الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

مدخل إلى الدراسة النفسية للأدب… العهد القديم حتى السريالية

0 100

شكل الإنسان وما ينتج عنه من نتاج أدبى، اتجاها رئيسيا لدراسة وتحليل النصوص الأدبية ونقدها، إذ خرج المنهج النفسى متخذا من الذات الإنسانية فى الأدب والعوامل المحيطة موضعا للدراسة والتحليل، على أساس أنه يشبه علم النفس، حتى وإن تناول علم النفس الظواهرالعامة للذات الإنسانية، فإن الأدب تناول الذات التى تميز كل فرد عن الآخر.
ومن هذا المنطلق خرج علينا د. شاكر عبد الحميد بمؤلفه الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، تحت عنوان”مدخل إلى الدراسة النفسية للأدب نظريات وتطبيقات” والذى تطرق إلى العلاقة المتداخلة بين علم النفس والأدب، وإسهامات علم النفس فى ميدان الأدب، والمراحل الأربعة التى مر بها التحليل النفسى من حيث اهتمامه بالأدب، والتى تجلت فى مؤلفات فرويد ويونج وساخس، وجونز، وفورم وغيرهم.
وتناول الكتاب أيضا مرحلة المزاوجة بين أفكار التحليل النفسى التقليدية، ومناهج البحث الحديثة، التى تعرف بـ “المنحنى الإكلينيكى” الموضوعى وأشهر روادها هم: سيزر، وماكورديو مارتنديل، ولم يغفل أيضا الحديث عن المرحلة المتأخرة للتحليل شبه النقدى، وأشهر روادها موريس تشارنى، وجوزيف ويستنلد، وجان هنلى، وكذلك مرحلة الغرابة وما بعد الغرابة.
واستند فى الكتاب إلى رأى محمد خلف الله أحمد الذى اعتبرعام 1914 تاريخًا لميلاد فكرة الاهتمام العلمى بالبعد النفسى فى الأدب، وهو العام الذى حصل فيه طه حسين على الدكتوراه فى الأدب عن أبى العلاء المعرى، وهى الرسالة التى بينت اهتمامه الملحوظ بالجانب النفسى، لكن دراساته عموما كشفت عن اهتمامه الكبير بالبعد النفسى فى الأدب، مثل دراسته عن”بشار” و “أبى تمام” و”ابن الرومي” و”حديث الأربعاء”، وكذلك أيضا فى مؤلفاته مثل: “حافظ وشوقى” و”مع المتنبي”.
أحلام فرويد
وبشكل عام يمكن القول إن المنهج النفسى منذ نشأته ارتبط بالدراسات التى أجراها الطبيب النفسى سيجموند فرويد، الذى وثق العلاقة بين الدراسات النفسية للأدب وبين النص الأدبى من خلال اللاوعى أو “اللاشعور” إذ يرى أن الإبداع الأدبى يكون نتيجة تحقيق الرغبات المكبوتة فى الخيال “الأحلام” التى أحبطها الواقع أو المثبطات الأخلاقية، لأن الفنان المبدع، وكذلك الأديب هو فى الواقع إنسان محبط يريد الثروة والقوة والشرف، وحب النساء، لكن تنقصه الوسائل لتحقيق هذه الإشباعات، فمن ثم يلجأ الأديب إلى الإبداع الأدبى للتعبير عن رغباته.
وتطرق وزير الثقافة الأسبق فى فصل منفصل بعنوان “فرويد والأدب” إلى نظرية التحليل النفسى لسيجموند فرويد، والتى يربط من خلالها بين النص الأدبى، ومحتواه الشخصى من خلال تتبع حياة الأديب، وإيجاد العلاقة بين هذه الحياة فى أدق تفاصيلها وما يبدعه من أدب، ليستطيع من خلالها اكتشاف العقد الدفينة لدى الأديب والتى دفعته لإنتاج هذا الأدب، وقد طبق فرويد نظرياته فى التحليل النفسى على أسطورة أوديب، ومسرحيتى هاملت، والملك لير لشكسبير، ورواية الجريمة والعقاب لدستوفسكي، وغيرها من الأعمال الأدبية.
وهناك إسهامات عديدة فى هذا المجال قدمها: حامد عبدالقادر، والنويهى، والعقاد خصوصا فى دراستيه الشهيرتين عن “ابن الرومى” و”أبى نواس”، حيث أوضح فيهما تأثره الكبير بالكتابات التحليلية النفسية، التى تجلت أيضا لدى عز الدين إسماعيل فى كتابه “التفسيرالنفسى للأدب” والذى أكد فيه أن العلاقة بين الأدب وعلم النفس لاتحتاج إلى إثبات لأن النفس تصنع الأدب، وكذلك يصنع الأدب النفس.
اللاشعور الجمعى
وتحت عنوان “يونج والنقد النماذجى والأسطورى” تطرق شاكر عبد الحميد إلى اللاشعور الجمعى “Collective unconsciousness”عند كارل جوستاف يونج، إذ يرى أن هذا اللاشعور الإنسانى موروث وينتقل عبر الأجيال، وهو يمثل مجموعة التجارب الإنسانية التى انحدرت إلينا من الأجداد والآباء، فكما نرث عن الآباء والأجداد صفات بيولوجية، نرث عنهم صفات نفسية أيضا، والأديب هو القادر على عرض هذه الصفات فى أعماله الأدبية، أما الأشخاص العادية، يتجلى إليهم الأمرعن طريق الأحلام.
وتطرق أيضا الكاتب فى هذا الفصل إلى مساويات الشخصية الثلاثة وهى الأنا، والذات، والشخصية، كما عرض بالتفصيل المصطلحات التى استخدمها يونج لفهم الشخصية مثل: القناع، والظل، والأنيما والأنيموس، والنكوص والتقدم، والتفرد.
ومن الأمثلة الشهيرة فى هذا الاتجاه الدراسة التى قدمتها “نبيلة إبراهيم” فى تفسير الأدب الشعبى والتى استندت فيها إلى مفاهيم يونج عن اللاشعورالجمعى، وكذلك دراسة عبد المجيد حسن عن الأدب العربى القديم التى عرضها فى كتابه “الأصول الفنية للأدب”، وكتاب مصطفى ناصف “رمزالطفل: دراسة فى أدب المازنى”، وكتاب محمد زكى العشماوى “قضايا النقد الأدبى والبلاغة”، وكتاب “التيارات المعاصرة فى النقد الأدبى “لبدوى طبانة، وكتاب إبراهيم سلامة “تيارات أدبية بين الشرق والغرب” وكتاب أحمد الشايب “أصول النقد الأدبى”، ودراسة “الموهبة الشعرية ووظيفة الشعرعند شوقى” لمحمد خلف الله أحمد.
المنحنى الموضوعى
وفى فصل جديد تطرق الكاتب إلى مصطلح المنحنى الموضوعى وهو منحنى يعتمد على إجراءات واضحة محددة لدراسة الأدب، ويقدم بيانات عيانية وقابلة للتحديد، حيث يتبنى حقائق ووسائل مناسبة يمكن الوصول إليها، وتحت عنوان “المنحنى الموضوعى فى الدراسة النفسية للأدب” يوضح كيفية التعامل مع الأدب من خلال مداخل عدة: إما من خلال محتوى النصوص الأدبية، وما تشتمل عليه من دوافع لدى الشخصيات فى الرواية، والانفعالات والصور فى الشعر، والقيم فى القصة القصيرة، وإما من خلال شخصيات المؤلفين كالاهتمام مثلا بمصادر الإبداع لديهم، وتأثيرات مرحلة الطفولة على إبداعاتهم وأيضا الفروق بين كاتب الرواية وكاتب المسرح والشاعر.
الأحلام والخيالات
وتطرق المؤلف فى الفصل الرابع إلى الأحلام والخيال فى الأدب موضحا أن الأحلام لا تتعلق فقط بتلك الحالة الجسمية الخاصة بالنوم، لكنها تتعلق أكثر بالبعد الرمزى من الخبرات الإنسانية، لذلك فقد تحدث الأحلام خلال النوم وأثناء اليقظة، حيث يوجد الجانب الرمزى التخييلى والتهويمى من حياتنا، أو فى حالة الخدار التى بين اليقظة والنوم، إذ يعتبر الحلم فى هذه الحالات خاصية أساسية تتعلق بطبيعة النفس البشرية.
وفى هذا الفصل أشار إلى اللاشعور الفردى عند فرويد والخبرات الإنسانية التى تتجلى فى الحلم ومسألة الأحلام التى سبقت فرويد بمئات السنين، إذ أن “العهد القديم”ملىء بالأحلام وتفسيراتها، وكذلك مؤلفات أرسطو تطرقت لطبيعة النوم والأحلام، وأرتيمدوروس كتب مؤلفات حول النوم والأحلام، ومستويات الوعى واللاوعى خلال الاحلام واليقظة، تجلت مسألة الأحلام لدى الفيلسوف الشهير أمبروزياس ثيوديسوس فى مؤلفه “تعليق حول حلم سكيبيو”.
وقد أعطى الكاتب لهذا الفصل حقه فى البحث إذ ذهب لمسألة الأحلام والخيال عند الرومانتيكيين عامة، وعند الشاعر الشهير كولريدج على وجه الخصوص الذى كتب مؤلفات عدة عن الحالات الجسمية والنفسية الخاصة بالحلم والمرض، والخيال، فضلا عن أنه كشف الخصائص المتعلقة بالحلم والحالات المرضية للعقل، ومستويات الخيال.
وفى الفصول الأخيرة من الكتاب عقد شاكر عبد الحميد مقارنة صريحة بين مفهوم الحلم عند يونج وفرويد، وتطرق أيضا إلى مفاهيم أخرى كالسريالية ونشأتها وأهم روادها، وعرض بالتفصيل الجوانب الأربعة الأساسية فى الدراسة النفسية للأدب فى كل فصل على حدة وهى الشخص المبدعPerson””، العملية الإبداعية “Process”، والناتج الإبداعى Product””، والمكانplace””..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.