الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

“التوكاتسو” …ملامح نظام التعليم في اليابان

0 76

كتب : د.كرم خليل سالم

>> التعليم على الطريقة اليابانية  يعطي الأولوية لرعاية حس الانضباط وروح التعاون وبناء الشخصية

>> تعتمد المدارس اليابانية في اليابان على نظام “التوكاتسو” القائم على الأخلاق قبل المعرفة ، وغرز قيم وحسن السلوك ، والانضباط ، والعمل الجماعى

>> من مواصفات النموذج الياباني تنشيط العمل الجماعي بين الأطفال ، واحترام الآخر ، وغرس ثقافة النظافة داخل المدرسة وخارجها

>> من الطريف أنه في المدارس اليابانية لا وجود لفكرة ” الكانتين”  كما هو في المدارس المصرية التي تبيع منتجات مضرة بالصحة

تزامناً  مع مرور 60 عاماً على توقيع أول بروتوكول تعاون ثقافي مشترك بين جمهورية مصر العربية ودولة اليابان عام 1957م ،كانت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدولة اليابان عام 2016م ، كأول زيارة لرئيس مصري إلى دولة اليابان منذ 16 عاماً.

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال زيارته لدولة اليابان اعتزازه بعلاقات الصداقة التاريخية التي تجمع البلدين. وقد أشاد خلال زيارته لمدرسة ابتدائية بطوكيو بالنموذج التعليمي الياباني وأظهر إعجابه الشديد بالتجربة اليابانية في التعليم الأساسي.

وفي ختام الزيارة وفي البيان الياباني المصري المشترك تم الإعلان عن وثيقة “الشراكة المصرية اليابانية للتعليم(EJEP)” بأن التعليم وتنمية الموارد البشرية هما الأساس لبناء الأمة ،وأنهما يشكلان المشروع الأكثر أهمية لبناء مجتمع سليم ومزدهر،وعليه أعرب الرئيس السيسي خلال البيان المشترك عن اهتمامه بأسلوب التعليم على الطريقة اليابانية الذي يعطي الأولوية لرعاية حس الانضباط وروح التعاون وبناء الشخصية .وأيضا أهمية تعزيز التعاون الشامل في مجال التعليم بمرحلة الطفولة المبكرة ومرحلة التعليم الأساسي والتعليم الفني والتعليم العالي.

واتفق الرئيسان السيسي وآبيه على تشكيل لجنة توجيهية تتألف من مسئولين رفيعي المستوى من كلتا الحكومتين كآلية لتنفيذ  وثيقة “الشراكة المصرية اليابانية للتعليم(EJEP)” . التي ترتكز على زيادة عدد الدارسين والمتدربين المصريين المبعوثين إلى اليابان ،وذلك بإرسال ما لا يقل  عن 2500 مصري  ومصرية من الطلاب والباحثين والمعلمين والمتدربين وغير ذلك خلال السنوات الخمس القادمة ، وترتكز أيضا هذه الشراكة على إدخال التعليم على الأسلوب اليابانى في مصر ، وذلك بإرسال الخبراء والمعلمين من اليابان إلى المدارس النموذجية المصرية اليابانية في مصر ، مع توفير الأجهزة والمعدات اللازمة وغير ذلك ، ومن ضمن بنود وثيقة الشراكة أيضا تعزيز قدرات المعلمين والموجهين المصريين وتحسين إدارة المدارس المصرية والأنشطة التعليمية داخلها ، وذلك من خلال شراكة مؤسسية بين البلدين ، تهدف إلى نقل النموذج الياباني التعليمي إلى منظومة التعليم المصري .

وتعتمد المدارس اليابانية في اليابان على نظام “التوكاتسو”، وتلك أبرز معلومات عنه:

ــ هو نظام يعتمد على مهارات الطالب من خلال التوسع في الأنشطة بدلا من المناهج وإلغاء الحفظ، واستبدله بالتفكير والإبداع.

ــ أنشطة تمكن التلاميذ من ممارسة العمل الجماعي، مع تحديد دور لكل طالب، مع تعاون كل طالب مع زملائه لإنهاء الأهداف المطلوبة.

ــ الهدف من تلك الأنشطة تعزيز العمل الجماعي، والقيم الإيجابية، والارتقاء بشخصية التلاميذ، وزيادة الولاء.

ــ يشارك الطلاب في وضع نظام لإدارة الفصل، ويتيح النظام لهم مهام وأنشطة تعزز ثقتهم بأنفسهم، مثل تخصيص مجموعة من الدروس لتعليم الطلبة غسل الأيدي وتنظيف الفصل والمدرسة، وتصميم التلاميذ للأنشطة بأنفسهم.

ــ يعقد الطلاب اجتماعا في أول اليوم الدراسي وآخره، علاوة على اجتماعات الفصل، ويضعون خطة عمل للاستمتاع بأوقاتهم في المدرسة.

ــ تخصيص حصص لأنشطة الفصل، والاستعانة بالأخصائية النفسية والاجتماعية.

ــ سعة كل فصل لا تزيد على 40 تلميذا، وينتهي اليوم الدراسي في الثالثة والنصف عصرا.

 

أي النموذج القائم على الأخلاق قبل المعرفة ، وغرز قيم وحسن السلوك ، والانضباط في العمل ، والعمل الجماعى ، والانتماء للمؤسسة التعليمية التابع لها ، والثقة بالنفس ، واحترام الآخر ، والنظافة العامة ، وهو أيضا النموذج القائم على التنمية المتوازنة  للحواس العلمية والاجتماعية والجسمانية في تنشئة الطفل ، بما يؤدي إلى تنشئة أجيال قادرة على النهوض بالأسرة والمجتمع والوطن .

وفور انطلاق وثيقة  الشراكة في مجال التعليم بدأت بالفعل الحكومة المصرية خطوات التنفيذ التي تتمثل في المرحلة الأولى بناء 28 مدرسة جديدة مصرية يابانية نموذجية موزعة على مختلف المحافظات المصرية ، بالمواصفات الإنشائية اليابانية ، ويتم فيها تطبيق النموذج الياباني التعليمي فيما يتعلق باليوم الدراسي الكامل على ألا توجد بها فترتان دراسيتان صباحية ومسائية ، وأيضا تطبيق الأنشطة الرياضية والفنية والاجتماعية والمسابقات العلمية من أجل خلق التوازن النفسي للطالب في الجوانب الاجتماعية والجسمانية والتعليمية ، مما يؤدي إلى تنشئة الطفل تنشئة  قادرة على النهوض بالمدرسة التي ينتمي إليها والأسرة التي يعيش فيها والوطن الذي ينتمي إليه، وأيضا من مواصفات النموذج الياباني التعليمي تنشيط العمل الجماعي بين الأطفال داخل المدرسة ، واحترام الآخر ، وأيضا غرز ثقافة النظافة داخل المدرسة وخارجها ، ففي المدارس اليابانية في اليابان يقوم الطلاب بالتناوب معا ،وفي مجموعات لتنظيف الفصول الدراسية ودورات المياه وفناء المدرسة دون اللجوء إلى عامل نظافة ، ومن سمات النموذج الياباني أيضا يقوم الطلاب بطهي الطعام بأنفسهم داخل مطبخ المدرسة ، وتقديمه للطلاب الآخرين بالتناوب ،هذا يؤكد لنا أهمية ثقافة العمل الجماعي والاعتماد على النفس .

وفي هذا الشأن أسرد تجربة طريفة حدثت لي أثناء عملي في اليابان كمستشار ثقافي بسفارة جمهورية مصر العربية،تلقيت دعوة لزيارة مدرسة ابتدائية في مدينة أوساكا ،التقيت بالتلاميذ والمعلمين والقائمين على الإدارة فيها، وألقيت محاضرة عن “تاريخ مصر الفرعوني والقبطي والإسلامي ” وتخلل المحاضرة أسئلة وتعليقات طريفة من تلاميذ المدرسة ، وفوجئت أثناء فترة الراحة في الساعة 12 ظهراً اصطحبني التلاميذ إلى قاعة الطعام المجاورة للمطبخ ،وقدموا لي وجبة طعام مصري تقليدية عبارة عن طبق ملوخية صنعوها بأنفسهم من أجلي وقالوا لي ” أكيد وحشك الأكل المصري وانت عايش في اليابان” سألتهم ” كيف طهيتم طبق الملوخية ؟” قالوا لي ” عرفنا عن طريق النت عن طريق موقع أكلات مصرية أن الطبق الرئيسي على المائدة المصرية هو طبق الملوخية”،طبعاً كانت مفاجأة غير متوقعة لي أن أتناول طبقا مصريا داخل مدرسة يابانية،قام التلاميذ بطهيه بأنفسهم تطبيقاً لمبدأ العمل الجماعي داخل المدرسة،ومعرفة ثقافة الآخر،وإسعاد الآخر وبناء مجتمع سليم .

وهناك سمة أخرى من سمات المدارس اليابانية في اليابان وهى ثقافة الاعتماد على النفس فالتلاميذ يقومون أيضا بإصلاح ما تعطل من مرافق داخل المدرسة سواء سباكة أو نجارة وغير ذلك دون اللجوء إلى الفني المختص .

ومن الطريف أيضاً أنه في المدارس اليابانية لا وجود لفكرة كشك الكانتين داخل المدرسة كما هو في المدارس المصرية التي تبيع منتجات البطاطس الشيبسى وغيرها من المنتجات المضرة بالصحة ، ومنتجات الحلويات التي تصنع من المواد الملونة الكيماوية المسرطنة والتى تضر بصحة الطفل ، وعليه يصاب الأطفال بأمراض سرطانية وبعدها ندفع ثمن هذه الأخطاء ، ونناشد في وسائل الإعلام المقروءة والسمعية والمرئية بإنشاء مستشفيات لعلاج  سرطان الطفل .

وفي إطار تطبيق مشروع المدارس المصرية اليابانية النموذجية  ،هناك بعض التساؤلات أحب أن أطرحها في نهاية هذا المقال .

  • هل الطالب المصري في التعليم الأساسي على استعداد لتقبل الضوابط الصارمة المتبعة داخل المدارس اليابانية في اليابان؟
  • هل الطالب المصري في التعليم الأساسي على استعداد لتقبل تنظيف الفصل الدراسي بشكل جماعي مع زملائه ؟ أي ثقافة إنكار الذات في سبيل تحقيق المصلحة العامة !
  • هل الطالب المصري في التعليم الأساسي على استعداد لتقبل تنظيف دورات المياه بشكل جماعي مع زملائه وعدم التذمر؟
  • هل الطالب المصري في التعليم الأساسي على استعداد لتقبل تنظيف حوش المدرسة بشكل جماعي مع زملائه دون اللجوء إلى عامل النظافة ؟
  • هل الطالب المصري في التعليم الأساسي على استعداد لتقبل خلع حذائه ووضعه في صندوق الجزامة وارتداء حذاء رياضي يتحرك به داخل حرم المدرسة بشكل جماعي مع زملائه ؟
  • هل الطالب المصري في التعليم الأساسي على استعداد لتقبل طهي الطعام في مطبخ المدرسة بشكل جماعي مع زملائه ،ويقدمه لزملائه وأساتذته؟
  • علاوة على ذلك هل تتقبل أسرة الطالب المصري كل هذه الشروط الصارمة وتوافق على أن يتبعها داخل المدارس المصرية اليابانية النموذجية ؟

وفي الختام أحب أن أقول إن التعليم  داخل المدارس اليابانية في اليابان ليس فقط مدرسا يدخل للفصل ويلقن الطلاب محتويات المنهج ،التعليم داخل المدارس تفاعل الأستاذ مع الطالب من خلال أنشطة مدرسية رياضية فنية ومسابقات تُمارس داخل المدرسة ، زيارات ميدانية كثيرة خارج سور المدرسة في الحي الذي تقطن فيه المدرسة لتعريف الطالب بمكتب بريد الحي وهيكله التنظيمي ،ومركز إطفاء الحريق الخاص بالحي ومعرفة هيكله وكيف يُدار،ومستشفى الحي لمعرفة هيكلها التنظيمي ، وزيارات إلى مجلس الحي لتعريف الطالب بالخدمات التي يقدمها مجلس الحي للجمهور من شهادات رسمية مثل ميلاد ووفاة وكيفية استخراج جواز سفر، زيارات ميدانية لإدارة مرور الحي ومعرفة هيكلها التنظيمي ،زيارات ميدانية أخرى للسفارات التي تقطن في نفس الحي ،وعمل زيارات أخرى لأحد مراكز التسوق داخل الحي لمعرفة كيف تتم عملية البيع للجمهور أي أن الطلاب في اليابان خلال التعليم الأساسي يتلقون محاضرات تعريفية عن المؤسسات المجتمعية داخل الحي ،ويساعده ذلك كله على الانسجام مع المجتمع المحيط به .

وعليه نأمل أن يُطبق النموذج التعليمي الياباني في منظومة التعليم الأساسي المصري بمشروع المدارس المصرية اليابانية النموذجية، وليس فقط في المواصفات الإنشائية للمباني الملموسة ، ولكن أيضاً في المعايير والمواصفات السلوكية مثل غرس قيم الأخلاق قبل المعرفة ،وقيم حسن السلوك والانضباط داخل المدرسة، وثقافة العمل الجماعي مع الآخرين والشعور بالانتماء للمدرسة ، وثقافة احترام الآخر، واكتساب الثقة بالنفس، وهذا يساعد على خلق التوازن النفسي للطالب مما يؤدي إلى تنشئة الطالب في مرحلة التعليم الأساسي تنشئة قادرة على النهوض بالمدرسة التي ينتمي إليها ، والأسرة التي ينتمي إليها ،وللوطن الذي ينتمي إليه . مما يؤدي إلى تنشئة أجيال قادرة على النهوض بالمجتمع والوطن.

ففي ختام زيارة الرئيس السيسي لليابان أعلن رئيس الوزراء الياباني آبيه عن تقديم الدعم في مجالات التعليم الأساسي والتعليم الفني من خلال طرق مختلفة ، بما في ذلك إيفاد الخبراء اليابانيين وتنفيذ التدريب للمعلمين المصريين ، وأعلن أيضا الرئيس السيسي عن عزمه على توسيع ونشر أسلوب التعليم الياباني في المدارس المصرية اليابانية النموذجية.

ومن هنا عاد الرئيس السيسي من اليابان حاملاً إعجاباً شخصياً وتقديراً عميقاً للتجربة اليابانية  والنموذج الياباني في التنشئة والتربية بمرحلة الطفولة المبكرة والتعليم الأساسي والتعليم الفني في تحقيق النهضة الشاملة للبلاد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المستشار الثقافي الأسبق بسفارة مصر  بطوكيو

أستاذ بقسم اللغة اليابانية- جامعة القاهرة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.