الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الرؤساء .. والجيش

0 59

لواء أ.ح/ ياسر عبدالعزيز                                                                                                                                                         شاءت إرادة الله أن تحتل مصر موقعاً جغرافياً تستفتح به إفريقيا من الشمال الشرقي، وتستقبل به غرب آسيا، وتستند على البحر الأحمر من الشرق، وتطل على أوروبا وتعانق البحر المتوسط من الشمال، وتصل بخيوط الأمل عبر النهر العظيم إلى أواسط إفريقيا، وبهذا تغدو واسطة العقد بين قارات العالم القديم وبين محور الارتكاز لبلاد المعمورة كلها، القديم منها والحديث.ولم يعرف عن جيش مصر طوال قرون التاريخ المصرى أن كان معتدياً فى يوم من الأيام، أو مغتصباً لأرض أو مدنساً للمقدسات، بل التزم على الدوام موقع الدفاع عن قضية يؤمن بها، وشعار يرفعه دوماً مؤداه أن السلام القائم على العدل والحق هو السبيل الوحيد للأمن والأمان للناس أجمعين، وكان أبناء مصر المخلصون عبر تاريخها الطويل على قدر هذه المسئولية وتحملوها على أعناقهم، جادين فى أدائها عازمين على تحقيقها، بكل الحب الذى يسع الدنيا بأسرها،

حاملين راية تقدمها لتحتل المكانة التى تليق بها، بين الأمم وليكون جيشها ودرعها صمام أمانها وعلامة مضيئة على درب تقدمها بكل ما يمتلكه من قيم ومبادئ وعقيدة قتالية مقدسة، وروحا تدريبية عالية وأسلحة متقدمة تليق بتاريخه العريق، منذ أكثر من سبعة آلاف عام، ولذا وجب علينا أن نتناول فكرة تطور تسليح الجيش المصري، فى النصف الثانى من القرن العشرين حيث كانت تجربة حرب فلسطين عام 1948، أليمة لمصر وللعرب جميعاً، وكان من أبرز مبادئ ثورة يوليو 1952م يقضى بإنشاء جيش وطنى قوى وإقامة تصنيع حربى متطور يحقق تسليحا قوياً للجيش، ولقد كان عقد الستينيات هو عقد التطور فى الصناعات العسكرية فى مصر، وعصر البداية والانطلاق إلى آفاق التطوير فى هذه الصناعات، واعتمد فكر الصناعات الحربية المصرية فى هذا الوقت من عمر قيادة مصر تحت زعامة رئيسها الرئيس جمال عبد الناصر، على عنصرين رئيسيين.
الأول الصناعات العسكرية التقليدية لتوفير الأسلحة الصغيرة والذخائر بمختلف أنواعها، وقد تمت هذه الصناعات بتكنولوجيا سوفييتية ودول الكتلة الشرقية بصفة عامة.

 

الثانى الصناعات الحربية المتطورة وغير التقليدية وقد أحيطت بكل اهتمام من الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية، وتم توفير كل متطلباتها من تمويل ومعدات وتأمين لتوفير قدرات أعلى للقوات المسلحة، حيث تم إقامة مصنع لإنتاج الطائرات الحربية كان نتاجها نوعين من الطائرات المقاتلة وهما القاهرة 200 والقاهرة 300 وتوقف المشروع بعد حرب يونيو 1967م، وتجدر بنا الإشارة هنا إلى بعض ما قامت به الصناعات الحربية بالتنسيق مع الصناعات الوطنية.
كما شهد هذا العصر أيضا تطوير المدافع والقواذف المضادة للدبابات وإكسابها خفة الحركة وسهولة تحميلها بالذخيرة، وكذلك تطوير بعض اللنشات البحرية لتصبح قاذفات للصواريخ بما يمكنها من التعامل مع وحدات العدو المتمركزة على السواحل أو المتحركة على طرق ساحلية، التطور الهائل فى تسليح الدفاع الجوى بما مكنه من إعلان حائط الصواريخ الذى شارك فى حرب أكتوبر 1973، وقد أدى نصر أكتوبر المجيد إلى وضوح رؤية القيادة السياسية متمثلة فى شخص رئيسها الشهيد محمد أنور السادات، تجاه التصنيع الحربي، وتطوير الجيش المصرى من خلال ضرورة امتلاك قاعدة صناعية حربية متطورة إما بشكل منفرد أو بالتعاون مع الأشقاء العرب، على أن تحقق تلك القاعدة طفرة فى تطوير الأسلحة التقليدية على وجه الخصوص، أن يتم اختيار الصناعات والأسلحة من خلال لجان فنية وعسكرية على مستوى عالٍ بحيث توضع خبرات حرب أكتوبر المجيدة ومستقبل تطور نظم التسليح أساساً لاختيار الأسلحة، التى يتم تصنيعها، وكان نتاج هذه الرؤية هو تأسيس الهيئة العربية للتصنيع بمشاركة ثلاث دول عربية بخلاف مصر وهى المملكة العربية السعودية ودولة

 

الإمارات المتحدة، ودولة قطر، حيث تم توقيع اتفاقية الهيئة العربية للتصنيع بين هذه الدول الأربع عام 1975م، برأسمال 1040 مليون دولار، بحصص متساوية بين الدول الأطراف وكانت قيمة مشاركة مصر فى رأس مال الهيئة أربعة مصانع كبرى من مصانع الإنتاج الحربى تعمل فى مجالات صناعة الطائرات ومحركاتها والصواريخ والعربات المدرعة والإليكترونيات ومن هنا نجد أن التصنيع الحربى بعد أكتوبر عام 1973م، تأسس من خلال مؤسستين عملاقتين الأولى هى الهيئة القومية للإنتاج الحربى وهى المؤسسة المصرية القديمة والتى آلت على نفسها أن تقوم بتطوير مصانعها وفقا لمتغيرات العصر وتوافقا مع خبرات حرب أكتوبر المجيدة، والثانية الهيئة العربية للتصنيع وهى هيئة لها استقلاليتها الاعتبارية والاقتصادية يخصص إنتاجها لمصر، مع تصدير الفائض طبقا لقرارات سياسية إلى الدول الصديقة والشقيقة وقد تحولت بعد ذلك إلى هيئة مصرية خالصة بعد انسحاب الدول العربية التى شاركت فيها، إثر توقيع مصر على اتفاقية السلام مع إسرائيل.
تنظيم البحوث فى المجال الحربي
قدرت القوات المسلحة المصرية أهمية البحث العلمى فى مجال الإنتاج الحربى لذلك فقد نظمت مجالات البحوث من خلال المستويات والتخصصات المختلفة.
تطور تسليح الجيش المصرى فى عهد الرئيس مبارك
شهد الجيش المصرى فى عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك صعودا فى القوة العسكرية وقد مر بمراحل تقدم حتى عام ٢٠٠٨ حيث قامت القوات المسلحة المصرية بتدريبات عسكرية واسعة النطاق حيث احتل الجيش المصرى المرتبة الأولى إفريقيا عام ٢٠٠٩ وعربيا أيضا، بينما احتل المرتبة الحادية عشرة عالميا، ووفقا للترتيب السابق فقد جاء ترتيب الجيش المصرى فى المركز ١٧ عالميا، عام ٢٠١٠ والمركز السادس عشر عام ٢٠١١ أما فى عام ٢٠١٢ فقد احتفظت مصر بالمركز السادس عشر، أما فى ٢٠١٣ فقد احتلت القوات المسلحة المرتبة الأولى إفريقيا وتقدمت عالميا لتأخذ المركز الرابع عشر، وقد تصدر الجيش المصرى ترتيب الجيوش العربية.
استراتيجية تطوير التسليح وتنوع مصادره بعد ثور ٣٠ يونيو ٢٠١٣م
وضعت القيادة السياسية والعسكرية المصرية منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى حكم مصر نصب عينها تطوير وتحديث القوة العسكرية المصرية من أجل مواجهة التهديدات والمخاطر التى تهدد الأمن القومى المصرى فى ظل الأحداث التى تقع فى المنطقة العربية وفى الشرق الأوسط، وكذلك المحاولات المستميتة من بعض الدول لكسر وتحطيم القوة العسكرية المصرية حيث حاولت الولايات المتحدة الأمريكية الضغط على مصر بعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وإزاحة جماعة الإخوان الإرهابية من سدة الحكم بتجميد المعونة العسكرية المقدمة من الولايات المتحدة بناء على اتفاقية السلام مع إسرائيل للحد الذى جعل الولايات المتحدة تحتجز طائرات أباتشى مصرية كانت تنفذ لها الصيانة الدورية فى أمريكا، ولم تقم بتسليمها لجعلها ورقة ضغط أيضا، حيث لم ترضخ الدولة المصرية لهذه الضغوط حيث قامت بتغيير وجهتها نحو الشرق والغرب فاتجهت نحو الصين وروسيا وفرنسا، من أجل شراء أحدث أنواع الأسلحة وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة التى رضخت فى النهاية وقامت بتسليم الطائرات الأباتشى لمصر بل وقامت بتسليم مصر طائرات F16 جديدة.
وكذلك زاد حجم التعاون المصرى الروسى فى مجال التسليح حينما كان الرئيس السيسى وزيرا للدفاع حيث عقد صفقات تسليح وتعاون مع الجيش الروسى حتى قيل إن روسيا أمدت مصر بحوالى ٧٠٪ من أسلحتها، وقد زاد هذا التعاون عام ٢٠١٤ بين الجيش الروسى الذى بدأ يدخل بكثافة فى الترسانة العسكرية المصرية بعد زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى لروسيا عام ٢٠١٤.
كما ازداد حجم التعاون الألمانى فى مجال التسليح حيث تعاقدت مصر مع شركة تيسين جروب الألمانية على شراء ٤ غواصات من طراز ٢٠٩ فى صفقة تم الإعداد لها والتجهيز عام ٢٠١٢ وقد بلغت قيمة غواصتين فقط من هذه الصفقة مبلغ 920 مليون يورو.
طفرة التسليح المصري

 

لقد شهد التسليح المصرى فى عام ٢٠١٥ طفرة غير مسبوقة لدرجة جعلت أحد المراكز البحثية تطلق عليه عام التسليح حيث بلغت صفقات السلاح الروسية مع مصر أوجها وأعلى درجات التعاون فيها وأيضا قامت موسكو بإهداء مصر قطعة بحرية روسية من طراز مولينا p32 فى إطار التعاون العسكرى بين البلدين والتى شاركت فى حفل افتتاح قناة السويس الجديدة ضمن القطع البحرية المصرية.
بينما بلغت صفقات السلاح مع الجانب الفرنسى ٣ صفقات لأسلحة متطورة بلغت قيمتها ١.١ مليار دولار أهمها طائرات رافال حيث وقعت مصر مع فرنسا عقدا لتوريد ٢٤ طائرة إضافة إلى ٤ فرقاطات من طراز جوييد وتوج هذا التعاون بشراء حاملتى المروحيات الميسترال جمال عبدالناصر وأنور السادات علاوة على عقود خاصة برفع كفاءة أسلحة موجودة أصلا فى الجيش المصرى مثل ميراج٢٠٠٠ وميراج٥ والتجهيزات الخاصة بالملاحة الجوية والحرب الآلية وأجهزة الرادار .
كل هذا جعل القيادة المصرية تستلهم فكرة تكوين الأسطول الشمالى لتأمين المصالح المصرية فى البحر الأبيض المتوسط والأسطول الجنوبى لتأمين المصالح المصرية فى البحر الأحمر وإنشاء قاعدة عسكرية متكاملة هى قاعدة محمد نجيب فى نطاق المنطقة الشمالية العسكرية وكل هذا يعود إلى إحساس مصر بالخطر الذى يهدد أمنها القومى ومصالحها الاقتصادية فى البحرين الأبيض المتوسط والأحمر مما رفع تصنيف مصر إلى المركز العاشر عالميا والأول عربيا فى تصنيف قائمة دول العالم من حيث القوة العسكرية لعام ٢٠١٧م.
النجاة والانطلاق إلى عالم القوة
عندما رست موجة ما يسمى بالربيع العربى على شطآن بعض الدول العربية رغم نبل مسعى الجماهير فى النزول إلى الشارع فإن المحصلة النهائية أتت بنتائج كارثية فى هذه البلدان العربية، ولم يبق فيها جيش على حاله وتعرضت غالبية هذه البلدان لخراب ودمار وتشرذم وكان جيش مصر هو الجيش الوحيد الذى نجا من هذا الطوفان المؤلم ووقتها كان السلاح فى كل مستوياته الخفيفة والمتوسطة والثقيلة متواجدا فى أيدى الجنود الموجودين فى الشارع ولكن تجاوزا واحدا لم يحدث ولم يقع عرضا أو مصادفة بسبب تماسك وسلامة بنيان القوات المسلحة المصرية والعلاقة المنضبطة للسلاح تكشف عوامل موضوعية تمثلت فى الآتي:
1- عندما استعاد المصريون مكانة مفتقدة بالانخراط فى جيش بلادهم بعد أن اضطر محمد على إلى ذلك واضطروا هم أيضا إلى إقصائهم عن الدفاع عن وطنهم بعد ذلك منذ نهاية الأسرة الثلاثين فى الدولة المصرية القديمة ونشأت علاقة وطنية وطيدة بين الجيش المصرى والشعب كانت أولى محطاتها فى العصر الحديث مع الثورة العرابية ثم جاءت ثورة 23 يوليو 1952م ووثقت هذه العلاقة.
2- ظلت القوات المسلحة المصرية هى الدرع الواقى لمصر فى كل أوقات الأزمات الكبرى وعامل الأمان لوقاية وحماية الوطن من الأخطار الداخلية دون الإضرار بهذا الوطن أو الاستعلاء على المواطن ودون أى سلوك يشير إلى التميز وكانت كلما استدعت الضرورة تلعب دوراً أصيلا فى خدمة المواطنين ومساعدتهم باحترام وتواضع.
3- حافظت القوات المسلحة المصرية بقوة على سلامة وتماسك بنيانها ونأت بنفسها عن العمل السياسى وتفرغت لمهمتها الأساسية فى حماية وتأمين التراب الوطنى من أى مخاطر أو عدوان أو أخطار خارجية.
4- فى الموقف الصعب والمعقد الذى وجدت القوات المسلحة نفسها فيه يوم 28 يناير 2011 اتخذت القرار الوطنى الصائب وهو الانحياز للشعب هذا القرار الذى أنقذ مصر من الفوضى والخراب وأنقذ الجيش نفسه من الانقسام على نفسه مثلما حدث فى الكثير من الجيوش بالبلدان المجاورة وفى 30 يونيو أنقذ الجيش المصرى بلاده من حرب أهلية لا يعلم أحد كارثية ما كان يمكن أن تؤدى إليه لو لم يتم إقصاء الإخوان الإرهابيين بعيداً عن المشهد السياسى استجابة لإرادة الشعب.
ولأن القوات المسلحة المصرية تعرف ما تريد بدقة وتدرك واجباتها وتعى مهامها عادت الوحدات بعد اطمئنانها على استقرار البلاد إلى ثكناتها بعد أن تواجدت مدة طويلة فى داخل المدن والقرى والميادين المصرية، وهذه وضعية شديدة الخطورة لأى قوات تضطر لهذا الموقف نظراً لتأثير الانضباط العسكرى سلبياً وسيولة الموقف العسكرى فى هذه الظروف الاستثنائية ولولا التقاليد والقواعد الراسخة للجيش المصرى لنتجت آثار جانبية شديدة الضرر والخطورة، ثم ما لبث أن ظهر عدو خفى متمثل فى أشباح تحاول مهاجمة وتدمير فكرة بقاء الدولة المصرية تدعمه بلدان ودول مجاورة وغربية إنها أشباح الإرهاب الخبيث الذى ضرب العديد من بلدان المنطقة تحت ستار الدين.
ولكن كيف هذا ويتواجد جيش يدعى الجيش المصرى لديه عقيدة أنه خلق للدفاع عن أرض بلاده بالدماء على مدار التاريخ.
وها هو الجيش المصرى يضرب الأمثلة تلو الأمثلة على البطولة الفرعونية والجين المصرى لا يمكن الوصول إلى حل لشفرته يقوم بمحاربة الإرهاب نيابة عن العالم دون أى مساعدة بل هناك دعم خارجى ومحلى لمحاولات ضرب استقرار الدولة المصرية ولهذا كان لزاماً على هذا الجيش القيام بعملياته الأخيرة تحت شعار العملية الشاملة سيناء 2018 لقطع رأس هذا الإرهاب الأسود على طول وعرض المسرح المصرى من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، وصولا للداخل المصرى وباستخدام جميع ما لديه من أسلحة ومعدات معتنقاً عقيدة قتالية “إما النصر أو الشهادة”
إنهم خير أجناد الأرض … إنه الجيش المصري
حفظ الله مصر وحفظ الله جيشها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.