الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

القاهرة بريشة الفنانين الأجانب*

0 30

بقلم الدكتور: أحمد موسى

إذا استثنينا ما ظفرت به بعض مظاهر الحياة فى مدينة بغداد من عناية الفنانين الأجانب، فلا شك فى أن القاهرة هى العاصمة الإسلامية الأولى التي ظفرت بالجانب الأكبر من عناية أولئك الفنانين.

والفضل فى هذا لما حفلت به من الآثار الفنية العظيمة فى مختلف العهود التى توالت عليها منذ إنشائها من ألف سنة مضت حتى الآن بين مساجد ومدارس وأضرحة وعمائر مختلفة، فضلا عما يحيط بها من آثار الفراعنة وغيرهم من حكامها الأولين.

وقد بهرت معالم القاهرة وآثارها عقول الفنانين الأوروبيين الذين وفدوا عليها مع نابليون بونابرت، ثم منذ بدأت نهضتها الحديثة فى عهد محمد على باشا الكبير، فلما بلغت هذه النهضة أوجها فى عهد إسماعيل العظيم، الذى أراد أن يجعل مصر قطعة من أوروبا، تدفق على القاهرة سيل من الفنانين الأوروبيين، وراح كل منهم يسجل ما بهره من مشاهدها الرائعة قديمها والحديث.

 

وقد كتب الفنان “فرانك ديللون” فى مذكراته على أثر زياراته أهرام الجيزة، و “بيت السادات” فى القاهرة يقول” إن شيئا مما رأيته فى أوروبا لم يبعث فى نفسى مثل النشوة التى شعرت بها إزاء الفخامة الرائعة، والبساطة المحببة، والذوق الشرقى الجميل. وما كنت أحسب قبل ذلك أن الإيمان بالسحر شىء يمكن الاعتراف به في القرن التاسع عشر!”.

 

وكتب الفنان “برنارد فيدلر” إلى صديق له من الفنانين فى ألمانيا يقول: “إنك أينما تكن في القاهرة لابد أن تجد ما يدعو إلى التأمل والإعجاب. حتى هؤلاء العامة الذين يمرون مر الكرام بالآثار الفنية العظيمة التى خلفها أجدادهم، لن يسعك إلا أن تعجب بجمال رجولتهم، وحسن معاملتهم، وكياستهم، وابتساماتهم اللطيفة التى تكشف عن أسنانهم اللؤلؤية.. إن القاهرة يا صديقى هى عاصمة الشرق، وملتقى الثقافات القديمة والحديثة، وشكرا لعاهلها العظيم الذى مهد لنا المجيء إليها، وخصص لنا أمكنة نقيم بها مكرمين، وهيأ لنا مجال العمل دون كلل ولا ملل في تسجيل ما نشاهد من أبدع المناظر وأبهاها”.

 

 

وقد أبدع أولئك الفنانون كثيراً من اللوحات وأبرزوا فيها بفنهم الصادق جمال معالم القاهرة ودقائق فنها. ففى لوحة “الدرس” للفنان “فلهلم جينتز” نرى طلبة الأزهر يحسنون الاستماع لدرس يلقيه عليهم أحد أساتذتهم الأجلاء.

وفي لوحة “جامع قلاوون”  للفنان “ماشيستكا” لا يسعنا إلا أن نعجب الإعجاب كله بأسلوبه الفنى الفذ الذى أبرز به ما اشتمل عليه هذا الأثر من روعة فنية وجمال أخاذ.

وقل مثل هذا فى لوحات: “بوابة مارستان قلاوون” حيث تبدو بعض دكاكين تجار الأوانى النحاسية، و “جامع الماردانى من الداخل”، و “بوابة خان الخليلى” للفنان “كارل فرنر” وقد هدمت هذه البوابة منذ عهد قريب، و “جامع أزبك” للفنان “اودلف زيل” حيث الزخارف التى قال إنها كادت تجعله من كبار الملحنين بما كانت توحى إليه وهو ينقلها إلى لوحته من روائع الأنغام.

 

وامتاز الفنان “شتراسبرجر” بإبراز روعة الأعمدة وجمال تنسيقها فى لوحات “جزء من قصر إسماعيل فى الجزيرة” ، و ” صحن جامع محمد على فى القلعة”  أما لوحتا: “منظرة في بيت الشيخ المهدى” و “قاعة في بيت السادات” فقد تجلت فيهما فخامة البيتين وعظمة الحياة الكريمة فيهما بما لا يفى بوصفه البيان.

ولعل فنانينا المعاصرين أن يتجهوا بإنتاجهم إلى مثل هذا الاتجاه، بجانب ما برعوا فيه من تصوير الوجوه والشخصيات المعاصرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سبتمبر  1950

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.