الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الغناء المصرى فى الهلال

0 34

كتب: د. نبيل حنفى محمود

ما ازدهر فن من الفنون، إلا وجاولته حركة نقدية، تؤصل إبداعاته وتقوم شطحاته، ومن بين فنون عدة ناقشت «الهلال» القضايا المتعلقة بها طوال تاريخ صدورها، احتل الغناء الصدارة فيما أفردته من موضوعات ومساحات، وسوف تستعرض المقالة الحالية بعض القضايا الهامة المتصلة بالغناء المصري، والتي مثلت المحاور الأساسية التي أدارت حولها «الهلال» حديثها عن الغناء ودفاعها عنه، تلك المحاور التي شملت التراجم والمؤلفات والفعاليات والنقد.

التراجم

اهتمت «الهلال» بتراجم الأعلام من أهل الغناء والموسيقى منذ بدايتها فى أواخر القرن التاسع عشر وحتى أيامنا هذه فى القرن الحادى والعشرين، ففى سابقة لم تحدث خلال الأعوام الثمانية الأولى من عمر «الهلال»، قدم جرجى زيدان مؤسس «الهلال» ومحررها الأوحد بالعددين الثامن عشر والتاسع عشر من السنة التاسعة، الصادرين فى 15/6/1901 و1/7/1901 على التوالى، قدم ترجمتين لمطربين ملحنين من أشهر من شهد الغناء العربى فى تاريخه من مطربين ملحنين، أولهما: والذى جاءت ترجمته فى عدد 15/6/1901 من «الهلال» هو نجم القرن التاسع عشر بلا منازع: عبده الحامولى، وكان زيدان قد نعى الحامولى إلى قراء العدد السادس عشر من السنة التاسعة والذى ظهر فى 15/5/1901، حيث جاء بباب «وفيات» فى الصفحة رقم (479) من العدد المشار إليه قبلا الآتى: «عبده الحامولى، واستأثرت رحمه الله فى 12 مايو الجارى بالمطرب الشهير المرحوم عبده الحامولى، وقد شق منعاه على المصريين وغيرهم من سكان هذا القطر، لأنه كان واسطة عقد أنسهم ومركز دائرة أفراحهم، لما خصته به العناية من الصوت الرخيم والصناعة الدقيقة فى توقيع الألحان على الذوق المصرى»، والثانى ممن ترجم لهم زيدان فى السنة التاسعة من «الهلال»، هو إسحق الموصلى، وجاء تقديم زيدان له فى الصفحة رقم (230) من العدد التاسع عشر فى تلك السنة والصادر فى 1/7/1901 بالنص التالى: «نشرنا فى الهلال الماضى ترجمة المرحوم عبده الحامولى المغنى المصرى وتاريخ الغناء العربى، ورأينا أن نستطرق فى هذا الهلال إلى ذكر إسحق الموصلى، المغنى المشهور فى عصر العباسيين، لأنه أعظم مغني ذلك العصرو والشىء بالشىء يذكر».

حوت «الهلال» فى تاريخها الممتد لقرن وربع القرن العديد من تراجم نجوم الغناء، وهى تراجم اهتمت بالشقين الإنسانى والفنى فى سيرة من أديرت حولهم، وتبدو الإحاطة الآن بنماذج وافية من تلك التراجم وفى مقالة كهذه ضرب من المستحيل، لذا سوف يتم الاكتفاء هنا بما قدمته «الهلال» عن أكبر مطربى القرن العشرين: محمد عبدالوهاب – وبعد وفاته فى عام 1991 من ترجمة وافية، تضمنها جزء خاص من هلال يونيه 1991، ذلك الجزء الذى حوى مقالات ثلاث لثلاثة من كبار الكتاب والنقاد والموسيقيين هم: الناقد الكبير الراحل كمال النجمى – الكاتب الكبير الدكتور جلال أمين والموسيقار والمؤرخ الموسيقى الراحل عبدالحميد توفيق زكى، وفى تقديمها لذلك الجزء أو الملف.. قالت هيئة تحرير «الهلال» ما يلى: «فى هذا العدد قدمنا ثلاث مقالات تتناول عبدالوهاب من زوايا مختلفة، بل تنقد عبدالوهاب نقداً موضوعياًَ، أى أننا بدأنا هذه المرحلة، والتى سوف تشهد جدلا كبيراً حول فن عبدالوهاب، وما قدمه على مدى سبعين عاما، هى عمره الفنى».

إن ما قدمته «الهلال» من تراجم لأعلام الملحنين والمغنين نهض بتأليفها جمع من الكتاب والنقاد، منهم جرجى زيدان – كمال النجمى، عبدالحميد توفيق زكى وكاتب هذه السطور، يشكل – إذا ما جمع – مجلداً كبيراً، يتيح لقارئه – وحتى متصفحه – الإحاطة بما شهده الغناء المصرى طوال عمر «الهلال» من تطورات وتحولات وانتكاسات، حتى صار إلى ما صار عليه الآن.

المؤلفات

تجيء المؤلفات – التى أديرت حول الغناء والموسيقى – تالية وربما سابقة لما قدمته «الهلال» فى تاريخها من تراجم لأعلام الغناء، والمعنى هنا بالمؤلفات ما عرضته «الهلال» من كتب اهتمت بالغناء والموسيقى، وكان كتاب «سفينة الملك ونفيسة الفلك» لمحمد بن إسماعيل عمر شهاب الدين، أول ما عرضت «الهلال» من تلك الكتب، حيث جاء عرضه فى «باب التقريظ والانتقاد» بالعدد الخامس من السنة الثانية والصادر فى 1/11/1893، وقد تلته فى هذا المجال كتب كثيرة عرضت فى أعداد «الهلال» اللاحقة، وفيما يلى نقدم مجموعة مما عرضت «الهلال» بأعدادها الصادرة منذ عام 1893 وحتى عام 1906 من كتب ألفت عن الغناء والموسيقى مع بيان رقم العدد وتاريخه: («عقود الجمان فى الأناشيد والألحان» ليوسف عبده سمعان، السنة الخامسة، العدد 18، 15/5/1897) – («فن الصوت والموسيقى» لرزق الله شحاته، السنة التاسعة، العدد 15، 1/5/1901) – («الروض المستفيد» لجورج إبراهيم رامى، السنة التاسعة، العدد 20، 15/7/1901) – («نيل الأرب» لأحمد أمين الديك، السنة الحادية عشرة، العدد 5، 1/12/1902) – («المغنى المصرى» لمحمود حمدى البولاقى، السنة الحادية عشرة، العدد 13، 1/4/1903) – («تقسيمات المنسى» لقسطندى منسى، الجزء الأول، السنة الثالثة عشرة، العدد 5، 1/2/1905) – («نزهة العاشق الولهان» لمنصور عبدالمتعال، السنة الرابعة عشرة، العدد 8، 1/5/1906) و(«الموسيقى الشرقى» لكامل الخلعى، السنة الرابعة عشرة، العدد 9، 1/6/1906)، لم يكن عرض «الهلال» لتلك الكتب قاصراً على عناوينها، وإنما اهتمت المجلة بتقديم فكرة مبسطة لقارئها عن محتويات الكتب وما تحويه من موضوعات، وذلك بالإضافة إلى الإفصاح عن اسم الناشر وثمن النسخة من الكتاب.

لم تتوقف «الهلال» فى مراحل عمرها المختلفة عن تقديم وعرض الكتب المهتمة بالغناء والموسيقى، ونظراً لندرة ما يصدر من كتب جادة عن الغناء وقضاياه، فإن «الهلال» كثيرا ما كانت تلجأ لعرض كتب التراث الغنائى والموسيقى، لرغبة القائمين على تحريرها فى عرض تلك الكتب للأجيال الجديدة التى لم تتح لها فرصة الاطلاع عليها، هذا وقد شرف كاتب هذه المقالة بتقديم أحد تلك العروض، وهو عرض كتاب «الموسيقى الكبير» لأبى نصر محمد بن طرخان الفارابى، والذى جاء بين موضوعات عدد مايو 2003 من «الهلال».

الفعاليات

قليلة هى فعاليات الغناء التى يمكن لمجلة مثل «الهلال» التصدى لها بالتسجيل والنقد، وبالرغم من أن تلك القلة تكاد تبلغ حد الندرة، إلا أنها لم تفلت من اهتمام «الهلال» ورصدها، وأول تلك الفعاليات هو مؤتمر الموسيقى العربية الأول، الذى عقد بالقاهرة فى الفترة من 28/3/1932 وحتى 3/4/1932، ذلك المؤتمر الذى خلدته جميع الأدبيات التى صدرت عن الغناء خلال القرن العشرين المنصرم، هذا وقد أوجزت «الهلال» تغطيتها للمؤتمر بمقالة صغيرة وردت بعدد 1/5/1932 بالنص التالى: «في 28 مارس الماضى عقد فى مصر مؤتمر الموسيقى العربية بناء على رغبة جلالة الملك فؤاد، وقد حضر المؤتمر كبار العلماء الغربيين الذين يعملون بالموسيقى العربية، واشترك فيه معظم البلدان الشرقية، وفى مقدمتها: سوريا- العراق وبلاد المغرب، وعقد المؤتمر عدة اجتماعات وحفلات بحث فيها الأعضاء حالة الموسيقى العربية وما قد وصلت إليه من الرقى، ولا حاجة فى القول أنه من عظم التقدم الذى أتيح للموسيقى العربية فى مصر بفضل عناية الملك فؤاد وبفضل اهتمام محبى الموسيقى، ولازالت هذه الموسيقى فى حاجة إلى إصلاح كبير وإلى وضع قواعد تسير عليها وتتقدم بمقتضاها، هكذا قدمت «الهلال» المختصر المفيد فى تغطية المؤتمر ونقده.

انقضى أكثر من ستة عقود، حتى عقد مؤتمر ومهرجان للموسيقى العربية بدار أوبرا القاهرة فى 13/11/1993، جاء ترتيب ذلك المؤتمر رابعاً فى سلسلة مؤتمرات حملت نفس الاسم، فقد عقد المؤتمر الثانى عام 1968 ببغداد، بينما احتضنت مدينة فاس المؤتمر الثالث، الذى عقد فى عام 1969، قدمت «الهلال» فى عدد ديسمبر 1993 تغطية شاملة للمؤتمر الرابع، وجاءت الفقرة التالية فى سياق تغطية «الهلال» للدورة الرابعة لمؤتمر الموسيقى العربية: «حاولت جميع هذه المؤتمرات أن تتابع تنفيذ التوصيات التى أصدرها المؤتمر الأول، ولكن هذه التوصيات أضيف إليها الكثير من التوصيات فى المؤتمرات الأخرى اللاحقة، ومازالت هذه وتلك قيد التنفيذ» !! (ص84)، بذلك أوجزت «الهلال» فى تعليقها على مؤتمرات الموسيقى العربية فأعجزت!.

النقد

يجيء النقد آخراً هنا – وليس أخيراً فى واقع الحال – بين ما أدارت حوله «الهلال» حديثها عن الغناء من محاور، وهو محور يكشف مساوئ الغناء ويبرز محاسنه، مما يمثل خارطة لخروج الغناء من مشاكله، وقد تناوب على نقد الغناء فى «الهلال» قائمة طويلة من النقاد، كان مؤسس «الهلال»: جرجى زيدان أولهم، ومما لا مراء فيه أن الناقد الكبير الراحل كمال النجمى، كان أكثرهم علما وأشهرهم عند قراء «الهلال»، وتبرز بين ناقد الغناء فى «الهلال» خلال العقدين الأخيرين، مجموعة من الأكاديميات تضم كلا من : د. سهير طلعت – د. ياسمين فراج، ود. رانيا يحيى، وسوف نستعرض فى الفقرة التالية نماذج من كتابات هذه المجموعة من نقاد الغناء فى «الهلال» عبر تاريخه.

نبدأ هذه النماذج بما جاء فى العدد الخامس من السنة الحادية عشرة والصادر فى 1/12/1902، من تعليق جرجى زيدان على كتاب «نيل الأرب»، وهو كتاب فى الموسيقى كما وصفه زيدان فى مفتتح تعليقه، ثم أضاف لذلك قوله: «والمطلع على هذا الكتاب يتضح له ما قاساه حضرة المؤلف من العناء فى تأليفه، لأنه اضطر لمطالعة ما كتبه العرب فى هذا الفن، فضلا عن الإفرنج فيه، وهى أغزر مادة»، بينما يشخص الراحل كمال النجمى فى مقاله «سيد درويش والثور الأبيض» التى جاءت بين مقالات عدد سبتمبر 1992 من «الهلال»، الأسباب التى أدت إلى انهيار الغناء العربى، فقال عن ذلك ما يلى: «وكفا – والعهد غير بعيد – نقول: يا قومنا.. حاذروا أن تنقطع بين أيديكم صناعتان : الشعر والغناء، فإن انقطاعهما نذير الخراب والتباب!، فها نحن هؤلاء انقطعت بين أيدينا الصناعتان: مات الشعر العربى منذ ثلاثين سنة فانفطر عليه قلب العربية، وانصدعت كبدها، وبات أهلها فى العقد الأخير من القرن العشرين كأسلافهم (الموريسكيين) أو العرب المدجنين فى العقد الأخير من القرن الخامس عشر فى أيدى القشتاليين، ولم يكن بعد موت الشعر مناص من موت الغناء، فقد علقت به المخالب التى علقت قبل بالشعر، فكيف ينجو ؟!»!!

وننهى هذه النماذج بما جاء فى مقالة د. سهير طلعت «محمد حمام والأغنية الشعبية»، التى كانت من مقالات عدد نوفمبر 1995 من «الهلال»، حيث قالت عن اتجاه المطرب محمد حمام لأداء الأغانى الشعبية ما يلى: «أما الاتجاه الثانى وهو استلهام التراث الشعبى بشكل عام فى الأغنية، فقد نجح بعض الملحنين فى تفهم صوت وطبيعة محمد حمام وفشل البعض فى تقديم أغان جيدة، ومازال محمد حمام يقدم هذا اللون من الغناء فى حفلات قصور الثقافة، فهو يعشق الساحات الشعبية وسيظل أحد الرواد فى الستينيات، الذى قدم الأغانى الشعبية فى صور متنوعة».

هذا غيض من فيض مما أفاءت به «الهلال» على الغناء من ثاقب الفكر وصادق الرأى، وهو فيض لا يحتاج إلى كبير جهد أو إمكانات، كى يجمع ويبوب ويفهرس ويقدم للقراء كمرجع فى الغناء لا يدانيه مرجع مما صدر أو قد يصدر.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.