الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

أنا والهلال مجلة فتحت أمامي آفاق المعرفة

0 27

بقلم/ محمد بن سعود الحمد

منذ مطالع صباي نشأت والكتاب والمجلة والصحيفة رفقاء رحلتي المبكرة مع القراءة والاطلاع، وأتذكر أن من بين أغلى ذخائري ومقتنياتي النفيسة في تلك الفترة من حياتي كانت مجلة الهلال الغَرَّاء.

كان في مكتبتي الخاصة عدة مجلدات من مجلة الهلال القديمة، بجانب الأعداد الجديدة التي كنا نتخاطفها عندما تصل إلى الموزع في الرياض، وكنت كلما حصلت على عدد جديد أُسرع إلى البيت لأنفرد به؛ فأقلب صفحاته بشغف وأطالع موضوعاته المتنوعة الدسمة بشوق ولهفة ولذة لا تفوقها لذة عندي في الدنيا.

أما المجلدات القديمة فكم جلست أُقلِّب صفحاتها وأستعيد قراءتها وأعيش أجمل اللحظات مع مداعبات الدكاترة زكي مبارك وصرامة عباس العقاد وروعة ورصانة أحمد أمين ورقَّة طه حسين وخفة ظل المازني ورومانسية صالح جودت وجولات إبراهيم المصري بين روائع الأدب العالمي.. وخطرات أمير بقطر عن الحب والزواج والسعادة ولمسات طاهر الطناحي مع الأدب والتاريخ والشعر وطرائف الشعراء!

ولم يكن ذلك فحسب ما يشدّني إلى الهلال، بل كنت أُبحر مع ما تقدمه الهلال من معلومات فيَّاضة عن بعض مدن العالم العربي وإبراز معالمها وآثارها وضواحيها، ولا أنسى ما قدمته الهلال عن المملكة العربية السعودية ومؤسسها الملك عبد العزيز آل سعود، وجهوده لتوحيد المملكة تحت راية الدولة السعودية الواحدة، في عدة مواضع وفي سنوات متفرقة منذ وقت مبكر خاصة في ثلاثينيات القرن العشرين، وما حفلت به الهلال من موضوعات شيقة بأقلام كبار الأدباء والكُتَّاب المصريين عند زيارة العاهل السعودي لمصر عام 1946م وكلها تحية وإكبار للعلاقات الأخوية الراسخة بين المملكة العربية السعودية ومصر الشقيقة.

إن الهلال تاريخ متجدد، لمجلة عريقة راسخة بدأت مسيرتها قبل أكثر من قرن وربع من الزمان ومازالت تواصل مسيرتها على طريق الإبداع والإخاء والوئام العربي.

وما سافرتُ إلى بلد عربي إلا وجدت الهلال في معيَّة أصدقائي وأساتذتي من كبار الأدباء والباحثين العرب في المشرق والمغرب ودول الخليج العربية.

وعندما بدأت مشروعي البحثي ـ قبل عدة سنوات ـ لنشر التراث الأدبي والفكري المنسيّ لأعلام الأدب المعاصر على صفحات الصحف والمجلات القديمة قبل أن يطويه النسيان وجدت ذخيرة هائلة وكنوزًا ثمينة على صفحات الهلال للمبدعين الكبار: العقاد، وطه حسين، والمازني، وزكي مبارك، وأحمد أمين، وعبد الرحمن صدقي، وصالح جودت، فبادرت على الفور بجمع مقالات بعض هؤلاء الكبار التي لم يسبق جمعها في كتب مثل أحمد أمين، وزكي مبارك، والمازني، وعبد الرحمن صدقي والتي نشرت في الهلال منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى رحيلهم.

وكم قرأت واستمتعت بمقالات زكي مبارك في الهلال: تشريح عاطفة الحب، عندما يوافيني الموت، أنا نفسي عدوي، وغيرها من روائع قلمه الساحر وشطحاته الطريفة المحببة إلى النفس.

وكم قرأت واستمتعت باستطرادات إبراهيم عبد القادر المازني وذلك الاستخفاف الطريف بما يكتب وينشر، ومحاولة الانتقاص من قدر نفسه رغم علوّها ورغم قيمته الكبرى لكن هكذا هي طبيعة المازني الساخر. وكم قرأت واستمتعت أيضًا بصراحة الأديب الشاعر عبد الرحمن صدقي واعترافاته عن حياته الوجدانية وحكايته مع زوجته الإيطالية وحبها المفرط للقطط ورحلاته الأوربية ومشاهداته فيها، وغيرها من طرائفه ولطائفه وكم ارتشفت من معين مقالات أساتذتي الكبار أ.د. محمد رجب البيُّومي والمؤرخ الأدبي وديع فلسطين أساتذة البيان الجميل السهل الممتنع. إنني لو عددت ما جذبني في الهلال فلن توفيها الصفحات الطوال ولكن تحتاج لدراسات موسعة؛ ترصد وتحلل هذا التراث الأدبي الرائع للهلال.. المجلة الثقافية الأولى في العالم العربي بلا منازع!

وإذا تكلمت عن الهلال فلن أنسى وليدتيها الأثيرتين: كتاب الهلال الذي صدر منذ عام 1951م وروايات الهلال التي صدرت منذ عام 1949م لقد سعيت جاهدًا في دكاكين الوراقين وعلى سور الأزبكية الشهير لاقتناء الأعداد الناقصة من هذه الروائع، فاقتنيت ماجلان قاهر البحار وهارون الرشيد لأحمد أمين وجنكيز خان سفاح الشعوب وأشعب أمير الطفيليين لتوفيق الحكيم وكلها من إصدارات كتاب الهلال عام 1951 و 1952م.

كما اقتنيت إصدارات كتاب الهلال التي تناولت النواحي الإسلامية بموضوعية وعمق بأقلام كبار المفكرين وعلى رأسهم العقاد، ومنها عبقريات العقاد ومنها عبقرية محمد ﷺ وعبقرية الصديق، وعبقرية عمر، والإسلام دين الفطرة لعبد العزيز جاويش. كما تعلمت كثيرًا واستفدت من بعض الإصدارات المميزة مثل «علمتني الحياة» لنخبة من علماء الشرق والغرب الذي صدر في أكتوبر من عام 1953م وكتاب «هذا مذهبي» بأقلام أعلام الأدب والفكر والسياسة في الشرق والغرب والذي صدر عام 1955م.

أما روايات الهلال فقد عشت معها أحلى لحظات المتعة مع روايات تاريخ الإسلام لجرجي زيدان، مثل فتح الأندلس وشجرة الدر وعذراء قريش والحجاج بن يوسف الثقفي والأمين والمأمون، وسبح خيالي مع الأجواء التاريخية المثيرة التي استطاع جرجي زيدان أن يجسدها في رواياته التي جمعت بين التاريخ والخيال بقدرة فنية مدهشة.

ومهما عدَّدنا من إصدارات الهلال فلا يمكن أن نغفل عن القصص البوليسية (الشياطين الـ 13) للرائع محمود سالم التي كنَّا نلتهمها ونحتضنها لروعتها وجمالها.

ولا أنسى روايات الهلال التي قدمت لنا روائع القصص العالمي من الآداب الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأمريكية وغيرها، فقد أثارتني وأطربتني رواية رسول القيصر للكاتب الأمريكي جول فيرن، ورواية أنا كارنينا ليوتولستوي، ورواية الكونت دي مونت كريستو للكاتب الفرنسي اسكندر دوماس (الأب)، والأرض الطيبة لبيرل بك.

هكذا كانت روعة «الهلال» التي جمعت بين الشرق والغرب، والماضي العريق والحاضر الذي نعيشه وجعلتنا نعيش مع روائع الأدب الرفيع في الشرق والغرب ولم تنحدر إلى بعض الاتجاهات والموضوعات الفكرية السطحية، بل ظلت مستمسكة بأصالتها وجدّيتها وقدرتها على التواصل مع الآداب العالمية وتقديم الأدب العربي الأصيل بفضل نخبة من كبار الأدباء والمفكرين والمترجمين الذين يتمتعون بمصداقية لدى القارئ العربي، وحقًّا وصدقًا لقد فتحت «الهلال» أمامي آفاقًا واسعة للمعرفة الواسعة العميقة في آداب الشرق والغرب، وأثْرَتْ معارفي، وأفادتْ كثيرًا في تكويني الأدبي وفي ثقافتي وكان فضلها كبيرًا في أنني وجدت زادًا ثقافيًّا رائعًا وراقيًا على صفحاتها عبر السنين وتأثرت بها بالفعل في انتهاجها للفكر الوسطي ورفضها للغلوّ في الفكر والعقيدة والأدب، فكانت لي واحة غنَّاء للأدب والثقافة والمعرفة.

ويطيب لي أن أهدي للهلال الغراء تحياتي وامتناني في احتفاليتها بمرور 125 سنة من عمرها المديد بإذن الله عرفانًا للجميل، وتقديرًا لدورها المؤثر في تأصيل ثقافتنا العربية المستنيرة، والحفاظ على هويتنا العربية الراسخة، والتعبير عن روح الأمة العربية المتسمة بالاعتدال والتسامح والوسطية والانفتاح على الآخر، مع الاعتزاز بموروثاتنا وتراثنا، ونشر كل ما هو جيد وأصيل وباقٍ.أُجدِّد التحية والتقدير للهلال ورئيس تحريرها وكلِّ المسؤولين عن إدارة دار الهلال العريقة.(*[1]) أديب سعودي فائز بجائزة أمير الشعراء سنة 2002

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.