الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

أمة واحدة من كلمات الرئيس جمال عبدالناصر

0 39

العرب أمة واحدة

هذه حقيقة مؤكدة لا تنقصها دعوى مدع فى الشرق ولا فى الغرب، فالعربى فى مصر، أخو العربى فى نجد، وفى صنعاء، وفى بغداد، وفى دمشق.. أبونا واحد، وإن زعم من زعم أننا لآباء.

ووطننا واحد، وإن حاول الاستعمار بوسائله أن يجعله أوطانا وهدفنا فى الحياة واحد، وإن جهل باحث فى الشرق أو فى الغرب وعمى أو تعامى عن الحقيقة الواضحة.

على أن وحدتنا لو لم تكن وحدة جنس ولا وطن ولا هدف لكانت وحدة آلام.. فإن أخوة الشعور بالألم لتربطنا قلبا إلى قلب من شاطئ الخليج الفارسى إلى شاطئ الأطلسى، فما يكاد عربى يشكو ألما حتى يتداعى له سائر العرب من قريب ومن بعيد بالسهر والحمى..!

وإنى لأعجب كيف عشنا – نحن العرب – قرونا غافلين عن هذه الحقيقة الصريحة، فأتحنا للأجنبى الدخيل بيننا أن يغلب ويتسلط ويتوزع بلادنا مناطق نفوذ. ويجعلنا فى سوق السياسة تجارة، وفى أتون الحرب وقوداً.

أكان ذلك لأن طائفة من سادتنا وكبرائنا فى عهد مضى أغواهم الترف وخدرتهم النعمة ففسقوا وضلوا وركبوا إلى الباطل كل مركب، فحقت عليهم كلمة الله وحقت علينا، وأظلتنا فتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة!.

ولكنى لا أريد أن أعود إلى الماضى، فقد ذهب ذلك الماضى بما فيه فلا عودة له، وإنما نحن أبناء الساعة، والحقيقة واضحة صريحة أمام أعيننا، فماذا فعلنا وماذا نريد أن نفعل لنؤكد هذه الحقيقة الصريحة الواضحة ونحولها من شعور وعاطفة إلى جهد وعمل؟

إننا نستطيع بوسائل كثيرة أن نحقق وجودنا الإنسانى فى الجماعة البشرية العامة وأن نحدد مكاننا، بإرادتنا لا بإرادة غيرنا..

إننا نملك من أسباب القوة ما يحقق لنا السيادة الكاملة وقوة التوجيه للسياسة العالمية العامة.

إن بلادنا فى مكانها المتوسط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، لتقع بين دول العالم فى مثل مكان العاصمة من الدولة، فلماذا لا يكون لنا مثل مكانة العاصمة من قوة التوجيه لسائر بلاد الدولة الإنسانية العامة؟

وإن فى أرضنا وسمائنا وبحرنا وبرنا قوى ضخمة لم تزل أمم كثيرة فى الشرق وفى الغرب تلتمس الأسباب للظفر ببعضها فلا يتهيأ لها، فلماذا لا نحاول بما نملك من هذه القوى أن يكون لنا الرأى والتوجيه فى العالم، ليتحقق بنا الخير للإنسانية.

وإننا لنملك من قوة الروح ومن الإيمان بالله ومن الشعور بمعانى الأخوة الإنسانية بين البشر ما يمكن أن يصنع بنا فى العالم تاريخا إنسانيا جديداً مثل التاريخ الذى صنعه أسلافنا منذ ألف وثلاثمائة سنة، فلماذا لا نشرق على العالم مرة أخرى برسالة السلام والرحمة وناموس الأخوة والمساواة، لنمحو ما ران من ظلمات الباطل على عقول وقلوب لا تؤمن إلا بالمادة؟

وإن لنا قبلة نحج لها ونتوجه إليها فى صلواتنا وليس لغيرنا قبلة، وما الكعبة فى حقيقتها الروحية إلا رمز تأديبى يريد به الله أن يعلمنا نحن العرب أن الإنسانية لا تبلغ كمالها إلا حين تجتمع القلوب على هدف، وتتوحد جماعتها إلى قبلة، فلماذا لا تكون قبلتنا أن نجعل للإنسانية الضالة كعبة؟

لقد نزل علينا الوحى ذات يوم لنقود الإنسانية إلى مراشدها، فكانت حضارة الإسلام التى أنقذت العالم من ظلمات الضلال والجهل والفتنة، وآن وحياً جديداً لينبثق اليوم فى قلوبنا لنقود الإنسانية مرة أخرى إلى مراشدها، فما أحرى دعوتنا أن نبلغ اليوم مبلغها من القلوب والعقول وقد أشرف العالم على الانحلال، لننقذه من ظلمات الضلال والجهل والفتنة.

وإننا نرى كل يوم برهانا جديداً على إمكاننا وقدرتنا وطاقتنا المادية والمعنوية، وهذا السائل الأسود الذى ينبثق اليوم فى أرضنا فيشتعل نارا ونوراً وإنتاجا وحركة، ويجعل أفئدة من الناس تهوى إلينا وتسعى فى مرضاتنا وتلتمس أسباب الرزق بيننا ليقدم لنا برهانا جديداً على ما نستطيع أن نفعله ولو أننا استكملنا أسباب الإيمان بأنفسنا.

ولن تستكمل أسباب هذا الإيمان حتى نؤمن ابتداء بأننا أمة.. أمة واحدة.

1/1/1957م

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.