الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

كل يوم شرير الحلقة السابعة نجمة ابراهيم

0 97

                             فتشوا عن ريا وسكينة

                             

لا أعتقد ان أحدا منا يذكر دورا واحدا للممثلة نجمة ابراهيم, وهى تقوم بدور المرأة الطيبة, أو صانعة الخير, لعلها فعلت ذلك فى بعض أفلامها الأولى التى لم ترها, أو حدث ذلك فى مسرحياتها, لكن الصورة السائدة بالنسبة لها, هى أنها امرأة شريرة على الشاشة..

وقد ساعدتا عدة عوامل الممثلة التى تتملك سلطة المرأة الشريرة الخارجة عن القانون, أولها أنها لم تكن امرأة جميلة بالمرة, أى أنها لم تكن تصلح قط للقيام بدور المرأة الرومانسية, أو العاشقة, بالاضافة إلى أنها جسدت غالبا الأدوار الثانوية, وهى الأدوار التى تسند للأشرار, باعتبار أن الشخصية الرئيسية, أو الأساسية هى من الأخيار, كما أننا لم نر الشخصيات التى تجسدها الممثلة إلا فى سن متقدم نسبيا, وما شابه ذلك, وقد ساعد فى ذلك شعرها الأشعث, أو غير الناعم, بالاضافة إلى صوتها الملىء بالجشاشة, والحول البارز الذى كان بارزا على عينيها فى بعض الأفلام, ويضاف إلى ذلك بالطبع أنها كانت ممثلة موهوبة, استطاعت أن تتقمس هذه الأدوار, فلم تتفوق عليها أى ممثلة أخرى فى هذه الأدوار طوال تاريخ السينما المصرية.

وأذكر أن الناقد سعد الدين توفيق قد كتب فى كتابه “تاريخ السينما المصرية” المنشور فى كتاب الهلال أن نجمة ابراهيم ظلت أسيرة شخصية ريا التى جسدتها فى فيلم “ريا وسكينة” لصلاح أبو سيف, ولازمتها هذه الشخصية طوال عمرها السينمائى, والحقيقة أن هذه المقولة تلغى نصف تاريخ الممثلة التى ظهرت فى سبعة عشر فيلما قبل ظهورها فى “ريا وسكينة” طوال عشرين عاما كاملة, عملت فيهم فى أدوار الشر التى لمعت فيها دائما.. فالممثلة, هى التى أضافت على الشخصية من موهبتها, ويمكن أن تقارن بين الدور الذى جسدته فى فيلم ” اليتيمتين” لحسن الأمام عام 1948, فهناك تقارب واضح بين المرأتين, سواء فى الملابس, أو فى الأداء, أو فى طريقة تعاملها مع الضحايا. فالمرأة هنا تتزعم مجموعة من النشالين واللصوص, والشحاذين, تدفع بهم إلى الشوارع من أجل

إحضار النقود, وسوف نرى أن هذه الشخصية قد تكررت بحذافيرها فى أفلام أخرى أبرزها “جعلونى مجرما”, وفى “اليتيمتان”, فإن إحدى الفتاتين, الأختين بالتبنى, تسقط فى شباك المرأة الشريرة, هى فقدت أختها, وأصابها العمى, وفى محطة السكة الحديد بالقاهرة تقع بين يدى شحاذ أعرج, وهو أيضا لص, يرق لحالها, ويأخذها لدى أمه, التى تحاول أن تجعل من الفتاة شحاذة, أو سارقة, إلا أن الفتاة ترفض, مما يكشف عن الجانب الشرير للمرأة, فتسومها سوء العذاب, وفى هذه المشاهد تبدو مدى قسوة امرأة, تحاول أن تدفع بفتاة بريئة عمياء إلى الخروج عن القانون, وتبدو السمات التى تتسم بها نجمة ابراهيم فى هذا المضمار, فهى زاعقة الصوت, جامدة الملامح, كما أن الكاميرا لا تقترب كثيرا من وجهها إلا لكشف مدة قسوتها, وهى لا تعرف الرجوع عن مواقفها, كما أنها تتحكم فى مصائر الآخرين, إلى أن تلقى جزائها..

أى أن هذه الشخصية, لم تتولد فى فيلم “ريا وسكينة” كما قال سعد الدين توفيق, بل سبقت ذلك التاريخ بسنوات. ويؤكد على كلامى ما كتبه يوسف السباعى عن أداء نجمة ابراهيم فى فيلم “رجل لا ينام” اخراج يوسف وهبى عام 1948, فى مجلة استديو عدد ديسمبر عام 1948, (أما نجمة ابراهيم فإنى بعد أن رأيتها فى هذا الفيلم, وفى فيلم “اليتيمتين” أعترف انها ممثلة نموذجية فى دور المرأة التى تفيض شرا وتغلى مراجلها بالسوء)..

 

وقد تكررت هذه الشخصية أيضا فى فيلم “ولدى” عام 1949, اخراج عبد الله بركات, فهى تتولى رئاسة عصابة لخطف الأولاد, وتقوم باختطاف طفل صغير من أبيه, يبتعد عنه سنوات, والمرأة هنا تتعامل أيضا بقسوة ملحوظة مع الطفل المخطوف الذى سيعود إلى أبيه بعد سنوات من الخطف.

وقد ظلت هذه الأدوار تطارد صاحبتها فى أفلام أخرى مع بداية الخمسينات, مثل “غرام راقصة” عام 1950 اخراج حلمى رفلة, و”ضحيت غرامى” لابراهيم عمارة, و”أنا الماضى” لعز الدين ذو الفقار, “ليلة غرام” اخراج أحمد بدر بدرخان  عام 1951, ففى هذا الفيلم قامت بدور صغير نسبيا, هو الممرضة سميرة, التى تكره اللقيطة, وتعاملها بقسوة ملحوظة, وتدبر لها المكائد, أما فيلم “أنا الماضى” فأنها تؤدى دور الأخت لحامد الذى تشعل فى قلبه نيران الغيرة, والحقد تجاه زوجته, وهو الذى قضى فى السجن خمسة عشر عاما بسبب جريمة لم يرتكبها, حيث أتهم بقتل صبحى, وعندما يخرج السجين فإنه يحاول الانتقام ممن زجوا به فى السجن ظلما, فإنه يجد من فعلوا ذلك قد ماتوا, ويكتشف أن سامية هى ابنة الهام التى دبرت له الجريمة, فيتزوجها كى ينتقم منها, ويوهمها بالجنون,

 

وتقوم أخته بمساعدته فى ذلك, فهى التى تنفذ الخطة, تبدو صارمة الوجه, حادة الملامح, وهى تدبر لها المكائد كى توهم الزوجة الشابة أنها مريضة بالجنون, والنسيان حتى تكاد أن تنجح فى خطتها, إلا أن الزوج حامد يتغير سلوكه عقب أن عرف بحمل زوجته..

لم تتغير الأداور التى جسدتها نجمة ابراهيم, رغم أنها تعاملت مع أكثر من مخرج, رغم تباين اتجاهات كل منهم, وأهميتهم, ومع عام 1953, تجسدت هذه الأدوار بقوة, من خلال أربعة مخرجين, هم حسن الإمام فى “حب فى الظلام”, لعاطف سالم فى فيلمه الأول “الحرمان” وصلاح أبو سيف فى “ريا وسكينة” وفطين عبد الوهاب فى “عبيد المال” وأحمد بدرخان فى “لحن حبى”, ففى فيلم “حب فى الظلام” تلعب دور المرابية التى تقوم بالتعامل بالربا مع أهل الحى, وهى فقط لا تقوم بعمل مخالف للشريعة, لكنها أيضا امرأة قاسية, شديدة البخل, وتحب المال حبا جما. ومن بين الذين يترددون عليها الأم التى تعيش مع ابنها, وابن زوجها, فهذا الأخير يبدد أموال البيت, لذا, فإن الأم تضطر إلى رهن مصاغها لمواجهة أعباء الحياة, لدى هذه المرأة, التى تعيش وحدها, أسوة بامرأة أخرى فى رواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكى, وسوف نرى أن المرأتين قد اتسمتا بالسمات نفسها, وستلقى المصير نفسه, وهو القتل على يدى أحد الزبائن الذين يحتاجون المال ثم سرقة المصاغ, لكن التفاصيل التى تختلف هنا, أن الأخ غير الشقيق, هو القاتل, وأن الأخ الطيب سوف يأتى فى لحظة قتلها, وتشاهده فتاة تصبح شاهدة عليه.

وما يهمنا فى هذا الفيلم, الدور القصير الذى لعبته نجمة ابراهيم, فهى المرابية, الوحيدة, عاشقة المال, لا تعرف أى تعامل انسانى, تتحرك يدها وهى تمسك المال مرتجفة, لا تكاد تعرف الوجوه, بل ما لدى الناس من أموال, أو أشياء صالحة للرهن, وهى امرأة شديدة القسوة كما أنها امرأة عجوز بلا جذور تقريبا.

أما فيلم الحرمان, فإن نجمة ابراهيم تقوم بدور مشابه لما رأيناه فى أفلامها الأخرى, فهى امرأة تقوم بخطف الأطفال, أو اصطيادهم, لتعليمهم أصول السرقة والنشل, حيث تقابل طفلة فى القطار, هاربة من أبويها, فبعد انفصال الأبوين, تتسبب الصغيرة فى إصابة أبيها, وتهرب إلى الاسكندرية فى القطار, ثم تقع فى طريق الشريرة, فتصطادها, وتبدأ فى تعليمها أصول السرقة والنشل, ولأن الصغيرة ليس لها من مأوى غير هذه الشريرة, فإنها تقبل أن تعيش, وأن تتعلم لبعض الوقت, المرأة الشريرة هنا لا جديد لديها فى الأداء, مثلما سبقت الإشارة عن الحديث عن فيلم “اليتيمتين”, فليس هناك جديد لدى الممثلة, ولا لدى المخرجين الذين يعملون معها.

لذا, فإن دور “ريا” فى فيلم صلاح أبو سيف, هو بمثابة تكرار ملحوظ لأدوارها السابقة واللاحقة, الجلباب البلدى, والمنديل أبو أويه, وتنغيم الصوت, والعين الحولاء, والجديد هنا أننا أمام امرأة قاتلة بشكل مركب, أى أنها لا تقتل, عن عمد مرة واحدة, بل مرات عديدة, وهى تتفنن فى ذلك, لكن ليس جديد فى صياغة المرأة نفسها, فهى ترأس عصابة, وتتحكم فى مصائرهم, على رأسهم زوجها حسب الله, وزوج أختها عبد العال, وأيضا رجال آخرين, منهم الأعور, والشاب الذى يجلب النساء حاملات المصاغ حول معاصمهن, والمرأة المجرمة هنا, لا تعرف المراجعة, ولا التوبة, والجرائم الجماعية التى ترتكبها تمثل تشكيل عصابة بالغة الخطورة, وهناك جمل تركت أثرها فى ذهن المتفرج مثل “قطيعة ما حدش بياكلها بالساهل”, كما أن ريا تشير إلى الرجال العمالقة, الأقوياء البدن, إن الرجولة لم يعد لها وجود, وأنها هى صاحبة القرار والقوة: “الرجالة اللى زيكو لازم..”. فالمرأة هنا ذكية, بالغة الخطورة, وقوية, يمكنها أن تتشاجر مع الرجال, وتضربهم وتعاركهم, وتبدو قوتها, حين يتم القبض عليها, فلا ترتسم أى ملامح ندم على وجهها, بل هى تدفع بيد الضابط بعنف ملحوظ, تعبيرا عم تتسم به من قوة داخلية, وقدرة على عدم الاحساس بالمراجعة.

وقد تكررت هذه الشخصية بالملامح نفسها فى فيلم “اسماعيل يس يقابل ريا وسكينة”, ورغم أننا فى فيلم كوميدى, كان يمكن أن تأخذ الشخصية سمة الاحتمال, لكن نجمة ابراهيم جسدت الشخصية داخل بيت ريا وسكينة, أو المواقف, مثل القطن المبلل المخدر الذى يبتلعه اسماعيل, وأيضا مثل أكواب المخدر الموضوعة فى صينية, التى تدور بسرعة, وعندما تتوقف فإن حسب الله, وزوجته ريا, يقعان فى حيرة أمام الأكواب التى يوجد المخدر داخل واحد منها..

لعل عاطف سالم, هو الوحيد الذى كرر الاستعانة بالممثلة فى مثل هذا النوع من الأدوار فى فيلمه الرائع “جعلونى مجرما” عام 1954, فالمرأة هنا تدير عصابة لتسريح الأطفال لممارسة أعمال السرقة والشحاذة, وهى امرأة بالغة القوة, والقسوة, أشد من الرجال, ومصلحتها فى لمّ النقود بطريق غير شرعى هى الأهم, والأكثر تركيزا بالنسبة لها, إنها امرأة تقود الرجال, لكنها لا تستطيع السيطرة على سلطان, الذى يواجهها من وقت لآخر, إنها تقيم فى الأقبية, وتعرف متى تتصرف, وكيف تسلك بما يحميها, هى امرأة قوية, مقطوعة الجذور, تمارس هذا العمل, ليس لها زوج, ولا أسرة, وهى صورة مكررة من كافة النساء التى جسدتها نجمة ابراهيم..

وفى فيلم “رنة الخلخال” لمحمود ذو الفقار عام 1955, فإن نجمة ابراهيم جسدت مجددا دور المرأة الخارجة عن القانون بشكل مختلف, فهى القابلة أم بدوى, التى تشارك زوجة الأب, ذلك العجوز الذى تزوج من شابة صغيرة ملتهبة الجسد, جريمة تدبير رضيع. فزوجة الابن فضيلة حين تضع مولودها على يدى القابلة التى تستبدله بمولود آخر ميت, وتخبرها أن ابنها قد مات, وتعطى هذا الابن إلى لواحظ زوجة الأب, وتعلن وفاة ابن فضيلة, وهذه القابلة لها نفس ملامح نجمة ابراهيم, من قسوة, وعدم رجوع عن ممارسة الجريمة, ففيما بعد يحدث اختلاف بين لواحظ وأم بدوى التى تبدأ فى ابتزازها وتهديدها, مما يدفعها إلى إلقائها من السور المتهالك لتسقط فوق أرض الفرن صريعة, وقبل أن تموت القابلة, فإنها تعترف بما فعلته مع لواحظ, وأنها استولت على المولود, الذى هو ابن فضيلة.

المصير الذى يلحق بالمرأة هنا هو أيضا الموت, مثلما شنقت ريا من قبل, لكن فى أفلام أخرى, فإن نجمة ابراهيم لم تكن القاتلة, أو الخارجة عن القانون, بل هى فقط المرأة القاسية, التى لا تعرف المشاعر العاطفية, أو الحنو, بل هى شديدة القسوة فى معاملة بنات الملجأ فى فيلم “4 بنات وضابط” لأنور وجدى عام 1954, ففى هذا الفيلم, هى أمرأة تعمل فى اصلاحية للبنات, تتعامل بقسوة مع البنات, تفرض عليهن نوعا معينا من الأطعمة “العدس”, وهى تبدو بالغة القسوة تجاه الضابط الذى يتعامل مع البنات بانسانية ملحوظة, خاصة نعيمة, وتتسبب فى فصل الضابط من وظيفته بسبب هروب نعيمة, ورغم أن الفيلم صور المرأة بالغة القسوة أفاق ما كانت تفعله هذه الشخصية, هو من صميم العمل, بدليل أن نعيمة هربت, وأنها لم تكن تطيق الحياة فى الملجأ. لكن أداء نجمة ابراهيم ساعد فى زيادة الحد التى اتسمت بها ضابطة الأمن للبنات, فهناك مشهد, تتسرب فيه نعيمة إلى غرفة الضابط, وتتسلل المرأة فى دروب الملجأ, كى تدخل إلى غرفة الضابط حيث تختفى نعيمة, فى واحد من المشاهد المثيرة للتوتر..

وعلى كل, فرغم أن المرأة تؤدى وظيفتها التى تتطلب منها الحزم, فإن الفيلم أكسبها قسوة ملحوظة, فهى زاعقة الصوت, جامدة المشاعرة متحجرة الكلمات, وكأنها تقف قبالة مشاعر حب تتولد ببطء بين الضابط وبين النزيلة. ولعل هذا واحد من السمات الخاصة بالسينما المصرية فى تلك الفترة, فالشرير لا سبيل إلى التعاطف معهن, خاصة أن نجمة ابراهيم كانت فى تلك الفترة قد جسدت شخصية “ريا” مرتين..

لم تعرف السينما أى استثناء لأدوار نجمة ابراهيم فى تلك الفترة, مثل “رقصة الوداع” لعز الدين ذو الفقار عام 1054, والغريب أن السينما لم تكن تتعامل كثيرا مع الممثلة حيث عادت عام 1957 للعمل فى فيلمين, كان أحدهما وهو “الجريمة والعقاب” لابراهيم عمارة أقرب إلى فيلم “حب فى الظلام” السابق الحديث عنه, فالفيلم مأخوذ صراحة عن رواية “ستويفسكى”, والمرأة المرابية هنا عجوز, تتلطخ بالاسود, تعيش وحيدة, فى شقتها المتوسطة الاتساع, فى حى شعبى, تبدو حذرة فى تعاملها مع الآخرين, تفتح زجاج بابها فى حذر شديد, فهى تعيش فى رعب ملحوظ, حتى إن دخل العميل الذى هو غالبا فى حاجة إلى أموالها, بدت أمامه قوية بما لديها من ثروة, ومن سلطة, فتسخر منه, وتحاول إذلاله..

والمرابية أم هلال هنا, تلقى حتفها على يدى أحمد الشاب الذى يحاول تدبير المال بأى شكل من أجل إعطائه إلى جارته سامية, ويقوم بزيارة المرابية أكثر من مرة, لإعطائها ما يحاول أن يرهنه لديها, أو أن يسترده منها, وهو يدفع بآلة نحاسية حادة للغاية كى يقتلها, ويتخلص منها..

اذن, فقد أدت نجمة ابراهيم  الدور نفسه مرتين, رغم اختلاف الموضوعين, والمخرجين, مما يعنى أن المخرجين قد قاموا بحبسها فى أدوار معينة دون غيرها. وساعدها ذلك على نمطية التمثيل, فالمرأة, من جديد, جامدة الملامح, حادة المشاعر متحجرة الأحاسيس, وتلقى مصيرا قد لا يتناسب مع ما ترتكبه من جرائم مشروعة, أو غير مشروعة.

وفى العام نفسه, استعان بها حسن الإمامى مجددا فى فيلم “لن أبكى أبدا”, حيث تقوم بدور امرأة تنتمى إلى عائلة أبو طاقية تناصب الباشا العداء, وهو الرجل البالغ القسوة, نحن هنا أمام طرفين كل منها له قسوته الخاصة, وعداءه الشديد للآخر, فعائلة أبو طاقية تفقد عميدها الذى مات حزنا على أرضه, فامتلأت النفوس حقدا. وتقوم نجمة إبراهيم أم الميت بتأليب أهل أسرتها ضد الباشا, وتحاول الاستيلاء على الارض, إنها تحمل السلاح, وتقود الرجال, ولها هدف محدد, هو السيطرة على الأرض الضائعة, فقامت بشن حربها الخاصة ضد الباشا, فتحرق له مزروعاته, وتقتل له مواشيه, مما يدفع المزارعون فى أرض الباشا إلى أن يهجروها وهم الذين لا يجنون سوى المتاعب, خصوصا أن الباشا لم يقدر ظروفهم. وإنما كان يقسو عليهم ويطالبهم بالإجار.

وقد ساعد العناد, إلى زيادة حدة المواجهة بين عائلة أبو طاقية, وعميدتها, وبين الباشا, وتستمر هذه المواجهة سنوات طويلة, خاصة بعد أن ينجح المهندس الزراعى فى إعادة الحياة إلى الأرض الزراعية, وتحضيرها مرة أخرى فتنجد المرأة الفرصة المتاحة أن تعود لأحراق المزرعة مجددا إلا أن المواجهة تشتد هذه المرة, ويتم القبض على الفاعلين, وتموت عميدة العائلة.. فيما يشبه مصير المرأة التى جسدتها نجمة إبراهيم فى أفلام سابقة.

الغريب, أن نجمة ابراهيم فى أفلامها القليلة الباقية, تختلف عن دور المرأة الشعبية أو الريفية وارتدت ملابس المرأة الميسورة, ابنة الطبقة الاجتماعية الراقية, لم تكن سيدة عصابات, أو امرأة خارجية عن القانون, فالسينما كانت تحترم مثل هذه الطبقة احتراما ملحوظا, وترى ان ابناءها لا يخرجون عن الناموسش اللطبيعى, وان الشر قد يتمثل فقط فى القسوة, واغلب هذه القسوة بهدف ابقاء هذه الطبقة نقية, على الطريقة الارية, وانهم يفعلون ذلك حفاظا على طبقتهم الاجتماعية, وثقافتهم من الاقتراب بابناء الفقراء, مثلنا راينا فى أغلب هذه الأفلام الباقية, فهى فى فيلم “المرأة المجهولة” لمحمود ذو الفقار تقوم بدور أمينة هانم, أم الطبيب أحمد, الذى تزوج من البائعة البسيطة فاطمة, وهى ضد هذه العلاقة, حتى اذا مست الشبهات الزوجة, فإن حماتها تطردها شر طردة من المنزل, ولا تستجيب المرأة إلى توسلات زوجة ابنها, خاصة أنه تم القبض على فاطمة فى بيت مشبوه, دون أن يكون لها أى جرم فى ذلك, فقد ذهبت لزيارة صديقتها سعاد دون أن تتصور أن مأساة تنتظرها..

أمينة هانم هنا, كانت تحافظ على سمعة الطبقة الاجتماعية التى تنتمى إليها, وحاولت المحافظة عليها, باعتبار أن فاطمة, ابنة الفقراء, قد ارتكبت جرما, حتى وأن ذلك لم يكن حقيقيا, وقد تكررت الشخصية نفسها فى فيلم آخر هو “أقوى من الحياة” لمحمد كامل حسن المحامى عام 1960. فهى امرأة من طبقة راقية تسكن فيلا بالغة الاتساع والفخامة مع ابنتها المطلقة, والتى تتزوج من موظف صغير فقير لا ترضى عنه, هذا الموظف يحب ابنه من زوجته بجنون, وهو طفل مشاكس, كثير الحركة, والمتاعب, والمشاغبات, ويعطى السيناريو الإيحاء أن هذه المرأة تود التخلص من زوج ابنتها بأى ثمن. أما الزوج, فإنه يزداد إحساسا بالغيرة, ويدبر خطة لقتل ابنة زوجته. إلا أن ابنه هو الذى يتناول السم, فيموت, ويدبر الاتهام إلى زوجته, ويتعمد اهانة حماته, وطردها من الفيلا التى تملكها.

جددت الممثلة هذه الشخصية مجددا فى فيلم “الليالى الدافئة” اخراج حسن رمزى عام 1962, فهى نبيلة هانم, التى تسكن قصرا فخما مع أسرتها الصغيرة, هى أم للطبيب الجراح المشهور أحمد رأفت, وللفتاة سعاد التى تحب طبيب شاب من أصول فقيرة, وهذه الأم تقف بالمرصاد أمام زواج ابنها من ليلى مطربة مشهورة, لمجرد أنها مطربة, مما يعنى أن هذا لا يتناسب مع تقاليد العائلة لذا فإن الابن يخفى زواجه اجتماعيا, وتقف الأم صلبة أمام هذه العلاقة, لدرجة أن تنتزع الابنة هدى من أحضان أمها, بعد أن تكبر, وهى تبدو بالغة القسوة, والجفاء, تهدف فى ذلك إلى الحفاظ على التقاليد الاجتماعية, وعلى أسرتها من أن يدخلها الوضعاء, كما ترى, ويساعدها فى ذلك ابنها الطبيب الذى لا يرمش له جفن واحد بشأن الحفاظ على أسرته, حتى وإن كان عاشقا, وقد ظلت العلاقات شديدة التوتر, إلى أن هربت هدى الصغيرة من الدار, وتتعرض لحادث تجعل القلب يرق, والمشاعر تختلف, وتوافق نبيلة هانم أن يدخل الفقراء إلى عالمها الأرستقراطى فى مصاهرة.

الدور الوحيد المختلف فى هذه الفترة, هو دور الخادمة مبروكة فى فيلم “هذا الرجل أحبه” اخراج حسين حلمى المهندس, فهى المرأة الريفية الطيبة, غالبا, التى تستقبل صابرين فى الطبيعة التى تعمل بها, وتشرح لها ما يحدث فى المكان, هذه المرأة ترتدى الملابس السوداء, مما يعطى الإيحاء أنها وراء الأحداث الغامضة التى تدور فى المنزل, وعلى كل فقد كان الدور صغيرا, مما يوحى أن نجمة ابراهيم كانت تودع السينما.

وبالفعل فإنها ودعت السينما تمام عام 1966 فى قصة “سارق عمته” اخراج كمال الشيخ من بين قصص فيلم “3 لصوص” فهى هنا العمة العانس توحيدة التى تعيش مع أختها شريفة العانس أيضا, ويعيش معهما حسن, ابن أخيهما, الذى يود أن يتزوج, وأن يعيش مع عمتيه, إلا أنهما ترفضان الفكرة, خوفا أن يستولى حسن على الشقة التى تسكنا بها. تموت العجوز توحيدة, ثم تصحو مرة أخرى وتوصى حسن أن يأخذ مفتاح الخزانة, ويحصل منها على ما يشاء من أموال يفكر حسن فى التخلص من العمة, لكن الشرطة تقبض عليه بتهمة سرقة الخزانة, يعرف حسن أن العمة توحيدة فعلت ذلك حتى لا يسكن معها فى الشقة, فيستولى عليها..

اذن, فقد ظلت أدوار الشر ملازمة للممثلة طوال حياتها التى استمرت بين عامى 1915 إلى 1976, والتى ذكر الكثير من رفاقها أنها كانت تتمتع بخفة الظل, تتناقض تماما مع كل ما شاهدناه لها من شخصيات سينمائية – سامحها الله.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.