الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

   فى السينما المصرية الهوى.. كائن اجتماعي

0 86

كتب :محمود قاسم

اعتدنا أن نعيش قصص الرومانسية فى السينما المصرية من خلال حالة  فردية فقط ,  بمعنى أن نكون أمام قصة حب بين ثنائى يواجه بعض العقبات ..
وهكذا عشنا مئات من القصص فى زمن الرومانسية الذى طال كثيرا, حيث يوجد طرف ثالث يلعب دورا العزول يسعى لإحداث الفرقة بين الطرفين  وقد غلب الأمر في  النصف الأول من عمر السينما  فى بلادنا, إلى أن ظهرت روايات نجيب محفوظ فى السينما فبدأنا نرى أماكن , وحكايات مختلفة أقل ما يمكن أن نسميه بها هى أفلام الهوى.
الهوى المقصود به هنا , هو سلوك إنسانى جماعى يقوم به أشخاص معا فى أوقات ما بعيدا عن روتينية العمل, وفى أماكن مخصصة لذلك , وغالبا ماتكون هذه الأماكن  غير مجرمة, ويقوم فيها الأشخاص بممارسة جانب من العلاقات الجماعية , بما يعنى أننا لسنا أمام علاقة واحدة فقط بل مجموعة علاقات تقوم على الحسية والمصالح , وغالبا ما لايكون هناك عزول، طالما أن كل طرف من الأطراف ينال ما يبتغيه , وهناك أفلام كثيرة تدخل ضمن هذا الأمر مأخوذة عن روايات نجيب محفوظ لعل من أبرزها فيلم « ثرثرة فوق النيل» إخراج حسين كمال عام 1970, وهو الفيلم الأهم الذى تنطبق عليه هذه السمة  , كما أن

 

هناك أفلاما أخرى منها « المذنبون» لسعيد مرزوق» 1977, و«ميرامار» لكمال الشيخ» 1969, و«حب تحت المطر» لحسين كمال 1974
الناس فى هذه الأفلام تبحث عن متعتها الحسية بكل الطرق, سواء من الرجال أو النساء, وأغلبهم من الشخصيات العادية, الذين لايتمتعون بكاريزما أحمد عبد  الجواد فى الثلاثية, فهناك الموظف, والممثل , والصحفية والبنات الطائشات الباحثات عن المتعة والمال، يعنى الهوى هنا عملية جماعية , وليست المرأة التى نراها هنا هى الخانعة أو المتعلقة بشرف هش بل هى تمارس هذا النوع من الهوى بكامل إرادتها , ولاتتوب عنه أو تتراجع , وكما سنرى فإنهم ليسوا ضد القانون , ولايشترط أن المهنة هنا هى ابنة ليل , بل هى امرأة عادية لا تدفع ثمن ما ترتكبه, لكنها تشبع رغباتها.
وكما ترى فإننا هنا أمام مجموعة رجال , لكل منهم انثاه تأتى من أجله , لايهم أن تكون المشاعر متأججة , بل من المهم قضاء وقت طيب ممزوج بالكأس والأرجيلة , والدخان الأبيض, والجنس أو اللذة لمجرد اللذة , بلا وعود للزواج , أو دموع عند الفراق عقب فرحة عند اللقاء, بل إن كله مرتبط بالمصالح, هم أشخاص عاديون لعل أكثرهم يملأون الشوارع والمكاتب والمقاهى دون أن نعرف الجانب الآخر من حيواتهم من حولنا.
وسوف يبقى فيلم « ثرثرة فوق النيل «هو النموذج الأبرز فى هذا الإطار بما يعنى أنه يمكن القياس عليه الظاهرة نفسها فى الكثير من مظاهر الهوى فى

السينما المصرية , وذلك باعتبار أننا أمام المكان الأمثل لممارسة المتعة , وقد جاء إليه أشخاص يعيشون الهوى معا , كل بطريقته, ما يعني  أن المكان هو الذى يهيئ للمتردين عليه ما يفعلون , الفيلم يختار تسعة أشخاص يأتون إلى هنا فى أغلب الأحيان نهارا , وليس فى ساعات الليل كما  نرى فى عالم السيد أحمد عبد الجواد , فالنساء اللائى يأتين إلى هنا  من أبناء العائلات , تخرجت الأولى ليلى فى الجامعة الأمريكية , وتعمل فى مجال الترجمة , الثانية سنية كامل  درست فى المدارس الفرنسية , أما الثالثة  سناء فهى طالبة بكلية الآداب والرابعة سمارة تعمل صحفية, وتبعا لوضعهن الاجتماعى لايمكنهن مغادرة  البيوت والسهر فى الخارج , وهذه أهم سمة فى المكان فالعوامة كائن نهاري, يدفع  النساء إلى القدوم أثناء شروق الشمس  يفعلن مايردن , ويحصلن على ما يرغبن , وأغلبه حالات من العشق المرغوب فيه , تحت سمع وبصر المجتمع , خاصة  عم عبده حارس العوامة  الدائم الاستغفار, ومع ذلك فهو يؤدى فريضة الصلاة  خارج المكان , ويصبر طويلا قبل أن يقرر أن يحل قيد العوامة, وبداخلها أصحابها فى أقصى حالات الهوى ومظاهره , ليسوا أبدا إلى مجهول فهم ليسوا فى بحر متلاطم الأمواج, ولكن هناك رمزا إلى التيه ,والعقاب المعنوي
العوامة مكان موجود على ضفتى النهر , خاصة فى القاهرة, قد يكون للسكن ,ويطلق عليها صاحبها الممثل رجب « المملكة»  , هى مكان نموذجى للهوى كما يمارسه عدة  أشخاص من طبقات اجتماعية متقاربة , ومن أعمار متباينة , باعتبار أن أنيس هو خادم التعميرة , لكنهم غالبا لم يبلغوا سن الاستيداع , باعتبار أن الأستاذ أنيس ذكي  لم يحل بعد إلى المعاش, فهو يخرج من مكان وظيفته في  وزارة الصحة إلى العوامة , وهو مثل أغلب الشخصيات بلا جذور, لايكاد يعرف

لنفسه دارا يسكنها, وهو هنا أشبه بخادم الجميع . ماهر فى إعداد لزوم القعدة, وهى أمور تخص الكيف فى المقام الأول, ولايمكن للكيف أن يكتمل إلا بالجنس وإذا كان أنيس يجد متعته الأولى في  الأرجيله , فإننا لم نعرفه يمارس الجنس, ولم يأت إلى العوامة بامرأة , ولم يحدث أن اشتهى أيا من النساء اللائى ترددن على المكان, كل مايحدث له أنه مسطول, يكاد يكون جسده عبارة عن شحنات متراصة من الدخان الأبيض الذى يتنفسه من الحشيش, وكأنه لايجد أى متعة تضاهى تدخين  الحشيش , أما الرجال الآربعة الآخرون فإن أبرزهم هو النجم رجب القاضى , الذى يأتى من الوقت إلى الآخر بإحدى المعجبات به , وبكل سلاسة فإنه يتنازل عن عشيقاته بسهولة إلى واحد أو أكثر من رفاقة دون أى غضاضة لأنه بفحولته , وشهرته ووسامته لديه القدرة على الإتيان بالجديدات , وبالتقريب فإن الأربع نساء اللائى جئن كانوا من أجل الحضور الخاص به , وهو أيضا شخص بلا جذور تقريبا لانكاد نعرف له أسرة , وهو  مرتبط بالنساء بما يصطلح على تسميته بالهوى, بمعنى العلاقات السريعة التى سرعان ما تهوى أو تتطاير كما الهواء, وذلك مثل بقية العلاقات , والغريب أن هذا الممثل الفحل يقوم بدور النساء من الجنس الثالث فى الفيلم الذى رأيناه يمثله .
أما بقية الرجال الآخرون فهناك المؤلف السينمائى , والناقد الفنى خالد , ما يعنى أن ثلاثة منهم يعملون فى السينما ,وهؤلاء الرجال يجتمعون فى دائرة حول الموقد يتبادلون الشيشة ,ويفترقون حين يود كل منهم الاختلاء برفيقته لا نكاد نعرف من منهن تخص أى الرجال , فأى رجل يقوم بتغيير أنثاه دون أى غصة , مثلا سناء كامل وهى امرأة متزوجة تبدو بالغة التحرر فى العوامة , وفى البيت تتصرف بتسلط واضح على زوجها وتعايره أنها ضبطته مع الخادمة رغم أنها عائدة لتوها من عالم الهوى فى العوامة .
النساء الثلاث الأخريات, منهن  سناء الطالبة الجامعية , عليها أن تدبر ثمن الملابس ، وأشياءها الأنثوية من خلال علاقات الهوى  العابرة, وسرعان ماتصبح خليلة للمؤلف بعد أن يهملها الممثل إلى الصحفية , أما ليلى المترجمة بوزارة الداخلية فهى يتيمة الأب , تأتى لأمها بأموال  الهوى, هى شابة مثيرة تعرف كم هى جميلة وتطمح فى أن تدبر أكبر قدر من المال , كما أنها لاتتردد فى الانتقال  بين الفراش بسهولة حسبما يحركها طموحها, بينما الشخصية الرابعة فإنها الصحفية التى جاءت للتعرف على هذا العالم السفلى كى تكتب عنه نصا مسرحيا , وبالتالى فإنها سرعان ما اندمجت فيه ولم تبرحه, وكانت تدون رأيها فى كل منهم فى مفكرتها الخاصة بصورة عقلانية محايدة , وهى المفكرة التى وقعت بين يدى أنيس زكى وكانت سببا فى أن ينتبه ,ولا نقول يتغير.
هو عالم ماجن أفراده التسعة من الطبقة المتعلمة بصرف النظر عن وظائفهم , ليس من بينهم التاجر مثلما كان أحمد عبد الجواد ورفقته, وكما أشرنا فإننا لا نعرف من يعشق من , و المهم أنهم جميعا فى أعلى حالات من المزاج و تجمعهم الأرجيلة المغموسة بالحشيش, والتى يتطاير منها الدخان الأبيض, والبنات الأربع يتسمن بالجمال والشباب والدلال , والجميع يصل إلى أقصى حالات النشوة فلا تعرف من سيرافق الآخر إلى المخدع, فالهوى هنا له سمته الخاصة جدا  لمكان لايفرض قواعد بعينها , بل إننا أمام خمسة رجال فى مقابل أربعة نساء,
هذا النوع من علاقات الهوى الجماعية لايتكرر كثيرا  كبطل رئيس فى السينما المصرية, فقد نراه ضمن أحداث حى الزمالك, فى أفلام أخرى منها « حتى لا يطير الدخان « إخراج أحمد يحيى عن رواية قصيرة لإحسان عبد القدوس1983, باعتبار أن طلاب الجامعة  يقيمون فى شقة فاخرة موجودة بحى الزمالك , ويمكنهم افتراس جسد الخادمة التى سيتزوج منها أحدهم , هؤلاء الشباب  يغلقون نوافذ الشقة جيدا حتى لا يتسرب دخان الحشيش من الفتحات , بما يعنى أن الهوى والجنس هنا متلازمان , أما فيلم» درب الهوى» لحسام الدين مصطفى عام 1983, فهو مأخوذ عن رواية لإسماعيل ولى الدين الذى كان تلميذا معجبا  بمدرسة نجيب محفوظ , والرواية عن بيت الهوى الذى يرتاده الكثيرون بحثا عن المتعة , الهوى هنا يعنى الدعارة , فالبنات هنا عاهرات يأخذن المال مقابل الجنس, لكن من أين يأتى الهوى , الذى هو درجة مخففة من الدعارة , فهناك اثنتان من العاهرات على الأقل واقعتان فى غرام  صديقين من الزبائن , وكما نرى فإن العاهرات يستمتعن بالعمل, ويطمحن إلى عالم أفضل , ويمكنك أن تجد أكثر من غرفة وقد دار فيها الشغل , والبنت العاهرة بالنسبة لعشيقها أفضل من ابنة عمه الوزير الذى يأتى إلى البيت كزبون, ويتصرف بأسلوب ماجن للغاية يدعو إلى الخجل .
إلا أن العالم  الذى رأيناه فى « ثرثرة فوق النيل « تكرر إلى حد ما فى فيلم « حب تحت المطر» عام 1974, ومن الواضح أن نجاح الفيلم الأول قد شجع على أن يجتمع أغلب الفريق الذى قدم الفيلم من المؤلف الروائى نجيب محفوظ , والمخرج حسين كمال, وكاتب السيناريو ممدوح الليثي, وطاقم الممثلين , منهم عماد حمدي, وماجدة الخطيب, وميرفت أمين ,وأحمد رمزى كى يعملوا نسخة أخرى من الفيلم , لكن لم تكن هنا عوامة , بل إن الأحداث تدور داخل المدينة فى وسط اجتماعى متحفظ كثيرا , و كانت هناك أماكن أخرى بديلة تتمثل فى استوديو فى إحدى الشقق بنصف البلد يتردد عليها الشباب من أجل مشاهدة الأفلام الجنسية وهناك فرصة بالنسبة للبعض للاختلاء برجال لبعص الوقت , لكن المرتادين على المكان لايتعاطون الحشيش, وإن كانت هناك عمليات هتك أعراض, ما ينتج عنها مشاكل خاصة بالأعراض, وبذلك يبقى فيلم « ثرثرة فوق النيل « النموذج الأمثل فى هذا المضمار حيث سيظل المكان  المناسب لممارسة الهوى هو المشكلة الكبرى أمام العاشقين أو الباحثين عن اللذة وإشباع الشهوة , مثلما حدث فى فيلم « شقة فى وسط البلد « إخراج محمد فاضل ,  1977حيث يصيرعلى كل واحد من المؤجرين أن يأتى بحبيبته بشكل منفرد كى يختلى بها دون إثارة المتاعب, وفى فيلم» الحب فوق هضبة الهرم « لعاطف الطيب» عام 1986 , المأخوذ عن نجيب محفوظ أيضا فإن العشق يصبح أقرب إلى الهوى والزوجان لايجدان فيه مكانا آمنا لممارسة الحب, فيذهبان إلى شقة زميل له فى غياب زوجته , والتى تحضر فى الوقت غير المناسب, وتكون فضيحة لم تحدث لابنة ليل فى السينما , وفى محاولة أخرى فإن الشاب يصحب زوجته إلى فندق درجة سابعة إلا أن الموظف يطلب قسيمة الزواج أو إتاوة كأنه يتستر على عاهرة , ويبدو الحب هنا حالة من الهوى يهوى بالزوجين , لدرجة أنهما يذهبان عند سفح الهرم ويتم القبض عليهما  بتهمة الفعل الفاضح, ويحالا إلى النيابة فى مشهد هو الفضيحة بعينها.
الهوى , آه من الهوى ومن العلاقات التى قامت باسم الهوى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.