الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

كل يوم شرير الحلقة الثالثة رشدى أباظة

0 92

 

 

 محمود قاسم يكتب عن اشرار السينما  

 

                               الرجل الأول وليس الثاني

 

كل ممثل جيد له فى الشر دورا لا ينسى..

وفى العام نفسه الذى أسند فيه عز الدين ذو الفقار دور الأخ الشهم صابر إلى رشدى أباظة فى فيلم “امرأة فى الطريق” أسند اليه دور “الرجل الثانى” الذى “دوخ” الشرطة ورجالها, ولم يتم التخلص منه بسهولة, فدسوا له بضابط شرطة بالغ الذكاء والحذاقة, فكشف هويته, ولم يدعه يهنأ بالتخلص منه إلا بعد أن أذاق الجميع الأمرين.

رشدى أباظة, ذلك الأنيق, المهذب, الذى يجيد التعامل مع النساء, المزلزد لأم ايطالية, وأب مصرى, الذى قام بالبطولة المطلقة علم 1948 فى فيلمه الأول “المليونيرة الصغيرة” ما لبث أن صار ممثلا للأدوار الثانية فى أفلامه التالية, وغالبا ما تكون هذه الأدوار فى السينما المصرية مخصصة للشر الذى يحاول مجابهة الخير, وفى هذه الأفلام كان المخرجون, ذوى الأصل الإيطالى مثله يسندون إليه الأدوار الثانية أو الأولى, مثل السيندرينى فى “أمينة” عام 1949, ثم “امرأة من نار” لفرتيتشبو.

 

 

 

 

 

ولعل أول أدوار الشر التى نذكرها له, هى دور الذكر الجديد البديل الذى جاء إلى بيت ثرى فى الزمالك عام 1952 فى فيلم “الاسطى حسن” لصلاح أبو سيف, فهناك امرأة حسية, تتعامل دائما مع الرجال البالغين الصلابة بهدف إشباعها, ويأتى هذا الرجل الجديد, أنيقا, قويا, بعد أن انطفأ عود العشيق القديم, إنه طاقة مشتعلة, لإشباع المرأة, ويبدو متعجرفا, دون أن يعرف نهايته, ولابد للمرأة أن تتخلص من العود القديم الذى يشتعل غضبا, فيتعارك معه.

ويبدو أن هذه الصورة وحدها راقت للمخرجين فى هذا الوجه الجديد, فظهر بالشكل نفسه فى أفلامه التالية, فهو الشرير الأنيق فى “أرحم دموعى”, الخطيب الذى يعود من السفر, مصاحبا معه خطيبته الجديدة, ويتخلى كالوغد عن حبيبته التى تنتظره, فهو يميل إلى الميزان الأرجح ناحية الثروة المضمونة, ويتعمد اهانة حبيبته القديمة, التى اضطرت للزواج من رجل صناعة, من أجل إنقاذ أبيها من الإفلاس, وهذه الحبيبة تعترف لزوجها فى ليلة زفافها أن قلبها معلق برجل آخر, إنه ليس سوى هذا الوغد الذى سوف يستغل تسجيلات وصور قديمة لابتزاز المرأة, أو محاولة اعادتها له.

وفى “جعلونى مجرما” لعاطف سالم عام 1955, هو أيضا أحد الفريقين الذين يترددون على الملهى الليلى من أجل اصطياد النساء, وممارسة شروره, وهو يقف ضد سلطان دوما, ويتشاجر معه, كما يؤدى دور الرجل الذى يتزوج النساء, ويخطط لقتلهن, من أجل الفوز بمبالغ وثيقة التأمين فى فيلم “حياة أو موت” لكمال الشيخ.

كلها أدوار صغيرة, متشابهة, للفتى الوسيم الشرير, فهو ابن الوزير, الذى يتزوج من فتاة تحب ابن عمها ضابط الجيش فى فيلم “إنى راحلة” لعز الدين ذو الفقار عام 1955, حتى إذا تزوج بها, انكشفت أخلاقه الشرسة, فهو يخونها مع نساء أخريات, ويضربها, إلى أن تشعر باليأس منه, فتهرب مع حبيبها وتموت محترقة فى عش الحب بعد أن مات الضابط من المرض.

المخرج الذى أحس بقيمة وموهبة رشدى أباظة, ومنحه دور البطولة الأولى هو حسين فوزى الذى منحه دور الصياد العاشق أمين فى فيلم “بحر الغرام” عام 1955 أمام نعيمة عاكف, وقد بدا أباظة هنا بالغ السحر, والفتنة, فهو عريض المنكبين, صاحب ضحكة مميزة, يثير شهوة امرأة متزوجة تريده لنفسها, لكن ليس هذا الدور هو ما نهتم به هنا, نحن نبحث عن أباظة الشرير, لكن منذ هذا الفيلم, وأدوار الممثل تتراوح بين الخير والشر, وبين البطولة المطلقة فى الأدوار الثانية.

ففى العام 1956, قام بدور ابن الذوات الأنيق, العاشق, الذى تدفعه حبيبته كريمة إلى الانتقام من المطربة الجديدة زنوبة, التى تملكت قلب المطرب والملحن وحيد فى فيلم “إزاى أنساك” لأحمد بدرخان, فيقوم هذا الشاب الثرى باغراء زنوبة بالهداية, وبعدها بالزواج, ويبدأ فى ابعادها عن المطرب, بل أن زنوبة تتعالى على المطرب, وتترك بروفات العروض الغنائية, مما يعرض الفرقة للخسارة, وذلك لكما أغدق عليها الشاب المزيد من الهدايا. وهو يتمكن ذات ليلة من تخديرها, والاعتداء عليها ثم يكشف لها حقيقتها, ويتركها..

زنوبة فى هذا الفيلم, تستحق مثل هذا الوغد الذى غرر بها, فسرعان ما صارت هى الأخيرة شريرة ناكرة لجميل من وقف بجانبها, والغريب أن الفيلم سرعان ما غفر لها, حين قررت العودة مرة أخرى إلى فريد.

فى هذا العام, قام رشدى أباظة بدور ضابط الشرطة الذى يفتش عن الفاعل فى فيلم “من القاتل” لحسن الصيفى, ثم هو العاشق فى موعد غرام, وشيئا فشيئا ستقل مساحة الأدوار المشابهة, ففى عام 1957 قام من جديد بدور العاشق الوغد, الذى يدفع بحبيبته إلى الزواج من نادية, ابنة الزوج تمثل صدمة بالنسبة لها, وتحاول أن توقفها لكنها لا تنجح فى ذلك بل أن هذا الوغد يتقدم للزواج منها, كى يمتلك المرأتين معا, الابنة, وزوجة الأب..

وفى عام 1958, جسد رشدى أباظة, دور الضابط الفرنسى بيجار فى فيلم “جميلة” ليوسف شاهين, هذا الضابط الذى فقد عينه فى حرب فيتنام, جاء إلى الجزائر, كى يتولى وأد المقاومة, والثورة المسلحة بيد من حديد, وما أن تقع جميلة بين يديه, كواحدة من المناضلين, حتى يشرع فى تعذيبها بقوة, ووحشية, ويطلب منها أن تطلعه على مكان يوسف, زعيم الثوار, لكنها تتحمل أقسى العذاب ولا تخون قضية بلادها, وحين يفشل أن يجعل السجينة تعترف, فإنه يأمر بالقبض على أخيها الصبى, ويعذبه أمام عينى أخته بالقسوة نفسها.

يبدو بيجار نفسه رجلا بالغ الحدة, يخلو وجهه من أى ملامح, وتعطيه العصبة السوداء على إحدى عينيه مظهر أكثر قسوة فمثل هذه الشخصية لا منفذ لها, وليس لديها رحمة, وهى تتفنن فى تعذيب ضحاياها من أجل الحصول على المزيد من المعلومات.

وكان رشدى أباظة قد حاول إغواء زوجة صديقه الأديب فى فيلم “أنا بريئة” اخراج حسام الدين مصطفى عام 1959, مما أدى إلى حدوث جريمة فى البيت, فإن رمزى هذا لم يرتكب الجريمة بنفسه, بل أن الزوج الغيور هو الذى حاول قتل ابن عمه رمزى, وتتدخل الزوجة فتطلق رصاصة تصيب زوجها, فيهرب رمزى مع ناهد خوفا من العقاب, ويأويان إلى بنسيون..

رمزى هنا شرير بطريقته, فهو يحاول إغواء ناهد بما لديه من ذكورة, وهو أيضا يلعب القمار ويرفض الاعتراف بالحقيقة لابن عمه, بعد أن عرف أن فاضل لا يزال على قيد الحياة.. ويلقى رمزى مصيره على أيدى رجال الشرطة..

أما الدور الأهم فى تاريخ حياة الممثل, كشرير بالطبع, فهو فى “الرجل الثانى” لعز الدين ذو الفقار عام 1959, إنه شرير من نوع خاص, يجيد التخفى,وحفظ الأسرار, ويقود عصابة ضخمة, ويعرف كيف يتعامل مع أتباعه, وايضا مع رئيسه الرجل الذى لا يعرف أحد من يكون.. كما يتمتع بذكاء.. وجاذبية وأناقة.

هكذا رسم يوسف جوهر ملامح الرجل الثانى, عصابة دولية بين القاهرة وبيروت مهمتها تهريب الأموال بين المدينتين, وعصمت يعيش أغلب وقته فى كباريه, من حوله عشيقته سمر التى أنجبت له ابنه لا يعترف بها, وينسبها إلى أحد رجاله. وعصمت كاظم هذا رجل بلا مشاعر, سواء فى علاقاته العاطفية, أو علاقته بمن حوله, فهو يتجاهل مشاعر المطربة اليونانية لمياء التى تعمل أيضا فى الكازينو, لذا فإن لمياء تقرر الزواج من رجل ثرى, وعصمت مطيع, فهو يقتل ابراهيم شقيق لمياء لأنه خرج عن طوعه, تبلغ لمياء الشرطة وتطلب معرفة من هم قتلة أخيها.

رغم أن الفيلم يدور فى مكان مغلق, هو الكباريه, فإن الأحداث تبدو مثيرة, خاصة عندما ينتحل ضابط شرطة شخصية الأخ الأصغر للمغنية لمياء.. المسمى أكرم, وما أن يدخل الضابط إلى وكر العصابة يدور صراع حاد بين الأذكياء, ويبدو عصمت بارعا فى كشف خصومه, والإفلات ممن يطاردونه, والتخفى بشكل جيد, وارتداء ملابس رجل آخر وهو ذاهب لملاقاة الرجل الأول.. كما أنه لا يتورع عن كسر ساق أحد معاونيه, من أجل عمل جبيرة يتم اخفاء المال تحتها, ولا يكاد يهتز جفن لعصمت عندما تبلغه سمر ان ابنتهما قد ماتت..

فى أفلامه التالية, أدى رشدى أباظة دور الشرير الذى لا يلبث أن يتغير إلى الأفضل, وإذا كان قد ظهر فى دور الوسيم الأنيق فى الرجل الثانى, فإنه شخص مختلف تماما فى “ملاك وشيطان” لكمال الشيخ عام 1960, قد قام بعمل فارقا فى رأسه من المنتصف, وبدا أجش الصوت, قاس الملامح, وعزت هذا يضع أسورة من النحاس فى يده, وقد وجد نفسه حارسا على طفلة صغيرة, أتت بها عصابةللإقامة فى منزله, حتى يدفع أبوها, الجواهرجى فديتها, وعزت يعيش مع راقصة هى خيرية, يبدو بالغ القسوة, كل هدفه هو الحفاظ على الصغيرة من أجل أن يأخذ نصيبه من زعيم العصابة المعلم شحات.

وعزت هذا لا منفذ عليه, فيتعامل بحدة ملحوظة مع الطفلة, ولا يتورع أن ينفذ عدة محاولات لقتلها, مثل وضع السم فى اللبن الذى سوف تشربه, لكن الطفلة تبدو محظوظة حيث تقدم اللبن إلى القطة فتموت, وفى البداية فإن عزت لا يستجيب إلى رقة الطفلة, التى تحدثه بلغة لم يعهدها, وهو يجن جنونه حين تهرب الفتاة من المنزل, ويتعامل معها بعجرفة شديدة, ثم يبدأ فى التعاطف معها, لكن المال أهم من العاطفة, فبعد أن يوافق الأب على دفع الفدية, يأخذ عزت الطفلة إلى حقل ألغام كى تموت.. لكنه بدا وكأنه قد تغير, حيث تلعب كل من خيرية, والطفلة دورا فى هذا المضمار, ويحاول انقاذها واعادتها إلى أهلها, ويصير شخصا آخر تطارده عصابة الشحات, حتى يفارق الحياة أمام قصر الجواهرجى, برصاص العصابة, بعد أن اطمأن أن الصغيرة وصلت إلى أهلها سالمة.

نفس المشاعر, مر بها عبد الحميد فى فيلم “فى بيتنا رجل” لبركات عام 1961, فهو الطالب الفاشل, الذى لم ينل أى شهادة, ويود أن يتزوج من ابنة عمه, وعندما يكتشف أن أسرة العم, تأوى لديها شخصا مطلوبا من الشرطة, يبدأ فى مساومة الأسرة على الإسراع بتزويجه من ابنة العم, ويتصرف عبد الحميد كوغد إزاء الجميع, ويهدد دوما أنه قادر على إبلاغ البوليس السياسى, بل أنه عند لحظة خلاف, يسر إلى إدارة البوليس السياسى كى يحصل على المكافأة المرصودة لمن يبلغ عن القاتل الهارب ابراهيم حمدى. وفى مكتب رئيس المباحث, يبدأ فىالاعتراف, لكنه يتوقف حين تدخل ابنة عمه, التى طاردته, كى تبلغه أنها طوع بنانه..

وعبد الحميد هنا يتغير تماما مثلما حدث مع عزت, حيث يتراجع عن موقفه, ويبدأ فى التعاطف مع أسرة عمه, ثم مع القضية الوطنية التى يمثلها ابراهيم حمدى, وهو فيما بعد يطارد من الشرطة. ويتم القبض عليه, ويعذبونه, ويصبح واحدا من الفدائيين.

وقد عاد رشدى أباظة إلى أدوار الشر مرة أخرى فى فيلم “الطريق” لحسام الدين مصطفى عام 1964, فهو صابر الابن الذى تبلغه أمه, العاهرة سابقا, أن أباه موجود وأن عليه أن يبحث عنه, ويأتى إلى القاهرة ويتوه فيها, رجل وحيد, بدون جذور, يحاول أن يجد له جذرا واحدا, ويتحمل الإهانات, والضياع, إلى أن يقع فى غرام زوجة صاحب الفندق الصغير الذى يقيم فيه, فيصبح خائنا, ثم قاتلا, وهاربا من الشرطة, ويصير مآله إلى المشنقة.

كافة الظروف التى تحيط به تقوده إلى الجريمة, هو مادى, غير مؤمن, واقعبين امرأتين, الأولى تعمل فى الصحافة, وتمثل الايمان, هى إلهام, أما كريمة, فهى الشهوة, والضياع, وهى التى تدفعه إلى أن يتخلص من زوجها, كى يصير لها وحدها, وهو يستخدم آلة حادة لتحطيم رأس الرجل بدلا من أى وسيلة أخرى أقل عنفا.

كانت هذه الأدوار بمثابة استثناء فى حياة الفنان الذى قام بتوزيع أدواره, وبالنظر إلى خريطة أفلامه الأخرى, سنجد أن دور الشرير قد صار أقل, أو فلنقل أنه تغير, ففى فيلم “العيب” لجلال الشرقاوى عام 1967, على سبيل المثال, براه يقوم بدور محمد, الموظف المرتشى, الذى يضع قوانينه لمن يتعاملون مع المصلحة الحكومية التى يعمل بها.

فهو واحد من مجموعة موظفين يقومون بتزوير أذونات الاستيراد لحساب أحد رجال الأعمال, وفى مقابل هذا فهم يتقاضون منه رشوة دائمة, وعندما يتم تعيين ثلاث فتيات من حديثى التخرج بالعمل فى المصلحة, يكون من حظ إحداهن العمل فى المكتب الذى يحرر الأذونات المزورة, يحاول الموظفون, وعلى رأسهم محمد أن يضموا الفتاة إلى صفهم, لكن محاولتهم تفشل رغم حاجتها إلى المزيد من المال من أجل علاج امها, ومن أجل أن يجعلها تنصاع, فإنه يتقدم لخطبتها لكنها ترفض.

شخصية محمد هنا, يحدث لها التحول, من السىء إلى الأفضل, فلا يلبث أن يتغير, ويتوقف عن قبول الرشوة من أجل أن يتزوج من حبيبته.

ومع مرور السنوات, راح أباظة يقوم بأدوار شر مختلفة, فهو الطيب الذى يضاجع احدى مريضاته فى فيلم “السراب” لأنور الشناوى عام 1970. وهو جاسر الذى يخون ابن عمه مع زوجته فى فيلم “امرأة ورجل” لحسام الدين مصطفى, وهو الرجل الذى يدفع بدولت إلى أن تغوى هدى كى توافق على أن تنام فى فراشه فى غيلم “العاطفة والجسد” اخراج حسن رمزى عام 1972. تعيش هدى فى بيت مشبوه, مع دولت بعد أن عرفت أن حبيبها أحمد قد مات فى طائرة احترقت, فأصابها اليأس, أما الرجل الذى يبغيها, فإنه يفعل كل ما بيده من أن ينالها, ويتم تخديرها واغتصابها.

أما الدور الأكثر شرا فى تلك السنوات, فهو بلا شك “شىء فى صدرى” لكمال الشيخ, فهو حسين باشا شاكر المتسلق إحدى قمم السلطة قبل الثورة, يتعاون مع رجال المستعمر, انه رجل يوغل صدره بالحقد والكراهية, وهو لن ينسى قط زميله الأسبق محمد أفندى السيد الذى لم يتمكن من أن يضعه تحت رايته, فهو رجل وطنى, شريف, ولا تكتمل لذة الباشا سوى بالسيطرة على محمد السيد, لكن هذا الأخير يموت, ويبقى شبحه النقى ماثلا أمام ذاكرة الباشا, الذى تستبد به شهوة السيطرة وحب التملك واغراءات السلطة, فيحاول إذلال الأهل من خلال أسرته, حتى يطفىء النار المشتعلة بداخله. فالزوجة والابنة وجارها الذى يحب ابنة محمد, يصبحون محور حياته.

ويقوم الباشا بدفع مدير مكتبه لإحضار الأم وابنتها للعيش فى منزله, ويبدأ فى إغواء الأم, ويغرر بها, حتى تسقط فى الرذيلة معه. ويحاول أن يفعل الأمر نفسه مع الأبنة, التى يجد فيها نموذج الأب محمد, ولا ينالها رغم أنه أبعد عنها خطيبها, يحاول الاعتداء عليها, لكنه لا ينجح, ويظل شبح خصمه القديم ماثلا أمامه, يملأه بالحقد والغيرة والوسوسة.

فى عام 1975, عاد رشدى أباظة مجدد إلى أدوار الشر فى فيلم “يوم الأحد الدامى” لنيازى مصطفى, المقتبس عن فيلم “ساعات اليأس” لوليام وايل, وهو هنا سجين هارب مع أخيه, وزميل ثالث, يدخلون فيلا الدكتور زكى للإقامة بها, حتى يتمكنوا من الهرب إلى مكان آمن, يبدو سلطان هنا, شخصا بالغ الشراسة والقوة, يتحكم فى حياة أخيه, وهو بالتالى يثير الرعب داخل المنزل, خاصة حين يحس أن الخطر يهدده, وسلطان هنا لا يمارس القسوة وحده, بل يستعين بالسجين الهارب الثالث جرش (أدى الدور على الشريف) كى يثير الخوف والفزع فى قلب الأسرة. فجرش هذا يجيد ممارسة طقوس الوحشية التى تلقاها فى السجن.

وسلطان القاسى هذا يموت على يدى أخيه الأصغر بعد أن عانى منه الكثير, حيث يصوب المسدس إلى ظهر أخيه, ويرديه قتيلا.

فى فيلمين متتاليين عام 1978, عاد رشدى أباظة إلى أدوار الشر, الأول فى “القاضى والجلاد” اخراج نادر جلال, فهو شريف الذى يقيم علاقة غير شرعية مع زوجة شريكه كمال, الذى يكتشف حقيقة الخيانة ويلقى مصرعه فى سيارته, أى أن الخيانة هنا أدت إلى مقتل رجل برىء, مما يضاعف الاحساس بالشر الذى يكمن فى داخل شريف, الذى يحاول أن يلقى شباكه على ليلى, ابنة كمال, فتبدأ الأم بالشعور بالغيرة من ابنتها, وتحاول الابنة ناهد أن تنتقم من أمها, وعشيقها حين توافق على خطبته لها مما يثير غيرة الأم, وتفلح الحيلة, وتواجه الفتاة أمها, وتصر على الزواج من شريف, تذهب الأم إلى شريف تستوضح موقفه من ابنتها, يركب سيارته معها ويلقيان مصرعهما محترقين داخل السيارة.

وفى فيلم “وراء الشمس” لمحمد راضى فى العام نفسه, يقوم بدور الجعفرى مدير السجن الحربى, الذى يتخذ قرارا سريا طبقا لأوامر عليا باغتيال أحد قادة حرب 1967, لتصميمه على ضرورة عقد محاكمة شعبية لمعرفة أسباب النكسة, بينما تعمل ابنته سهير فى مكتب رئيس الاستخبارات هاشم بك الذى يفلح فى تجنيدها للتجسس على طلبة الجامعة.

والجعفرى هنا رجل لا يعرف الرحمة, فهو يتفنن فى تعذيب المساجين, ويقوم بقتلهم, خاصة محمود, والد سهير, مما يدفع هذه الأخيرة لمحاولة الانتقام منه.. وقد صور الفيلم العديد من أساليب التعذيب التى تعيد للأذهان صورة بيجار فى فيلم “جميلة”, فهو رجل جامد الوجه, لا يعرف اللين, أجش الصوت, تبدو ملامحه دائما فى الظلام , ولا منفذ إلى التعاطف معه, ولا حل معه سوى الموت قتلا.

تؤكد هذه الأدوار أن أباظة الذى جسد شخصيات متنوعة, قد أتقن دور الشرير بحذاقته وموهبته, فأكسبها صدقا ومهابة ملحوظتين.

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.