الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

أوكسجين “الهلال”

0 57
  • كتب :رضوان أدم
  • في عشرينيات القرن الماضي عاشت القصة مخاض ظهورها على صفحات مجلة الهلال على يد المويلحى وجرجى زيدان وعائشة التيمورية إلى أن ظهرت أسماء مثل محمد ومحمود تيمور ويحيى حقى
  • فاز في عدد الهلال أغسطس 1948 الشاب محمد عبد الحليم عبد الله بالجائزة الأولى في القصة عن قصته ” ابن العمدة ” وكان المبلغ خمسين جنيها .. وهو واحد من الأدباء الذين لمعوا فيما بعد

 

  • عرَّفت المجلة الناس بتشيكوف وجوجول وبلزاك وجى دى موباسان وسومرست موم ومارك توين وبول روجيه وتورجنيف وغيرهم من كبار كتاب القصة فى العالم

 

  • قدم رجاء النقاش الشاعر اليافع محمود درويش ونشر له ديوانه “آخر الليل” وعرف العالم الروائي السوداني المغمور آنذاك الطيب صالح والشاعر سميح القاس
  • في عدد أغسطس 1969 قدمت الهلال أسماء جديدة تنشر لأول مرة كمحمد مستجاب وحرصت الهلال على تقديم نموذج لكتاب القصة العربية وهو السوري زكريا تامر

عزيزي رجاء النقاش. كنت وما زلت أخي الذي لم تلده أمي. منذ جئت إلى مصر، أخذت بيدي وأدخلتني إلى قلب القاهرة الإنساني والثقافي. كنت من قبل قد ساعدت جناحي على الطيران التدريجي، فعرفت قراءك عليّ وعلى زملائي القابعين خلف الأسوار. عمقت إحساسنا بأننا لم نعد معزولين عن محيطنا العربي. نحن مدينون لك لأنك لم تكف عن التبشير النبيل بالمواهب الشابة وعن تحديث الحساسية الشعرية والدفاع عن الجديد الابداعي في مناخ كان ممانعا للحداثة الشعرية، ومدينون لك لأنك ابن مصر البار وابن الثقافة العربية الذي لم تدفعه موجات النزعات الإقليمية الرائجة إلى الاعتذار عن عروبته الثقافية”.

عبارات دالة على قيمة غائبة، يجب أن يُحتفى بها في كل وقت: (التزام المثقف تجاه من يُبدعون ولا يعرفون أول الطريق). التناص السابق كتبه الشاعر الفلسطيني العظيم محمود درويش للناقد والكاتب الفذ رجاء النقاش. كانت آخر رسالة نُقلت إلى مسامع “النقاش” الذي حول مجلة الهلال إلى بُرج تنطلق منه أجنحة شعراء ومُبدعين شبان كان من الوارد أن يدوسهم النسيان.

اقتبس رجاء النقاش في مقدمة كتابه “أبو القاسم الشابى شاعر الحب والثورة” قبل نحو ستين عامًا كلمة للأديب الروسي تشيكوف تقول: “إن كان في وسعك أن تحب، ففى وسعك أن تفعل أى شىء”.

إذًا هي المحبة التي دفعت النقاش إلى الإيمان بالشاب محمود درويش الذي نشر له رجاء ديوان “آخر الليل”، واعتبره “صوت المقاومة الأول في الشعر العربي”، وكتب في مقال شهير نشرته مجلة المصور بعد أشهر من نكسة يونيو وكان شاعرنا وقتها معزولا في سجون الاحتلال الصهيوني”إن قصائد ديوان (عاشق من فلسطين) تضع محمود درويش في صف شعراء المقاومة المعروفين في العالم كله، ولكنني أستأذن القراء في أن أترك هذه المناقشة جانبا وأرجو أن أعود إليها في مقال قادم. أما اليوم فأنا أريد أن أطرح شيئا آخر للمناقشة، لماذا لا نستفيد من قصة محمود درويش في معركتنا الراهنة ضد العدوان الإسرائيلي؟. إنني أقترح بالتحديد: أن نقوم بمحاولة عالمية لإنقاذ محمود درويش من سجون إسرائيل. ولن تكون هذه

المحاولة مجرد ضجة مفتعلة، فهي تتصل بقضية عادلة لأنها قضية شاعر كبير يتعرض لاضطهاد بسبب أدبه وفنه ورأيه، وهي قضية عادلة من ناحية أخرى لأنها تتصل بالقضية الأساسية.. القضية الأم.. قضية فلسطين”.

لم يتوقف دور النقاش عند حدّ الدفاع عن درويش وشعره، بل كان يسعر دائمًا للتنقيب عن مبدعين جدد لا يعرفهم أحد، وهنا نذكر الشاعر سميح القاسم والروائي السوداني الطيب صالح الذي كتب له النقاش مقدمة روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” وقال عنه في مقال منشور عام – 1966 ” لم أكد أنتهي من قـراءة الرواية ، حتى تيقنت أنني – بلا أدنى مبالغة – أمام عبقرية جديدة في ميدان الرواية العربية. تولد كما يولد الفجر الجديد المشرق ، وكما تولد الشمس الإفريقية الصريحة الناصعة. فمن هو هذا الفنان الشاب ، وما هي روايته ؟ .. إنه كاتب سوداني لم أسمع عنه ولم أقرأ له شيئاً قبل هذه الرواية ، واسمه الطيب الصالح . أما روايته فاسمها ” موسم الهجرة إلى الشمال ” وكل ما عرفته عن هذا الفنان الشاب أنه تخرج في إحدى الجامعات الإنجليزية ، ولذلك فليس أمامنا إلا أن نواجه الرواية نفسها بدون أي مقدمة عن المؤلف ، فأثمن ما لدينا عن المؤلف هو الرواية “.

الحدّوتة من زمان. في خمسينيات القرن الماضي قدم الشاب رجاء النقاش (المحرر في مجلة الآداب اللبنانية) الشاعر المغمور أحمد عبد المعطي حجازي، وكتب مقدمة ديوانه “مدينة بلا قلب”، وهنا يقول حجازي (في حوار نشرته جريدة القاهرة في 2010) “كان رجاء النقاش إلي جانبي يرقبني ويرقب خطوي ويقوم معوجي وكان لملاحظاته الذكية ولرؤيته النقدية الثاقبة أكبر الأثر في بلورة قصائد هذا الديوان، ولعل هذا ما حدا بي أن أطلب منه كتابة مقدمة نقدية تمهد الطريق للديوان أمام القارئ. لن أتحدث عنه هنا لأنني لو تحدثت عنه سأستغرق الحوار كله لذا أكتفي بأن أقول إنه كان أول من استقبلني في القاهرة واعتبر نفسه دليلي في هذه المدينة الساحرة التي بدت وكأنها تناصبني العداء لسبب مجهول”.

كان للهلال دور في تقديم أعمال عدد كبير من آباء القصة والرواية منذ عشرينيات القرن الماضي. عاشت القصة مخاض ظهورها على يد المويلحى ومحمد عثمان جلال وجرجى زيدان وعائشة التيمورية وغيرهم إلى أن بدأ ظهور أعمال المدرسة الحديثة على صفحات كثير من دوريات هذا العصر، وعرف الأدب العربى القصة القصيرة والمترجمة والمعربة والمؤلفة، وظهرت أسماء كثيرة فى هذا الأدب مثل محمد ومحمود تيمور، وعيسى وشحاته عبيد لغزا القصة المصرية، ومحمود طاهر لاشين، وإبراهيم المصرى، وحسن محمود، ويحيى حقى، وحسين فوزى وغيرهم . كما عرف الناس تشيكوف وجوجول وبلزاك وجى دى موباسان وسومرست موم ومارك توين وبول روجيه وتورجنيف وغيرهم من كبار كتاب القصة فى العالم . واحتلت القصة مكانتها فى الهلال بجانب أبواب المجلة المختلفة . كما ظهر تلخيص الروايات العالمية على صفحات ” كتاب الشهر ” الذى كانت تحرره الكاتبة صوفى عبد الله والذى كان أحد الأبواب التى تجذب القراء، والذى أخذته كثير من الدوريات بعد ذلك عن مجلة الهلال .

كان للدكتور محمد حسين هيكل فضل الريادة فى فن الرواية وكان له أيضا فضل الريادة فى نشر أولى قصصه فى مجلة الهلال وهى قصة ” حكم الهوى ” التى نشرت فى عدد فبراير من عام 1926  ، بل هى أول قصة بمعناها الفنى الحديث تنشر على صفحات الهلال فى ذلك الوقت . كما كانت أولى قصص محمود تيمور التى نشرت فى الهلال هى قصة ” صابحة ” وكان ذلك فى عدد مارس 1928 . كذلك كانت أولى قصص رائد القصة الرومانسية فى مصر محمود كامل المحامى التى ظهرت فى الهلال هى قصة ” حبيبة ” ونشرت فى عدد ديسمبر عام 1930 . كذلك نشر محمود طاهر لاشين أولى قصصه فى الهلال فى عدد يناير عام 1933 وهى قصة ” تحت عجلة الحياة ” . ونشر يوسف السباعى أولى قصصه أيضا وهى قصة ” أريد الحياة ” فى عدد مايو 1948 ثم أعقبها فى نفس العام بقصص ” آه ” فى عدد أغسطس، و ” السقا مات ” فى عدد أكتوبر، كذلك نجد أن الهلال قد أفسح المجال لكثير من الكتاب الذين كانت القصة بالنسبة لهم هواية محببة بجانب هوايات التمثيل والسينما . فنجد أن الفنان المخرج زكى طليمات قد نشر إحدى قصصه فى عدد سبتمبر 1949 وهى قصة ” البطل “، وعلى صفحات الهلال عام 1954 نشر الفنان الساخر سليمان نجيب قصة ” زوجتى ” ونُشرت العديد من القصص للرائدة بنت الشاطئ وعباس علام وغيرهما من كتاب القصة الذين أصبحوا بعد ذلك من أعلام هذا الفن .

ومن الأعداد التى أفردتها المجلة لفن القصة القصيرة : عدد أغسطس 1948، وكتب افتتاحية هذا العدد الكاتب الكبير عباس محمود العقاد وكانت تحت عنوان ” قصة القصة ” . وقد لخص فيها العقاد القصة المصرية منذ أقدم العصور وفى هذا العدد نشرت قصص “زهر المرقص” لمحمود تيمور، “القميص الأسود” للدكتور محمد عوض محمد، “شهرزاد ” للدكتورة سهير القلماوى، “قلامة ظفر” لميخائيل نعيمة، “على شط النيل “لبنت الشاطئ، “صراع الروح والجسد” لعباس علام، و”حياتنا لها بقية ” لإبراهيم الوردانى.

كما نشر فى هذا العدد نتيجة مسابقة الأقصوصة التى كانت قد أقامتها المجلة تشجيعا للقصاصين على إظهار مواهبهم الفنية . وكانت لجنة التحكيم مكونة من عباس العقاد والدكتور طه حسين والسيدة أمينة السعيد والأستاذ محمود تيمور والسيدة بنت الشاطئ والدكتور أحمد زكى والأستاذ طاهر الطناحى . وقد فاز بالجائزة الأولى وقيمتها خمسون جنيها الأديب محمد عبد الحليم عبد الله الذى أصبح فيما بعد علما من أعلام القصة والرواية المصرية وذلك عن قصته ” ابن العمدة “، وفاز بالجائزة الثانية وقيمتها ثلاثون جنيها الأديب سليم اللوزى عن قصته ” البطل ” والذى أصبح فيما بعد رئيسا لتحرير مجلة الحوادث اللبنانية، وأحد أعلام الصحافة والأدب فى العالم العربى.

ومن الأعداد المهمة لكل من يهتم بفن القصة، ذلك العدد الذى ظهر فى يوليو 1949 ونُشرت فيه العديد من القصص المترجمة والعربية: قصة ” أصفر الناب ” لميخائيل نعيمة “، الدير المهجور ” للقصصى الفرنسى بول بورجيه، ” أنقذنى الكلب ” للكاتب الأمريكى الساخر مارك توين، ” عقد اللؤلؤ الوردى ” وهى قصة هندية لم يذكر اسم مؤلفها، ” المطلقة ” للدكتور أحمد زكى، كما نشرت فى هذا العدد من أعمال الشاعر على الجارم القصصية وهى قصة ” الفارس الملثم ” وكان قد أعدها خصيصا للهلال، ولكن المنية وافته قبل نشرها . .

في عدد أغسطس 1969 قدمت الهلال أسماء جديدة تنشر لأول مرة مثل : محمد مستجاب، وبعضهم ينشر للمرة الأولى فى مجلة ثقافية مثل حسنى عبد الفضيل وجمال عبد المقصود، كما حرصت أيضا على أن يتضمن العدد بعض قصص كبار الكتّاب المعروفين مثل محمد عبد الحليم عبد الله، ومحمود البدوى، ومحمد أبو المعاطى أبو النجا وهو شاب جديد فى ذلك الوقت، ولكنه قديم فى عمره الأدبى، حيث إنه يكتب القصة القصيرة منذ أكثر من خمسة عشر عاما. وحرصت الهلال على تقديم نموذج من ألمع النماذج لكتاب القصة العربية وهو زكريا تامر من سوريا.

في سنوات التشظي التي شهدها المجتمع المصري وثقافته ومثقفوه، منذ منتصف سبعينيات السادات مرورا بعصر مبارك، وحتى كتابة هذه السطور، تراجع دور الدوريات الثقافية ومنها مجلة الهلال عن تفريخ وتقديم المبدعين، ونشأ مناخ فاسد في الوسط الثقافي ينتصر لفكر الشلة الذي وصل سرطانه بالتساوي إلى المؤسسات الثقافية الرسمية والمؤسسات الخاصة، ما يطرح على “الهلال” تحديا صعبًا وسؤالا بسيطا: هل تعودين أوكسجينا للمبدعين كما كنتِ؟. ولم لا، ليست إجابة وافية لأن الإجابة الحقيقية في عهدة الرغبة والأيام.

——————————————————————————-

مصادر  اعتمد عليها المقال :

  • قراءة ببليوجرافية في الأعداد الخاصة بالقصة بمجلة الهلال.. دراسة منشورة للناقد شوقي بدر يوسف
  • أرشيف أعداد مجلة الهلال منذ سنة 1892 إلى عام 1980

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.