الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الفنون فى أحضان مجلة الهلال

0 28

كتبت :   د. رانيا يحيى

ظهر الاهتمام بالفنون المختلفة منذ الأعوام الأولى لمجلة الهلال وبالأخص مع بزوغ الفن السينمائى عام 1896 فبدأ التركيز على هذا الفن وغيره ،وتتطور الأمر شيئاً فشيئاً حتى أضحت الفنون لها جوانب متعددة فى أحضان هذه المجلة سواء من خلال أبواب متخصصة ،أو حتى إصدارات خاصة لبعض أنواع الفنون معبرة عن قيمتها وأهميتها فى زيادة الوعى المرتبط بتوجه المجلة التى تنظر للفن من منظور ثقافى وليس منظور تجارى أو تسويقى، فكانت خير داعم للفن ورموزه الفنانين فى مصر والعالم.

والآن سأعود للوراء فى بعض أعداد لمجلة الهلال والتى حوت الفنون المختلفة لنؤكد على هذا الدور التوعوى الذى استشرقته هذه المنظومة والقائمين عليها حين نجد مقالاً عن الفن التشكيلى بعنوان “المصورون والأدباء من الملوك والأمراء” فى أحد أعداد البدايات وتحديداً فى العقد الثانى من القرن الماضى ،ودار موضوعه حول أهم الملوك والأمراء ممن يمارسون الفنون الجميلة فى بلاطات أوروبا ،ويذكر المقال بعض الأمثلة من فرنسا بلد الفن والذوق الرفيع حيث كان لويس الثالث عشر موسيقياً، والملك لويس الرابع عشر محباً لنظم الشعر ،ومدام دى بومبادور عشيقة لويس الخامس عشر لديها شغف بالتصوير ،ومارى انطوانيت امرأة لويس السادس عشر تحب الرسم على الأزرار ،وغيرهم. وهذه الأمثلة فى هذا المقال الشيق إنما تؤكد على توجه مجلة الهلال منذ البدايات فى إشعال حركة التنوير والاهتمام بالفنون واستنهاض الذوق العام.

وفى نفس الإطار يرى الدكتور أمير بقطر فى مقاله الذى نشر عام 1951 بعنوان (الفنون جنون) حين استنكر : “عجب إذا عجز الناس عن تفهم اللوحات الفنية الحديثة، التى يخرجها لنا الرسامون فى هذا العصر ،أياً كان الاسم الذى يطلقونه على فنونهم الجديدة”. وهى نظرة متطلعة للتمعن والتعمق فى الأعمال التشكيلية المبدعة ،وهى دعوة للعامة للبحث عن كل جميل دون الاهتمام بمسميات لا شغل لهم بها ،وهى نظرة فلسفية جمالية لاسترقاق قلب الجمهور للفنون التشكيلية فى صورتها البسيطة لاعتياد الجمهور على التذوق الجمالى والاقتراب من الفنون المختلفة. ولم يقتصر الدور على تقبل الفنون وتفسيرها من قبل المتخصصين وإنما الدعوات التى ترسلها المجلة عبر صفحاتها فى أعدادها المختلفة حاملة رسائل تنويرية وبالأخص فى مرحلة الطفولة وتكوين الشخصية لما لها من أثر فى خلق مجتمع سوى فكرياً ،حيث يرى الدكتور أمير : “أن مدرسى الرسم للأطفال ،فى السنوات المبكرة فى الرياض والسنوات الأولى من المدارس الأولية ،يدركون كما يدرك علماء النفس ،أن الطفل بطبيعته يرغب فى التعبير عن مشاعره بالرسم، لأن لغته لا تسعفه فى ذلك ،ولأن التعبير بالرسم والتخطيط، ولو على الرمل ينضج فى الطفل قبل التعبير باللغة ،لذا تبدأ المدارس الحديثة بتعليمه الرسم قبل الكتابة ،وتعليمه الكتابة قبل القراءة ،لأن الكتابة نوع من الرسم”. علينا أن ندرك قيمة هذه الكتابات وهذه الأفكار التى دعت إليها هذه المجلة الثقافية الشاملة كموسوعة تتحدث عن إيمان وقناعة حقيقية بقيمة ثقافة المواطن وما يخلقه ذلك من جيل واع مثقف.

ولم تخل المجلة فى فترة العشرينيات من الاهتمام بفنون الأزياء نظراً للرقى والنظرة المجتمعية المتحضرة بعيداً عن الثقافات المغايرة والدخيلة علينا ،فبرزت من خلال أعداد مجلة الهلال الفنون المختلفة والإبداعات المتميزة ومواكبة الموضة العالمية فى أحدث صيحاتها. أما عن الفن السابع ففى مرحلة البدايات ظهر اهتمام مجلة الهلال بالسينما منذ عروضها الأولى فى فرنسا والإسكندرية، وسلطت الضوء على الممثلين البارعين ودورهم فى الحياة الفنية وفى الصدارة الفنان جورج أبيض عام 1913 على سبيل المثال باعتباره أحد القيم الفنية والتمثيلية وأول نقيب للممثلين فى مصر، كما استنارت المجلة أيضاً بغيره من الفنانين والمبدعين.

وعن قاعة الندوات بالهلال أرى أنها لعبت دوراً توعوياً وحظيت بمكانة مرموقة فكانت إشعاعاً ثقافياً بمعنى الكلمة تجسدت خلالها كثير من الرؤى الإبداعية وقادت حركة التنوير والتواصل مع المجتمع المصرى وكبار رموزه الفنية ،فعلى سبيل المثال أقيمت إحدى الندوات عام 1948 باستضافة أعلام الفن السينمائى والمسرحى وكواكبهما آنذاك يوسف بك وهبى ،سليمان نجيب بك ،الأستاذ محمد عبد الوهاب، السيدة مارى كوينى، الأستاذ زكى طليمات، السيدة آسيا، الأستاذ بركات .. لتنهش فى أغوارهم باحثة عن الدور الذى يقوم به كل من المسرح والسينما فى مصر ؟ وأيهما أقدر على التأثير فى الجمهور وإفادته ؟ أسئلة لا زلنا نبحث لها عن إجابات حتى يومنا هذا ،وهو ما يؤكد الدور الاستباقى الرائد والمبكر الذى قامت به الهلال فى المجتمع المصرى. وتحضرنى كلمة السيدة مارى كوينى حين قالت: إذا توافرت لدى الجمهور الثقافة اللازمة، يستطيع أن يوجه المسرح والسينما للكمال المنشود، أما ما دام الجمهور عندنا يرضى بكل ما يقدم له ،ولا يميز بين الإنتاج الجيد والإنتاج غير الجيد ،فلا فائدة من العلاج .. هذه كانت كلمات واحدة من صناع الفن الرائد فى مصر وفى ذلك الحين ارتأت أن الجمهور يقبل بالمعروض له فى ظل أعمال ذات قيمة حفرت فى ذاكرة التاريخ .

وكما أشرنا إلى أن المجلة تستهدف كافة أشكال الفنون وأعلامهم على مدار تاريخها ففى إحدى إصداراتها والتى نشرت عام 1947 تعرف الجمهور المصرى والعربى على الممثلة المسرحية الإنجليزية نيل جوين المولودة عام 1651 والمتوفية عام 1687 عاشقة ومعشوقة الملك شارل الثانى الذى أحبها حباً صادقاً وكان يضمر لها كل الاحترام والتقدير ،واستطاعت نيل بفنها وعبقريتها أن تخلد اسمها على المسرح أبو الفنون. ولذلك نؤكد على قيمة المرأة داخل أعداد مجلة الهلال أو فى ندواتها، إيماناً بدور المرأة المبدعة فى كافة المجالات ،واستباقاً لأوضاع المرأة التى نبحث عنها فى الوقت الراهن.

وعن فن الموسيقى يرى الأديب السورى محمد جميل بيهم فى أحد أعداد المجلة عام 1923 : “وخذ الموسيقى لغة الأرواح ،وإن عدها فريق من ضروب الخلاعة ،فهى من مثقفات الشعور ومدمثات الأخلاق ،بل هى من وسائل التأديب” ،كما يروى ما قاله الفيلسوف أفلاطون عنها: “إن الموسيقى تبعث الحياة فى الجماد ،ويسمو بها الفكر ،ويرتقى الخيال ،وتبث فى النفس الفرح والسرور ،وترفعها عن الدنايا ،وتميل بها إلى الجمال والكمال ،فهى من عوامل الأدب للإنسان”. ويختتم الكاتب بيهم قائلاً: “إلى الأمام سيداتى الأوانس ،ومن أولى بالفنون الجميلة ،من المرأة الجميلة”. وهو ما يعكس اهتمام المجلة ورؤيتها فى دعم ورعاية دور المرأة ،وإن كنا فى عام 2017 الذى أطلقه فخامة رئيس الجمهورية عاماً للمرأة المصرية ،وتقوم المؤسسات المعنية بالاهتمام بدور المرأة فى كافة المجالات ،ورعايتها ثقافياً وتوعوياً وفنياً كأحد أولويات المجلس القومى للمرأة بجانب التشريعات والصحة والتعليم وخلافه ،إلا أن هذا يؤكد أن المؤسسات تسير فى خطى ثابتة لمواكبة دعم دور الدولة المصرية واهتمامها بالمرأة كعنصر فاعل وشريك داخل مجتمعها حتى وصلنا للعصر الذهبى فى ظل قيادة سياسية واعية ،فحقاً “من أولى بالفنون الجميلة من المرأة الجميلة”.

ونعود لاستكمال دور المجلة فى إبراز حركة الفكر والثقافة فى مجال الموسيقى والغناء فى إحدى الندوات الشهرية للهلال والتى أقيمت فى نهاية عام 1947 بحضور أربع قمم من العاملين على نهضة الموسيقى والغناء فى مصر وهم محمد زكى على باشا ،على الجارم بك ،الأستاذ أحمد رامى ،الدكتور محمود أحمد الحفنى ،ودار نقاشاً واسعاً. ولكن لحبى بل وعشقى للموسيقى الكلاسيكية وأهميتها فى بناء الإنسان واتساع مداركه وتأصيل العمل الجماعى لدى الفرد وزيادة المهارات الذهنية والإبداعية لمستمعى الموسيقى الغربية ،فقد لفت نظرى اهتمامهم بالموسيقى البحتة التى لم نعرفها منذ أزمنة بعيدة مثل الثقافة الموسيقية الغربية التى تعتمد عليها بشكل أساسى ،وإنما ثقافتنا العربية تنظر عادة للموسيقى باعتبارها المكملة للغناء فهى ثقافة غنائية فى المقام الأول ،ولكى يحدث التطوير فى هذا الفكر فقد سعى الدكتور الحفنى فى مناقشته لإيضاح قيمتها مؤكداً: “أنه شهد درساً موسيقياً فى برلين بإحدى المدارس الثانوية للبنات ،وكان عن سيمفونية الراعى لبيتهوفن ،وكانت المُدرسة تدير اسطوانات السيمفونية واحدة واحدة ،ثم تسأل التلميذات عما فهمنه من المعانى التى تعبر عنها موسيقاها ،فإذا بهن جميعاً يجبن بما يدل على أنهن فهمن كل تلك المعانى أو أكثرها” ،ويرجع ذلك لأن بيتهوفن العبقرى العظيم عرف كيف يعبر بموسيقاه الصامتة عن كل تلك المعانى ،فاستطاع أن يفهمها صغار التلاميذ. إنه المؤلف الموسيقى الأصم والأشهر عالمياً بموسيقاه التى ما زالت تحير الباحثين والمدققين فى المجال الموسيقى ،لكنها إفراز طبيعى لعبقرية حطمت قيود الهزيمة والانكسار لصالح الفن والإبداع واسترقاق المشاعر. ولعلنا نسعى لتنفيذ جهود الدكتور الحفنى أحد أهم الرواد الأوائل فى تعليم الموسيقى فى مصر باستنهاض المجتمع نحو التذوق والاستمتاع بل وتعلم الموسيقى العالمية.

وفى ظل الحديث الشيق حول الفنون والبحث فى مجرياتها ،جذبنى كثيراً أحد المقالات التى كتبت فى منتصف القرن المنصرم بقلم على أيوب بك حين قال : “إن المصريين لا ينقصهم الاستعداد الفطرى للنبوغ فى الفنون ،حيث عرضت فى أوروبا مؤخراً منتجات فنية لبعض الصبية المصريين من أهل الريف ،فبهرت رجال الفن هناك ،وشهدوا بأن عبقرية قدماء المصريين التى صنعت المعجزات لا تزال كامنة فى سلالاتهم المنبتة على ضفاف النيل. وأننا ما زلنا ننظر للفنون الجميلة على أنها لون من ألوان الترف والكماليات ،فى حين أنها من أهم مقومات الحضارة والرقى”. وأتفق مع على بك تماماً بعد مرور ما يزيد على ستة عقود حيث لم ترق نظرتنا للفن للتقدير المستحق. ولهذه الأهمية فقد دعا على أيوب بك عام 1951 لإنشاء وزارة للفنون الجميلة والآثار فى مصر ،واعتبر ذلك أمراً لا يحتمل أى إبطاء أو تسويف .. وبالفعل كان لهذا النداء الذى خرج من صفحات مجلة الهلال صدى واسع حيث بدأت تتبلور فكرة إنشاء وزارة تعنى بهذا الدور ،وتأسست أول وزارة للإرشاد القومى فى أول عهد ثورة يوليو 1952 ،بينما جاء أول ذكر لمسمى وزارة الثقافة فى حكومة الوحدة الثانية عام 1958 وكان الدكتور ثروت عكاشة هو أول وزير للثقافة والإرشاد القومى ،قبل أن يتم الفصل بين الثقافة والإرشاد القومى.

أسلحة التنوير تعددت من خلال المقالات والحوارات بل والندوات النقاشية المفتوحة مع قادة حركة الفكر والثقافة ونبغائها فى حضن هذه الدار العريقة التى صنعت حراكاً ثقافياً مباشراً وغير مباشر فى الشخصية المصرية والعربية على مدار قرن وربع القرن من الزمان.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.