشخصيات الدرامية التي تنوعت في هذه المرحلة فأحيانا تغني بروح فتاة الليل ، وأحيانا بأداء الفلاحة ، وأحيانا بروح التلميذة ، وغيرهم.

  • مرحلة الخبرة والابتعاد:

المرحلة الثالثة في المشوار الفني للفنانة شادية بدأت من عام 1970 بفيلم “نحن لا نزرع الشوك” وامتدت حتى تاريخ اعتزالها عام 1984 ، وتصنيف هذه الفترة كمرحلة مستقلة يعود لسببين الأول أن الفنانة شادية وجدت نفسها أمام جيل جديد من نجوم السينما وأبرزهم آنذاك محمود ياسين ، حسين فهمي ، ميرفت أمين ، يسرا ، وغيرهم.هذا الجيل الذي يصغرها في السن أثر على طبيعة أدوارها أمامهم. السبب الثاني كان متعلقا بمستوى الشكل عند الفنانة شادية حيث نجد أن علامات السن بدأت تظهر على وجه شادية في هذه المرحلة وساهم في إبراز ذلك انتشار الأفلام الملونة التي كانت أعلى جودة من نظيرتها بالأبيض والأسود.

وظف صناع السينما علامات السن التي بدت على ملامح شادية تدريجيا في سنوات هذه المرحلة توظيفا جيدا، فنجدها قدمت أدوارا تبتعد عن إبراز الأنوثة والجمال كما في شخصيات “سيدة” في فيلم “نحن لا نزرع الشوك” ، “سامية” في فيلم رغبات ممنوعة ، “عائشة” في فيلم “لا تسألني من أنا”.وكان جديدا على الفنانة شادية أن تقوم بأدوار المرأة التي تقع في حب شباب يصغرونها سنا كما في أفلام “امرأة عاشقة” ، “أمواج بلا شاطئ” ، “الشك ياحبيبي”.

في هذه المرحلة قدمت الفنانة شادية عملها الوحيد للمسرح وهو “ريا وسكينة” الذي استمر ثلاث سنوات ووضع ألحان جميع أغنياته بليغ حمدي. كما قدمت في هذه المرحلة عددا كبيرا من الأغنيات المستقلة بذاتها.

أبرز الملحنين الذين لحنوا للفنانة شادية في هذه المرحلة كانوا بليغ حمدي ، سيد مكاوي ، عمار الشريعي ، جمال سلامة ، خالد الأمير.

غنت شادية في هذه المرحلة في صيغتي الطقطوقة بأشكالها المختلفة العاطفية والوطنية ومن أبرز هذه الطقاطيق نذكر.. كده برضه ياقمر لملحنها خالد الأمير.مصر اليوم في عيد ، وحياة رب المداين ، أمي من ألحان جمال سلامة. أقوى من الزمان ، إن كنت ليا من ألحان عمار الشريعي. وفي صيغة المونولوج الوطني غنت “لموا الكراريس الدرس انتهى” لحن سيد مكاوي.ياحبيبتي يامصر لحن بليغ حمدي.كما غنت الأغنية الدينية في أشكال متنوعة نذكر منها أغنية “خد بإيدي” لحن عبد المنعم البارودي، وابتهال “اللهم اقبل دعايا” لحن بليغ حمدي.

صوت الفنانة شادية في هذه المرحلة مال إلى الغلظ النسبي عن المرحلتين السابقتين بحكم التقدم في العمر، وغلب على غنائها الإحساس فقد كانت تغني بكل مشاعرها وكثيرا ما نلمح الشجن أو الحزن في أدائها الغنائي.

هكذا كانت رحلة الفنانة شادية ، رحلة فنية مليئة بالبهجة والنضج والشجن ، وبالرغم من اعتزالها المبكر إلا أنها مازالت تمتعنا بأفلامها وأغنياتها وطلتها المصرية العربية الخالصة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.