الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

أنا ومجلة الهلال

0 86

كتب: فايز فرح

الحب ألوان والعشق فنون، ليس الحب أو العشق للمرأة فقط بل هناك عشق الحياة بألوانها المختلفة، هناك عشق الفن وعشق العمل والنظام والوطن، وهناك أيضاً عشق الطعام، وينقسم هذا العشق إلى عشق الطعام الجسدى المعروف الذى يحتاجه الجسم يومياً، وعشق الطعام الروحى من صلاة وصوم وغناء وموسيقى وهناك عشق لطعام العقل الذى يحتاجه الإنسان يومياً كطعام الجسد، فكما يحتاج الجسد لثلاث وجبات غذائية يومية يحتاج العقل كذلك، وغذاء العقل هو المعرفة والثقافة عن طريق القراءة كمصدر رئيسى ويأتى بعد ذلك السماع والرؤية وتجارب الحياة.

تعلمت القراءة والكتابة فى كتاب الشيخ حسن فى عابدين، مثل كل أبناء جيلى، ثم دربنى والدى، إسكندر فرح، رحمه الله على القراءة اليومية، كان يجلس معى كل صباح ويطلب منى أن أقرأ له الصحيفة، فى البداية كانت المهمة صعبة أحاول أن أهرب منها لكن سرعان ما أحببت القراءة، والطريف أننى بعد ذلك كنت أحاول أن أهرب بالجريدة لأقرأها قبل والدى، كانت الأخبار والصور والكلمات تشدنى على الرغم من صغرى، أصبحت القراءة بالنسبة لى عادة يومية أهرول إليها وأقرأ الصحيفة ثم المجلة، وبعد ذلك أدمنت قراءة الكتب.

من المجلات التى تفتح عليها عقلى وارتبط بها وجدانى منذ طفولتى مجلة الهلال، كنت فى البداية أعتبرها كتابا فلا أمسكها لكن عندما قرأت كلمة مجلة اقتربت منها وتصفحتها وأنا مازلت صبيا فى العاشرة ونيف، ووجدت فيها معرفة وفيرة وموضوعات مفيدة لم أكن فى هذه السن المبكرة أستطيع أن أقرأ كل المجلة، ولا أن أفهم كل مافيها، وكنت أستعين بالفهم بوالدى وإخوتى.. فى المرحلة الثانوية كانت مجلة الهلال بالنسبة لى صديقاً عزيزاً وضيفاً شهرياً على أستقبله بالحب وأقرأ أكثر موضوعاتها وأشعر بعدها أن الفائدة عظيمة وأن عقلى يضيف معرفة جديدة إليه وينمو ويدفعنى إلى طلب المزيد من المعرفة والثقافة.

كان كتاب مجلة الهلال فى ذلك الوقت من الكتاب المرموقين والمعروفين، عباس محمود العقاد، الدكتور طه حسين، عبد القادر المازنى، الدكتور شبلى شميل، فكرى باشا أباظة، وسلامة موسى، دكتور زكى نجيب محمود، دكتور مصطفى محمود، وغيرهم، وكانت هناك معارك فكرية بين الكبار تدور رحاها فى مجلة الهلال نفسها، مثل قضية تحرير المرأة التى كان يقودها سلامة موسى ويتعصب لها، بعد زيارته لأوروبا ومعايشته للمرأة المتحررة هناك والمقيدة المقيمة فى البيت فى مصر، عاد سلامة موسى ليدافع عن حرية المرأة واستقلالها وقد دافع عن ذلك أمام بعد الأصوات التى تنادى بأن المرأة يجب ألا تتعلم وتلزم البيت فقط، مثل الدكتور يعقوب صروف وغيره، كان كتاب مجلة الهلال أساتذة حقيقيين لى استفدت منهم كثيراً، وحتى الذين اختلفت معهم أضافوا إلى تفكيرى بعداً جديداً وتفسيراً مقنعاً للأحداث.

عندما التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة ازداد اهتمامى بمجلة الهلال وصداقتى بها، وقراءتها بل التهامها كل شهر.

فى الجامعة كان تفكيرى قد تفتق وميولى الأدبية قد وضحت ورغبتى فى المعرفة والثقافة زادت لدرجة أننى شعرت كما كان سلامة موسى يقول: أريد أن آكل المعرفة أكلاً، كان كتاب الهلال يضيف بعداً جديداً مع مجلة الهلال، الكتاب يعالج موضوعاً متخصصاً أو يتحدث عن شخصية بعينها، والمجلة تعالج عدة موضوعات متباينة.

مجلة الهلال تشبع نهمى للثقافة بعامة فتعطينى شيئا من الفن بأنواعه التشكيلى والموسيقى والمسرح والسينما، ثم شيئا من العلم وأحدث الاكتشافات والمكتشفين وأثار التكنولوجيا فى الحياة، وحياة الشعوب وأهم مشاكلها وإنجازتها، وشيئا من أدب القصة والشعر وأدب المقال والتراجم الذاتية، ومعلومات دينية وأخلاقية ونفسية وهكذا تعطينى مجلة الهلال وجبة ثقافية دسمة من العلوم والفنون وعادات الشعوب المختلفة.

كنت أقرأ مع زملائى فى الجامعة مجلة الهلال ونحللها فى جلسات أخرى ونحاول أن نفهم كل ما جاء بها، وكان الجميع يقدر ما تقدمه المجلة من معرفة وثقافة، وما تلعبه من دور كبير فى هذا المجال، ولإيماننا بما تقدمه المجلة اتفقنا على محاولة شراء الأعداد القديمة التى لم نقرأها وقراءتها حتى تزيد الفائدة وفعلنا ذلك فعلا، غير أن النقاش والحوار بيننا فى هذه السن المبكرة للشباب لم يخل من اختلاف وتعارض فى الآراء، لكن الجميع كان يحترم الرأى والرأى الآخر وهكذا.

فى كلية الآداب جامعة القاهرة تعرفت على إحدى زميلاتى الآنسة منى الملاخ، كانت فتاة نشطة وعرفت أنها تتدرب على العمل الصحفى فى مجلة المصور بدار الهلال، كنا نتشارك معاً فى أنشطة الكلية وصارت صداقة بيننا، دعتنى منى إلى زيارتها فى دار الهلال، وزرتها فعلا وتكررت الزيارة وقدمتنى لزملائها فى العمل، تعرفت على كبار الكتاب والصحفيين فى ذلك الوقت ومنهم كتاب مجلة الهلال بالطبع الأساتذة: فكرى أباظة، أحمد بهاء الدين، مرسى الشافعى، رجاء النقاش، فوميل لبيب وكمال النجمى، حسن إمام عمر، سكينة السادات وزينب حسن، والشاعر الرقيق صالح جودت الذى أصبح صديقاً حميماً لى بالرغم من فارق السن وغيرهم.

تطورت علاقتى بالزميلة منى الملاخ وأصبحت زوجتى العزيزة بعد ذلك، وأثناء الخطوبة كانت تهدينى شهرياً مجلة وكتاب الهلال مع كتب أخرى لأنها كانت تعرف هواية القراءة عندى.

وارتبطت بذلك أكثر بدار الهلال ومجلة الهلال، وبعد أن التحقت بالإذاعة كنت أستضيف كتاب دار الهلال فى برامجى المختلفة مما ساعد فى تقوية علاقتى بهم وعمل صداقة معهم أعتز بها كثيراً، وظلت مجلة الهلال مصدراً رئيسياً للمعرفة والثقافة بل وتشرفت بأن أساهم فى الكتابة فيها مما أثلج صدرى لأنى تربيت ثقافياً فى رحابها ثم أصبحت من أحد كتابها، ورحب بى رؤساء تحرير مجلة الهلال الأساتذة: مصطفى نبيل ومحمد الشافعى وسعد القرش وعادل عبد الصمد، ومسك الختام رئيس التحرير الجديد الأستاذ خالد ناجح، أصغر رئيس تحرير سناً لأعرق مجلة ثقافية مصرية، وله فى اسمه صفة الخلود والنجاح الذى سيحقق للمجلة على يديه وتحت إشرافه بمساعدة فريق العمل النشط الأساتذة الأصدقاء: محمود الشيخ ومحمد السيد ومصطفى أبو عايد وأحمد الزغبى وغيرهم.

ومما يزيدنى سعادة وارتباطى بمجلتى المفضلة، مجلة الهلال، أن أرى وأقرأ اسم نجلى ناجى فرح على صفحات المجلة الغراء كأحد فريق مصورى دار الهلال.

تحية إجلال وإعزاز لمجلة الهلال فى عيدها ال25  بعد المائة وإلى الأمام، وأتمنى أن أراها فى يد كل مصرى قارئ يبحث عن المعرفة، فهى مجلة ثقافية رائدة تنشر نور المعرفة والتنوير العقلى الذى يبتعد عن الخرافات والخزعبلات والذى نحن فى أشد الحاجة إليه لنقضى على الفكر الأسود والإرهاب، فالثقافة هى سلاحنا الأول والمهم فى القضاء على الإرهاب والهمجية والجهل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.