الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

أقدم مكتبة فى مصر* مكتبة دير طور سيناء ونفائسها

0 46

على ذكر ما جاء فى هلال فبراير عن مكتبة الفاتيكان وسعى قداسة البابا لتنظيمها”

إذا كان عمر مكتبة الفاتيكان نحو 16 جيلاً ففى مصر مكتبة أخرى يقل عمرها قليلاً عن هذا القدر – تلك هى مكتبة دير طور سينا الذى أنشأه الإمبراطور يوستنيانوس سنة 541م على الطراز البيزنطى.. وفى هذه المكتبة نفائس أثرية عظيمة القيمة من مخطوطات نادرة الوجود “يونانية وعربية وقبطية وحبشية وسريانية” وفرمانات تركية ثمينة إلى غير ذلك.

وقد حالت وعورة الطريق دون الإقبال على زيارة الدير ومكتبته حتى إن أعضاء المؤتمر الجغرافى المنعقد فى القاهرة سنة 1925م امتنعوا عن تلك الزيارة برغم رغبة الكثيرين منهم فى ذلك.. ومن ثم تنبهت الأذهان إلى وجوب إصلاح الطريق من الشاطئ بالسويس إلى الطور فأصبح السفر بالسيارة ميسوراً فى ست ساعات بدل بضعة أيام.. وقد زار الدير ومكتبته عدة أمراء وعظماء وعلماء نذكر منهم صاحب السمو السلطانى الأمير كمال الدين حسين والأميرة عقيلته ودولة زيور باشا وسعادة أحمد شفيق باشا مدير مصلحة الحدود واللورد اللنبى وغيرهم.

وكان فى نية المطران السابق يورفيريوس الثانى إحضار بعض المخطوطات من مكتبة الدير وإيداعها مكتبة أنشأها بتوكيل الدير بالقاهرة بميدان الظاهر فلم يرض الرهبان خشية انصراف الزائرين عن الصعود للدير ولكن المطران أفلح فى جلب النسخ المكررة من المطبوعات القديمة مكتوبة باللغة اليونانية وأعدها للمطالعة واطلاع الجمهور.. ثم زار دار الكتب المصرية وقابل مديرها إذ ذاك أحمد لطفى بك السيد فرد له الزيارة ورأى مخطوطين هما صورتان من العهدة النبوية الشريفة التى قيل إنها منحت للنصارى وكان السلطان سليم الأول حين فتح مصر وعلم بأمرها أخذها وعوض الرهبان بدلاً منها مع منح نالوها من ذلك الحين.. ولما كانت هذه العهدة موضوع مجادلات فى صحتها وبطلانها طلب المطران من مدير الدار أن يكلف محل شهبال المصور “وهو الذى يصور للدار ما تطلبه من المخطوطات المحفوظة بمكاتب الأستانة” أن يأخذ صورة تلك العهدة الشريفة ولكن حالت موانع فى ذلك الحين.. ويحسن الرجوع إليها الآن حتى يبت فى أمرها ويقطع الشك باليقين وتلك خدمة للحقيقة والثقافة العلمية التى تبغيها مصر.

هنا يجب أن نشير إلى حادث يؤسف له حصل قبل الحرب العالمية الكبرى وكم للحرب من رزايا فى العروض والأموال والرجال والعلوم: كان الدكتور موريتس مدير دار الكتب المصرية كثير المشيان للدير وقد كلفته وزارة المعارف العمومية سنة 1901 م تقديم تقرير عن المخطوطات العربية المحفوظة بالمكتبة فقدمه وذكر أن أغلب ما فيها دينى بجانبه ما هو غير دينى ويهم التاريخ العام وخصوصاً تاريخ مصر.. ولما استقال من دار الكتب سنة 1911 م سعى للحصول على إذن من المطران السابق يخول له ولزميله دكتور شميدت من علماء برلين فى اليونانية والقبطية أن يصورا نوادر المخطوطات وسافرا فى مارس سنة 1914 م وأتما مهمتهما بنجاح تام وملأت ألواح زجاج الصور ما شحنا به ثلاثين صندوقاً.. ولكن النكبة العامة بالحرب العظمى التى اشتعلت بعد ذلك حرمت العلم والعلماء ثمارها لأن الصناديق أودعت عند قنصل ألمانيا فى السويس لغرض إرسالها إلى برلين وكان من مكنونات القدر أن تصور رجال السلطة أن فيها مهربات حربية فأعدمت وهكذا ضاعت نتائج بعثة علمية لو سلمت من الضياع لكانت نوراً ساطعاً.

 

وقام موريتس بعد أن أتم مهمته فى دير طور سيناء برحلة علمية أخرى فى شمال بلاد العرب وجنوبى سوريا وعمل تقريراً ضمنه نتيجة مباحثه العلمية.. وقد ذكر فى هذا التقرير أنه حصل على 300 صورة فوتوغرافية وصور منقولة بالطبع عن حجمها من شمال بلاد العرب وقد أخذها قبل حضوره لمصر واستحضر معه مؤلفات مهمة ساعدت على حل ألغاز المكتوبات فلما انتهت الرحلة العلمية التى نحن فى صددها أودعت مع الصناديق فكان نصيبها الضياع ولم يبق له إلا مفكرات.

وقام شميدت بعمل فهرس واف مصور للمخطوطات الشرقية خصوصاً العربية وهى التى كانت مس مرغريت دنلوب ومس جبسن قد عملتاه وطبع بلندن سنة 1894 م ولكنه كان فهرساً موجزاً يصح أن يسمى بياناً فقط لا يفيد فى أبحاث مستفيضة.. وأغلب المخطوطات دينى ويبلغ عددها 580 نمرة والمخطوط 578 فيها رسالتان فى طب العيون لعلى بن عيسى.

وبقى لدى شميدت دفتر فيه مفكرات منها يعلم أن هناك كتباً نافعة مثل فصول من التوراة كتبت منها نسختان بالعربية واليونانية فى القرن التاسع للميلاد سنة 867 – 255 هـ وهما من أقدم نسخ العهد القديم بالعربية وقد نسخت عنهما مخطوطات فى القرنين العاشر والحادى عشر، وهناك مخطوطات من عهد الخلفاء الفاطميين بمصر بين تقاليد وعهود وامتيازات مكتوبة على أوراق بردية متلاصقة مثل الفرمان المؤرخ 540هـ – 1145م وطوله عشرة أمتار فى عرض 41س وهو منقول عن العهدة النبوية.

ومن أقدم الفرمانات فرمان تاريخه 524هـ- 1130م منحه الفاطميون بامتيازات للرهبان وحمايتهم من أى اعتداء ومنه تسلسلت الفرمانات لغاية القرن التاسع عشر بحيث يمكن حصر جملتها إلى المائة منحت من سلاطين مصر “وأشهرها فرمان السلطان قايتباي” وآل عثمان وتكررت صورها على عهدهم تنبيهاً للعربان على وجوب المحافظة على الدير لانفراده فى الصحراء ولو أنه ليس من السهل قراءتها، وفى الحق أنه يهم إيراد نصوص هذه المستندات من الوجهة التاريخية ولتاريخ دير طور سيناء على الأخص فى القرون الوسطى.

كذلك توجد رقوق وأوراق مخطوطة عن المجامع المسكونية الأولى على الأخص وهذا ما يهم أصحاب الدين ورؤساء المسيحية بما سبب الانقسام وأوجد الشيع وكان من دواعى التحيز والتفريق مما يطول شرحه.. ومن هذه جميعاً أخذت صور فوتوغرافية متقنة تبلغ الخمسمائة من حجم 13 * 18س وروجع العمل بدقة.. فلو سلمت هذه المنقولات من الضياع لكانت من أنفع المستندات التاريخية الصادقة لدير له أثره الدينى فى حدود مصر الشرقية ويقصده الزائرون العديدون من سائر الشعوب ويكتبون أسماءهم فى سجلات محفوظة أو على جدران الدير تبركاً وتذكاراً.

أما فيما يختص بفهرس المخطوطات اليونانية فإن شميدت صور ما يزيد على الثمانية آلاف بالتصوير الشمسى غير ما خص التواريخ المسيحية مثل تفسير القديس مكاريوس لإنجيل لوقا وآثار إكليمندس الإسكندرى وأوريجانوس وابيفانيوس وأعمال الشهداء والطقوس الدينية وبينها نصوص القداسات وحقوق الكنيسة وواجبات الرهبان إلخ.

ولزيادة الفائدة نأتى على بيان للمخطوطات العربية الذى قام به المعلم هبة الله صروف حين زيارته للدير برفقة الارشمندريت انضونين الروسى سنة 1870 وإقامته فيه 48 يوماً واشتراكه مع انضونين فى فحص الكتب اليونانية المخطوطة على أنه لم يتم لهما فحص المخطوطات العربية كلها: 1 – 10 تعريب التوراة 11 – 18 نبوات 19 – 67 مزامير 68- 115 نسخ من الأناجيل الأربعة 116- 146 نسخ منها مقسمة إلى فصول 147 – 179 نسخ من الأناجيل مع رسائل أو للرسائل فقط 180 – 221 صلوات تتلى فى أوقات ومصطلح عليها اسم “سواعيات” 222 – 223 للقداس 224 – 257 كتب طقسية و258 – 263 “افحولوجيات” 264 – 267 “تيكونات” 268 – 387 كتب للآباء 388 – 393 كتب ناموس 394 – 426 سنكسارات أو “دوالب” 427 – 456 مجموع رسائل منوعة.. هذا ما سمح الوقت بفحصه ووضع برنامجه بالتفصيل أما ما لم يتم فحصه من المخطوطات فمجموعات عددها 9 رقوق من نمرة 457 – 465 وتراجم الآباء عددها 5 على رقوق من 514 – 518 و542- 573 منها 3 رقوق تشمل سير القديسين أو سنكسارى و574 – 578 مخطوطات طبية وكتاب فى المنطق 579 وكتب منوعة 580- 587 و588- 602 بقايا كتب نبوات وغيرها منها واحد على رق وهو الأول.. وهناك أيضاً مطبوعات قديمة منها توراتان باللاتينية والعربية ناقصتان فى جزأين يظهر أنهما من النسخة السبعينية و605 كتاب الهداية 606 تفسير المزامير و607 سواعى طبع الشوير و608 سواعى عربى ويونانى طبع بلاد الفلاخ وفى المكتبة أيضاً عشرة كتب مطبوعة منوعة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*توفيق اسكاروس

– إبريل 1928.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.