الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

كل يوم شرير الحلقة السادسةكمال الشناوي

0 103

كمال الشناوى ..الشرير  وسيم مرموق

 الوسامة التى تمتع بها كمال الشناوى, اكسبت أدوار الشر والإجرام العديدة التى قام بها, الكثير من الأناقة والقبول, فقد جمعت هذه الأدوار بين الوغد, والأنانى, والقاتل, والشرير, والمجرم, وفى كل هذه الصور, كانت الشخصية التى يجسدها تبدو ذات مكانة اجتماعية مرموقة, يعززها ما يرتكبه من جرم كى يتمكن من الصعود اجتماعيا.

ورغم أن الصورة الغالبة الباقية فى الأذهان عن الأدوار التى جسدها كمال الشناوى, هى ذلك العاشق الوسيم, ابن الطبقة الموسرة, الكثيف الشعر, الذى لم يتخل أبدا عن شاربه, أو يحاول تغيير شكله, الأنيق فى ملبسه, صاحب الصوت المميز, فإن بعض المخرجين قد نجحوا فى اخراج الشناوى من هذه الصورة لتقديمه فى صورة الشرير الذى أوجزنا ملامحه فى كلمات قصيرة, وكان على رأس هؤلاء كمال الشيخ الذى عرف كيف يوظف الممثل العاشق فى أدوار صاحب المؤامرات, القاتل, الأنانى, الوصولى فى أفلام عديدة, فى الستينات والسبعينات, هذه الأدوار التى ساعدت الممثل على الخروج من دائرة الأدوار السطحية النمطية التى اعتدنا عليها, وذلك منذ أن عمل لأول مرة فى فيلم “الغريب” الذى ساهم فى إخراجه أيضا حسين حلمى المهندس. وحتى فيلم “الهارب” عام 1974, أى طوال عشرين عاما كاملة, قدم خلالها كمال الشيخ ممثله الوسيم أفضل ما أداه على الإطلاق.

وخلال رحلة الممثل الطويلة التى بدأت عام 1947, فإن هناك نوعين من المخرجين وضعاه فى صورتين متناقضتين, النوع الأول لم يشأ أن يخرجه عن أدوار العاشق خاصة أمام شادية التى لعب أمامها تسعة عشر فيلما عاطفيا, أما النوع الآخر, فقد رأى خلف هذا الوجه الوسيم, الطيب, ملامح وغد شرير, مجرم حقيقى, يمارس ما يسمى بالجريمة الأنيقة, المتقنة, مثلما فعل فى “حبى الوحيد”, وهو يدبر خطة متقنة لقتل زوجته بالسم..

ولعل هنرى بركات, هو أول من قدم كمال الشناوى فى دور الشرير, فى غيلم “أمير الانتقام” عام 1950, فهو الشاب الذى يحب الفتاة ياسمين, ويريد أن يتزوجها وعليه إزاحة خصمه البحار حسن الهلالى من أمامه بأى ثمن, فيتعاون مع خصمين آخرين للهلالى, ويوقع على خطاب يتم إرساله إلى رئيس الشرطة, بأن الهلالى لديه رسالة سرية خطيرة مما يدفع بالشرطة أن تقبض على الشاب ليلة عرسه ويصبح فى إمكان الخصم أن يتزوج من ياسمين التى تنجب له شابا يافعا, لن يلبث أن يعرف ماضى أبيه القذر, فلا يغفر له.

وقد انتقم الهلالى من خصمه هذا انتقاما شرسا, بأن فضحه أمام ابنه وزوجته, وكشف ما ارتكبه فى شبابه من جرم, مما دفع به أن ينتحر أمام أسرته تكفيرا عن ذنب اقترفه.

وقد عاد المخرج نفسه, بركات, عام 1954 ليقدم ممثلة فى واحد من أكثر أدواره شرا, حيث يكشف الشناوى عن ممثل متميز وسط أدواره الخفيفة الأخرى, فى فيلم “رسالة غرام” المأخوذ عن قصة ماجدولين, تأليف ألفونس كار وفى هذا الفيلم هو الوغد, أكثر منه الشرير, أو مرتكب الجريمة, فهو صديق للمطرب وحيد, والذى يردد دوما أنه مخلص, ويحب الأصدقاء, ويقدر الصداقة, أما هو فإنه يرى أن الصداقة قائمة على المصلحة فى المقام الأول, ويعترف بذلك أمام وحيد الذى يرسله إلى المحطة لاستقبال حبيبته القادمة من الفيوم, وفى السيارة التى تقلهما إلى بيت وحيد, فإنه يغويها, ويبدأ فى أعمال الوقيعة فيما بينهما, ثم يكرر محاولاته, إلى أن ينجح فى توريطها معه, بعد أن اغتصبها عنوة, ويتزوج منها, ويبدأ فى ابتزازها, وقد صور الفيلم هذه الشخصية, وقد مارست كل ما اتسع لها من أسباب الشر, والخروج عن حدود اللياقة, والأخلاق, فهو يختطف حبيبة صديقه الذى طالما منحه من الهبات والمنح, كما أنه يغتصب الفتاة, ويتزوجها, وبعد أن تنجب منه فتاة, فإنه يغرق فى لعب القمار, وشرب الخمر, ويهمل أسرته التى فعل الكثير من أجل الحصول عليها, وفى النهاية فإنه يموت مع زوجته فى حادث سيارة سببه التهور فى القيادة, ويترك الاثنان ابنتهما الهام التى يتولى وحيد رعايتها, ويكرس حياته من أجل تربيتها..

ولا نستطيع أن ننكر أن المخرجين لم يجدوا من هو أكثر وسامة من كمال الشناوى ليحبسوه فقط فى أدوار العاشق الرومانسى, فى عشرات الأفلام أمام شادية, ومريم فخر الدين, وسامية جمال, وماجدة, وصباح, إلا أن محمود ذو الفقار الذى أسند اليه دور عباس فى “المرأة المجهولة” عام 1959 هو الذى فتح له الباب كى يمنحه المخرجون الآخرون أدوار الشر بشكل مكثف طوال الحقبات التالية..

فعباس هذا بلطجى, يدير منزلا للدعارة, ويبتز النساء, ويدفعهن للعمل عنده, وعلى مر السنوات تغيرت سحنته, من الشاب الوسيم, إلى العجوز الأشيب الأصلع, الذى لم يتخل يوما عن ما لديه من قوة شر, فهو يستخدم كافة أسلحته للتأثير على النساء لممارسة الشر الذى يريده, ففاطمة, الزوجة المخلصة, حين تذهب إلى بيت عباس لزيارة صديقتها سعاد, فإن الشرطة تهاجم المنزل, ويتم القبض على فاطمة, ولا يتفهم الزوج الأمر, وهو الطبيب المشهور, فيطلقها, ولا تجد بعد إطلاق سراحها سوى أن تعمل فى الحانة التى يرعاها عباس الذى يطلب منها إتاوة, يهاجمها وسصفعها عندما ترفض الدفع, وفى معركة معه, تموت سعاد بطعنة من عباس الذى يدخل السجن.

نحن اذن أمام شرير مارس الكثير من أنواع الجريمة, ابتداء من البلطجة, إلى الدعارة, ثم القتل والابتزاز, فبعد خروجه من السجن يكون العجز قد حل به, ويسعى إلى ابتزاز فاطمة التى تبيع اليانصيب, خاصة حين يعرف أن ابنها قد صار محاميا مشهورا فيأخذ منها الأموال حتى لا يكشف سرها أمام ابنها, وبذلك يؤثر على مستقبله, ولا تجد فاطمة أمامها سوى أن تطعنه.

أغرب ما فى هذا الفيلم أن الثنائى العاطفى الشهير (شادية – كمال الشناوى) قد ظهرا فى شكل مختلف تماما أمام الناس, فبدلا من مشاهد الحب, والتضحيات, والاغنيات الرقيقة الخفيفة, فإن كل منهما يصبح قاتلا حقيقيا, هو يقتل سعاد فى معركة شرسة, وفاطمة تقتل عباس, وقد أصابها المشيب, والشيخوخة, دفاعا عن مستقبل ابنها.

والطريف أيضا أنه فى تلك الفترة, وفى أفلام أخرى, ظهر الاثنان فى أدوار رومانسية طريفة مثل “قلوب العذارى”,”عش الغرام”,”معا إلى الابد”..

وفى عام1960, قدم عز الدين ذو الفقار القصة الأولى من فيلم “البنات والصيف”, وفيه جسد كمال الشناوى دورا أقرب إلى ما سبق أن جسده فى “رسالة غرام”, فهو الصديق المخلص عمر, الذى لم يفترق قط عن صديقه اسماعيل, وقد ربطت بينهما صداقة متينة, وعندما تزوج اسماعيل, وهو أقرب إلى الطيبة البلهاء, فإن الثلاثة لا ينفصلون, وإسماعيل هنا الوغد, لا يستخدم المفردات التقليدية التى يستخدمها الممثلون عند ممارسة شرورهم, مثل تلعيب الحاجب, أو تجسيم الصوت, بل هو يستخدم جاذبيته, وألاعيبه وذكائه, لإيقاع وفيه فى الخطيئة, وهى المرأة المحرومة من عطف زوجها, ويبدو ذكاء وأسلوب المخرج فى مشهد قطعة الجاتوه, فالمرأة تمتلئ برغبة, وهو يجذب قطعة الجاتوه نحوه, حتى تقع فى أحضانه, وقد حاولت وفية ان تنبه زوجها, لكن إسماعيل يبدو سلبيا, ولا يتخذ أى موقف إيجابى, كما ان الزوجة تهرب إلى بيت ابيها, فيأتى عمر لإعادتها, وعندما تكتشف انها حامل, فإنها تطعنه بسكين الفاكهة, وتنتحر بأن تلقى بنفسها فى البحر..

والغريب أن المخرجين, قد جعلوا كمال الشناوى يقوم بأدوار الشر فقط, فى تلك المرحلة, أمام مريم فخرالدين, فبعد أن قام بدور الوغد الذى حاول الإيقاع بالفلاحة الساذجة عام 1954 فى “الأرض الطيبة” فإن محمد كمال حسن المحامى, قد أسند إلى كمال الشناوى دور الزوج أمام مريم فخرالدين مجددا فى فيلم “أقوى من الحياة”, عام 1960, فنحن هنا امام موظف صغير تزوج من مطلقة ثرية لها ابنه صغيرة من زواجها الاولو كما يحس بالغيرة من احد أقربائها الذى يتردد على المنزل, يدبر خطة لقتل ابنة زوجته, يدس السم لها فى الشراب, لكن ابنه يتناول السم, ويموتو تتجه السبهات نحو الام, وتساق إلى المحكمة. وتبدو تصرفات الشر فى الأب هنا, حين تؤول إليه ممتلكات الزوجة السجينة, فهو يطرد المربية, وينفرد بالمنزل وحده, صحيح أنه حزين على وفاة ابنه, لكن الشر الذى تملكه, جعله ينتقم من الجميع, وقد استطاع الممثل هنا أن يضيف إلى هذا الشر نوعا مختلفا من الأداء, فهو المنهزم الذى كسب الكثير, وخسر أيضا الكثير, فلا ينعم بما كسب قدر استخدامه فى التخلص من خصومه, حتى ينكشف أمره. هو هنا قاتل, وحاقد, ومجرم مع سبق الإصرار, وناكر للجميل, ومخادع, ومنتقم, كل هذا معا..

فى العام نفسه جسد كمال الشناوى دور دساس السم أيضا فى فيلم “حبى الوحيد”, والذى لنا عودة أخرى اليه ونحن نتحدث عن علاقته بكمال الشيخ.

وفى عام 1973, وفى فيلم “نساء الليل” لحلمى رفلة, عن قصة كتبها الشناوى نفسه, لم يكن الفنان أحمد حمدى بالشرير, قدر ما هو المبدع الأنانى الذى يبحث عن النجاح الفردى, دون أن يأبه بمصائر الآخرين, ويمكن أن نقول أنه الوغد, أكثر منه المجرم, رغم أن تصرفاته أسفر عنها موت أشخاص أبرياء.

فالفنان يبحث عن موضوع لوحة سوف يشترك بها فى مهرجان دولى, ويتعرف على العاهرة زينب التى تمثل الضياع, فيستجلبها إلى منزله, وهناك تشعر بالراحة, وتحبه من طرف واحد, وتتبدد ملامح الضياع, مما يعنى أنها لم تعد بذات أهمية بالنسبة له, فيلفظها, وذلك أمر مرتبط بأنانية الفنان, إلا أنه, من ناحية أخرى, يجد جارته يسرية فى شقته, فيعتدى عليها تحت وقعالخمر, ودون أن يدرى, فإن هذا الحادث يتسبب فى وفاة أم يسرية التى تشاهد ابنتها تخرج من شقة الرسام, فتصدم, كما أن يسرية تنتحر عندما يتم القبض عليها فى بيت دعارة ذهبت اليه عن طريق الخطأ.

ولا يمكن أن نقول أننا أمام شرير بالمعنى المألوف, بل نحن أمام فنان أنانى, وغد, يبحث فقد عن نجاحه الخاص, وينسى من شاركوه هذا النجاح, وتتعدد ضحاياه بشكل ملحوظ, وفى مشهد النهاية, فإن صديقه الشاب الذى يحب يسرية, يصرخ فيه, وهو المذهول “ارسم يا فنان.. ياعظيم. ارسم”.

ومن الملاحظ أن الذى منحوا كمال الشناوى أدوار الشر, لم يسبق لهم أن تعاملوا معه فى السينما, مثل محمود ذو الفقار, ومحمد كامل حسن, ثم على بدرخان الذى منحه دور عمره فى “الكرنك” فهو خالد صنوان, كما وصفه الناقد مجدى فهمى “سوط مرفوع يلهب الظهور”, إنه حجر ضخم, كل مكان يحط عليه يتحول إلى أشلاء وحطام, إنه جنكيز خان, وهولاكو, وراسبوتين معا, له نعومة الثعبان وسمه الرعاف إنه جزيرة أحقاد فى بحر حب.

“وخالد يؤمن بشعار غريب: أنا أؤذى اذن أنا أعمل”.

خالد صفوان هذا شخص يملك سلطات بلا حدود, وكرسيا بلا حساب, ويتخذ من كافة الإجراءات الاستثنائية المخالفة للقانون حجة لحماية الثورة, كما أنه يرتكب من الجرائم والموبقات الكثير, كل هذا بزعم حماية الثورة, انه شخص يعتقل ويحبس حتى الوزراء, لا حساب عليه ولا رادعة, فهو هنا قوة هائلة تشعر المسؤولين دائما أن هناك خطرا يتهددهم, وهذا سر بقائه فى منصبه.

وخالد صنوان هذا هو قمة الشر الذى جسده كمال الشناوى, إنه رئيس الاستخبارات, سلط عينيه فى فترة على الجامعة, فوقعنا على مجموعة من الطلبة تخط على لافتات من قماش شعارات لترفعها فى مناسبة, وسمعت أذنا تعليقات حول هذه الشعارات, وتستقر عيناه على المقهى الصغير الذى يتردد عليه مجموعة الشباب,فيقوم بإصدار القبض عليهم, ويعرضهم لصنوف من العذاب, ثم يفرج عنهم ليقبض عليهم من جديد بتهمة التحزب للأخوة المسلمين, ومرة أخيرة بتهمة تحريض العمال فى مصنع كبير للنسيج. وفى كل مرة يتفنن خالد, وزبانيته فى وسائل تعذيب فرائسهم, فهم تارة يجلدون اسماعيل, وأخرى يغتصبون زينب, وفى إحدى المرات يقضون على حلمى بالنعال وكعوب البنادق.

وقد أدى كمال الشناوى الدور بتفرد واضح, فهو قليل الانفعال, لا يلون مخارج ألفاظه بين التهديد والوعيد, والإغواء, وقد كتب مجدى فهمى أنه يثبت”بهذا الدور أنه مثل الخمر الأصيلة, السنون تضاعف من قوته ومفعوله.. كنت أعتقد أنه أيدى الشباب فقط, فإذا بموهبته أيضا تزاحم شبابه على الخلود”.

عندما صار كمال الشناوى أكبر سنا, أسندت اليه الأفلام فى الثمانينات, والتسعينات, أدوار رجل الأعمال الناجح, وهو ليس شريرا بطبعه, لكنه فى فيلم “الوحل” لعلى عبد الخالق 1987, هو عصمت بك الذى يحظى باحترام المجتمع, يقرر الانتقام من الضابط الشاب خالد الذى قتل ابنه أثناء إحدى المطاردات, عصمت اذن يعمل فى تهريب المخدرات, وهو يجمع المعلومات عن الضابط وأسرته, ويقرر أن يكون الانتقام فى شخص لبنى زوجة الضابط, بأن يحطمها ويجعلها مدمنة مخدرات, هو شرير ذكى, ثرى, أنيق, مثلما عهدنا الممثل فى هذا النوع من الأدوار, إنه يفعل ذلك لهدف خاص بنشاطه كمهرب مخدرات, فهو يستخدم الزوجة لكشف أسرار زوجها وخططه لمحاربة تجار المخدرات بحيث يفشل كل كمين يضعه الضابط للقبض على العصابة.

أما الدور الثانى, كأب يسعى للانتقام من أجل ابنته, فهو فيلم “المخطوفة” عام 1991, اخراج شريف يحيى, فهو راتب بركات, المليونير, والد الفتاة المدللة نيفين, التى تصدم سيارة الأجرة التى يمتلكها الشاب الفقير المكافح حسين, وفى قسم الشرطة, يبدى الأب رغبته لدفع التعويض المناسب للسائق, لكنه عندما يعلم من ابنته أن حسين قد صفعها, فإنه يتحول إلى وحش كاسر, يرفض أن يعطيه مليما واحدا, بل ويقرر الانتقام لكرامة ابنته, ليجد حسين نفسه بلا مورد رزق, باعتباره العائل الوحيد لأسرته, كما يعجز عن تدبير نفقات علاج أمه المريضة المسنة, ويلح ليساعده راتب بركات, لكنه يرفض ويطرده من مكتبه بقسوة, تموت الأم, ويقوم السائق بخطف الابنة بهدف إذلال المليونير, فيحبسها فى مكان مهجور وراتب هنا, لا يلجأ إلى الشرطة, ولا يستسلم إلى الضغوط, إنه من الرجال الأقوياء الذين أفرزتهم المرحلة, حيث يستأجر عددا من البلطجية لاستعادة ابنته المخطوفة.

والسينما التى أسندت لكمال الشناوى فى شبابه أدوار الشاب الرومانسى, هى التى أسندت اليه دور رجل الأعمال الخارج عن القانون فى “الجبلاوى”, و”زوجتى والذئب”, إلا أنه فى الفترة الأخيرة أدى دور الشرير, أو الوغد, أو النصاب, فى إطار كوميدى محبب, فنجح فى أن يغير من صورة الشرير, رغم تقدم السن به بشكل ملحوظ, فقدمه نادر جلال فى دور السجين الذى يتوب فى “131 أشغال” عام 1993, وفى “طأطأ وريكا وكاظم بك” كان هو النصاب خفيف الظل الذى ينجح فى سلب الثريات المال, وفى “لحم رخيص” فإنه مقاول تزويج بنات قريته من الأثرياء العرب الذين يتزوجون البنات الصغيرات لأسباب جنسية, ولبعض الوقت, قبل أن يدفعوا بهن إلى العودة إلى قراهن مرة أخرى. وفى فيلم “الصاغة” عام 1996 اخراج أحمد السبعاوى, فهو الحوت, الذى يسيطر على شارع الصاغة, ويتحكم فى أسعار المجوهرات, وهو عاشق النساء, متزوج من أربع نساء, ويحتفظ بعلاقات مع أخريات. ويواصل هواياته فى مطاردة النساء, رغم زواجه من فتحية التى يطلقها, وفيما بعد تنافس فتحية الحوت فى مزادات الذهب وتلفق له تهمة ليدخل السجن, لكن تثبت براءته, يقرر الانتقام منها, فيشتبك معها إلى أن تقع فى إناء به ذهب منصهر شديد السخونة, فيتشوه وجهها, ويتم القبض على الحوت بتهمة قتل أحد المسئولين.

أشرنا فى البداية, أن كمال الشيخ هو المخرج الذى وضع كمال الشناوى فى أدوار الشر, منذ بداية تعامله معه فى “الغريب” عام 1956, وقد تكرر التعاون بين الرجلين, ولم يتخرج صورة الشخصية التى يجسدها الشناوى عن الشرير, أو الوغد, والخارج عن القانون فى مجموعة من الأفلام هى: “حبى الوحيد” عام 1960, ثم “اللص والكلاب” عام 1962, و”الرجل الذى فقد ظله” عام 1968, و”الهارب” عام 1974, والجدير بالذكر أن أفلام كمال الشيخ ذات الطابع البوليسى أو المأخوذة عن نصوص أدبية, كانت تعتمد على وجود الشرير أو الوغد, الذى يسعى إلى استخدام الجريمة لمصلحته الشخصية, وفى فيلم “الغريب” المأخوذ عن رواية “مرتفعات ويذرنج” لإميلى برونتى, فإن كمال الشناوى, الشاب الوسيم,هو الابن الثرى الذى يعود من رحلة إلى الخارج, بعد وفاة أبيه, كى يتولى حكم البيت بطريقته الخاصة, لا يمكن أن نعتبره شريرا بالمعنى المألوف, لكنه الصارم الذى يود أن يضع كل شىء فى نصابه, فهو على عداء دائم مع غريب, ابن الشارع الذى التقطه الأب الراحل, وكفله فى داره, فعاش كابنه إلى جوار ابنته, وابنه حين كان صغيرا, وقد نمت مشاعر الكراهية تجاه غريب الذى تساوى مع الابن الحقيقى, لذا فعندما يعود من الخارج, يأمر أخته بعدم الاختلاط بهذا الغريب, ويأمره أن يلتزم مكانه كخادم, لا يأكل معهم, ولا يتساوى بهم.

أما دور الزوج فى فيلم “حبى الوحيد”, فإن رشدى هنا يحاول التقرب من منى, ويتقدم لها, وهى التى على علاقة حب بالطيار الشاب عادل, وتضطر منى إلى الزواج من رشدى, دون أن تعرف أن عادل قد تعرض لحادث, وبعد الزواج, يبدو رشدى غيورا, وفظا, وعندما يظهر عادل مرة أخرى, فإن الغيرة تشتد بالزوج, الذى يدبر خطة متقنة, يضع فيها السم الرعاف لزوجته, وأن تتجه الشكوك إلى عادل, وقد استغرق الفيلم وقتا طويلا, فى اعداد الجريمة وتنفيذها, وقيام الزوج بنقل امرأته من مكان إلى آخر حتى تخرج الجريمة الكاملة, لكن ضابط الشرطة, يكتشف الحقيقة, بينما تعلن الزوجة التى شفيت من السم أنها حاولت الانتحار كى لا تتجه الشبهات اليه.

وفى “اللص والكلاب”, فإن رؤوف علوان ميكافيللى النزعة, يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة, وهو يدافع عن الجرائم الصغيرة التى يمارسها سعيد مهران, فى المدينة الجامعية, لكنه يقف ضده حين صار صحفيا كبيرا, أعطاه القليل من المال حين زاره, وانتظره أن يعود إلى البيت ليسرقه, ففتح له النافذة, فهدده, وأخذ منه ما منحه, ثم هو يستغل جريمته, كى يؤلب عليه الرأى العام, ويحقق لنفسه المجد الصحفى. والشرير هنا, وغد فى المقام الأول, وصولى, يعرف كيف يستفيد مما يحدث حوله, وإذا كان الفيلم قد تعاطف مع القاتل, وأعطاه بعدا انسانيا, ورأينا الكثير من جوانب حياته الخاصة, فإنه قام بتسطيح حياة الصحفى الوغد حيث رأيناه مقطوع الجذور بلا أسرة, أو أصدقاء, وقد انقلب على شخص قام بتثقيفه على طريقته.

شخصية الصحفى, الوغد, الوصولى, تكررت بين كمال الشيخ والشناوى فى “الرجل الذى فقد ظله” مع المزيد من التفاصيل, فنحن هنا أمام يوسف السيوفى, الذى صعد على أكتاف أستاذه محمد ناجى, حيث باع نفسه من أجل تحقيق طموحه القروى, وتخلى عن كل القيم والتقاليد الانسانية, فهو يتنكر لمبروكة زوجة أبيه الراحل, ويطردها مع ابنها, كم أن يوسف يقوم بالابلاغ عن زملائه المناضلين السياسيين, ويتم القبض عليهم, بينما يسافر هو فى مهمة صحفي. يحاول الصعود الاجتماعى من خلال ارتباطه بالممثلة سعاد, ابنة الطبقة الأرستقراطية لكنها ترفضه أكثر من مرة, ويوسف لا يعرف سوى لغة الصعود الاجتماعى على حساب ضحاياه, لا يرتكب الجرائم التقليدية, ولكنه يزيح كل من حوله, بقسوة, وكل من يتصور أنهم يعرقلون مسيرته.

أما الفيلم الأخير الذى جمع بين كمال الشناوى, وشادية, وأيضا كمال الشيخ, فهو “الهارب” الذى كتبه رأفت الميهى. وقد قام هنا مجددا بدور الصحفى الذى أتى فى تلك الليلة بفتاة ليل لقضاء وقت ممتع, إنه يخون زوجته, فى هذه الليلة, يسوق القدر الشاب الصحفى هنا كاتب مشهور, وناجح, ورب أسرة, إنه الصورة نفسها من رؤوف, ويوسف, ويخشى أن تنكشف علاقته بابنة الليل, الذى يعيش معها, لكنها تتهمه فى رجولته, وبأنه عاجز جنسيا, وهذا الصحفى غير شريف, فهو متسلق ومختلس, وأمام الفضائح التى تنتظره, فإنه لا يجد سوى الانتحار.

اذن, فالأدوار القليلة, نسبيا, قياسا إلى ما قدمه فى عالم الشر كمال الشناوى, قد أتاحت للفنان أن يكشف موهبته الحقيقية, وأنه بالفعل, مثل الشراب العتيق, يزداد طعمه حلاوة, كلما تقدم به العمر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.