الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

القرآن والمسيحية*

0 72

الأنبا شنودة

إن موضوعا واسعا كهذا، كتبت فيه مجلدات عديدة ولم توفه حقه بعد، لست أستطيع أن أدعي بأنني سألم بأطرافه المترامية في صفحات قليلة كهذه.

وإنما سأعرض لبعض النقاط المحدودة

وألقي عليها ضوءا بسيطا، نراها من خلاله، ونترك التفاصيل لبحوت خاصة.

فكرة القرآن عموما عن المسيحية

تعرض القرآن للمسيحية :

شرح كيف أنها ديانة سماوية، ديانة إلهية، أرسلها الله هدى للناس ورحمة، على يد المسيح بن مريموالمؤمنون بالمسيحية سجَّل القرآن أن لهم أجرهم عند ربهم، وأنهم غير المشركين، وغير الذين كفروا..  وقال أيضًا إنهم أقرب الناس مودة إلى المسلمين؛ وإنهم متواضعون لا يستكبرون.

 وشخص المسيح له في القرآن مركز كبيرإنه كلمة الله؛ وروحٌ منهوُلِدَ بطريقة عجيبة لم يولد بها إنسان من قبل ولا من بعد؛ بدون أب جسدي؛ ومن أم عذراء طهور لم يمسسها بشر..  ومات ورُفِعَ إلى السماء بطريقة عجيبة حار فيها المفسرون والعلماء عاش على الأرض يهدي الناس، ويقوم بمعجزات لم يعملها أحد مثله..

 وقد هدى الناس عن طريق تبشيرهم بالإنجيلوالإنجيل له مكانة عظيمة في القرآن الذي كان مُصَدِّقًا له وداعِيًا الناس إلى الإيمان به..  ولم يُذكَر في القرآن إطلاقًا أنه نسخ التوراة أو الإنجيل، بل على العكس ذكر أن المؤمنين ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل.

 وللعذراء مريم أم المسيح مركز ممتاز في القرآن، في بتوليتها وطهرها ونسكها وعبادتها وتشريف الله لها واصطفائها على نساء العالمين.

 وقد تحدث القرآن أيضًا عن الحواريين تلاميذ المسيحوتحدث عن بعض العقائد المسيحية..

وهنا يظهر بعض الخلاف بينه وبين المسيحية، شيء من ذلك خلاف حقيقيوشيء آخر لا يمكن أن نسميه خلافًاوإنما هو محاربة لبعض البدع الدينية التي كانت سائدة وقتذاك، والتي تحاربها المسيحية أيضًا، والتي لم تكن في يوم من الأيام من عقائد المسيحية كما يخطئ البعض في الفهم والتفسيروما أكثر الملل والنحل التي تقوم في كل جيل، يحارب أخطاءها أولياء الله الصالحونوسنعرض لكل هذا بالتفصيل:

نظرة القرآن إلى النصارى:

يدعوهم القرآنأهل الكتاب، أوالذين أوتوا الكتاب من قبلكمأوالذين أتيناهم الكتابأوالنصارى”.  ويصفهم القرآن بالإيمان وعبادة الله، وعمل الخير.

ويقول في ذلكمِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ“سورة آل عمران 113

ويقول أيضًا: “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ“سورة البقرة 121”  “وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ“سورة النساء 131”  “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ“سورة القصص 52

هم إذن من المؤمنين، يعبدون الله، ويسجدون لله وهم يتلون آيات الكتاب طوال الليليؤمنون بالله وبالكتاب وباليوم الآخر، وهم من الصالحين.

ولذلك أمر القرآن بمجادلتهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.

وفي ذلك يقولوَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ“سورة العنكبوت 46

ولم يقتصر القرآن على الأمر بحُسن مجادلة أهل الكتاب، بل أكثر من هذا؛ وضع القرآن النصارى في مركز الإفتاء في الدين، فقال: “فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ“سورة يونس 94”  وقال أيضًا: “وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ“سورة الأنبياء 7

ووصف القرآن النصارى بأنهم ذوو رأفة ورحمة:

وقال في ذلك: “وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ، وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً“سورة الحديد 27

واعتبرهم القرآن أقرب الناس مودة إلى المسلمين:

وسجل ذك في سورة المائدة حيث يقول: “لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ“سورة المائدة 82

ونلاحظ في هذه الآية القرآنية تمييز النصارى عن الذين أشركوالأنها هنا تذكر ثلاث طوائف واجهها المسلمون وهي اليهود والذين أشركوا في ناحية، والنصارى في ناحية أخرىفلو كان النصارى من المشركين، لما صحّ هذا الفصل والتمييز.

إن التمييز والفصل بين النصارى والمشركين أمر واضح جدًا في القرآن، ولا يقتصر على النص السابق، وإنما سنورد هنا أمثلة أخرىمنها قوله: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ“سورة الحج 17”    نفس هذا التمييز نجده في الآية 186 من سورة آل عمران، ونجده واضحًا “قوانين التزوج المشترك) وفي قوانين الجزية، ولا يتسع المجال في هذه العجالة لبحث مثل هذا الموضوع الواسععلى أنني سأعود إلى التكلم فيه في نهاية هذا المقالأما الآن فيكفي في نظرة القرآن إلى إيمان النصارى أن نورد قولهإِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ“سورة البقرة 62؛ سورة المائدة 69

أما الآن فنتكلم عن نقطة أخرى في موضعنا، وهي الإنجيل.

نظرة القرآن إلى الإنجيل:

 يرى القرآن أن الإنجيل كتاب مقدس سماوي منزل من الله يجب قراءته على المسيحي والمسلم وكل من آمن بالله.

 فيقول: “نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ“سورة آل عمران 3و4

ويقول أيضًاوَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ، وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَوَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَوَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ“سورة المائدة 46-48

وكون القرآن مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، فهذا يعني صحة الإنجيل والتوراة وسلامتهما من التحريفوإلا فإنه يستحيل على المسلم أن يؤمن بأن القرآن نزل مصدقًا لكتاب محرَّفكذلك لو كان التوراة والإنجيل قد لحقهما التحريف، ما كان يأمر قائلًا: “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”.  بل ما كان يصدر أيضًا ذلك الأمر: “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ“سورة المائدة 68وما أكثر الآيات القرآنية التي تسجل أن القرآن نزل مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، يطول بنا الوقت إن حاولنا أن نحصيها..

وما أكثر الآيات القرآنية التي تدعو إلى الإيمان بالإنجيل والتوراة، نذكر منها غير ما سبقيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا“سورة النساء 136

 ونلاحظ في هذا النص أنه قالكتبهولم يقلكتابه”.  فيجب الإيمان بجميع الكتب الإلهية التي أرسلها هدى ونورًا وموعظة للمتقين..

وقد ورد في سورة البقرة عن أهمية هذا الإيمانوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَأُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ“سورة البقرة 4و5”  “قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ“سورة البقرة 136؛ سورة آل عمران 84”  “لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ“سورة المائدة 68

 

أقتصر الآن على هذا القدر القليل، وقبل أن أترك هذه النقطة أقول إن كل ما سبق ينفي بأسلوب قاطع الفكرة الخاطئة التي ظنها البعض وهي أن القرآن نسخ التوراة والإنجيل!!  من المحال أن يكون ناسخًا لهما وفي نفس الوقت يدعو إلى الإيمان بهما ويحذر من إهمال ذلك.

 ملاحظة أخيرة أنبه إليها القراء  وهي أن القرآنفي كل سوره وآياتهعندما ذكر الإنجيل، إنما يعني الإنجيل الذي بشَّر به المسيح.

 ولم يرد في القرآن حرف واحد عن ذلك المؤلف المزيف الذي أسماه كاتبهإنجيل برنابا”. إن اسم برنابا هذا غير موجود على الإطلاق في القرآن، كما أن كثير من تعاليمه ومعلوماته منافية ومناقضة لتعاليم القرآن.

فكرة القرآن عن المسيح

يسميه القرآنعيسى، وهذا الاسم يقرب من الكلمة اليونانيةإيسوسأما اسم المسيح في العبرية فهو يسوع ومعناهمخلص”.  عن أن القرآن ذكر اسم المسيح أكثر من عشر مرات. “انظر سورة آل عمران 45؛ سورة النساء 157، 171، 172؛ سورة المائدة 17 [مرتين]، 72 [مرتين]، سورة التوبة 30، 31”  وسنحاول أن نورد بعض هذه الأمثلة خلال حديثنا.

واسم المسيح هذا كان موضع دراسة لكبار المفسرين في الإسلام، وقيل في ذلك أنه سمي مسيحًالأنه مُسِحَ من الأوزار والآثام”.  وأورد الإمام الفخر الرازي حديثًا شريفًا قال فيه راويهسمعت رسول الله يقول: “ما من مولود من آدم إلا ونخسه الشيطان حين يولد فيستهِل صارخًا من نخسه إياه، إلا مريم وابنها”.

وكل هذا، وما سيأتي، يدل على المركز الرفيع الذي تمتع به المسيح في القرآن وفي كتب المفسرين، وهو مركز تميز به عن سائر البشرومن ذلك:

أأنه دُعيَ كلمة الله وروحٌ منه:

وقد تكرر هذا اللقب، فورد في سورة إل عمران 45: “إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ”.  وورد في سورة النساء 171: “إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ”.

وقد أثارت عبارةكلمة اللهتعليقات لاهوتية كثيرة لا داعي للخوض فيها الآن، وبخاصة لأن تسمية المسيح بكلمة الله يطابق الآية الأولى من الإنجيل ليوحنا الرسولوكذلك لأن عبارةالكلمةوأصلها في اليونانيةاللوجوس، لها في الفلسفة وفي علوم اللاهوت معان معينة غير معناها في القاموسوبنفس الوضع عبارةروح منهالتي حار في معناها كبار الأئمة والمفسرينوأيًا كانت النتيجة فإن هذين اللقبين يدلان على مركز رفيع للمسيح في القرآن لم يتمتع به غيره.

بولادته المعجزية من عذراء:

لم يقتصر الأمر على كنه المسيح أو طبيعته من حيث هوكلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم، وهذا ما لم يوصَف به أحد من البشر، وإنما الطريقة التي وُلِدَ بها والتي شرحها القرآن في سورة مريم كانت طريقة عجيبة معجزية لم يولد بها أحد غيره من امرأةزادها غرابة أنهيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ“سورة آل عمران 46)، الأمر الذي لم يحدث لأحد من قبل ولا من بعد..  أترك هذا العجب لتأمل القارئ لتسبح فيه روحهوأنتقل إلى نقطة أخرى هي:

 جـمعجزات المسيح العجيبة:

وأخص منها مما ورد في القرآنغير إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتىمعجزتين فوق طاقة البشر جميعًا، لم يقم بمثلهما أحد من الأنبياء وهما القدرة على الخلق، وعلى معرفة الغيبوفي ذلك يقول القرآن على لسان المسيحأَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ..  وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ“سورة آل عمران 49

هنا ويقف العقل لكي تتأمل الروح..  لماذا يختص المسيح بهذه المعجزات التي لم يعملها أحد والتي هي عمل الله ذاته: الخلق ومعرفة الغيب!

ومن الأمور الأخرى التي يذكرها القرآن في رفعة المسيح وعلوه:

دموته ورفعه إلى السماء:

وقد ورد في ذلك: “إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ، وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ“سورة آل عمران 55”  والمسيحية تؤمن بموت المسيح وصعوده إلى السماءولكن القرآن لم يبين كيف رُفِعَ المسيح ومتى حدث ذلك، وبقى الأمر عجبًا..

هـصفات المسيح الأخرى:

من الصفات التي ذكرها القرآن عن المسيح أنه: “وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِوقد شرح أئمة المفسرين معنى هذا الوصف باستفاضة، وخرجوا منه بعلو مركز المسيح علوًا عجيبًا، وبأنه في الآخرة تكون له شفاعة في الناس.

مركز العذراء مريم في القرآن

يشرح القرآن في سورة آل عمران أن مريم نذرت للرب وهي في بطن أمهافَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا”.  وأنها تربَّت في الهيكل تحت رعاية زكريا، وأنها كانت تطعم طعامًا من السماءكُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا. قَالَ: يَا مَرْيَمُ، أَنَّى لَكِ هَذَا؟! قَالَتْ: هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ”.

وعلو مركز العذراء مريم يظهر في قول القرآن عنهاوَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: يَا مَرْيَمُ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ“سورة آل عمران 42”  وهكذا ارتفعت مريم في نظر الإسلام فوق نساء العالمين.

وكانت عذراء عابدة تسجد وتركع مع الراكعين، وكانت تحيا في وحدة وتأملانتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا“سورة مريم 17،16”  وقدنَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا“سورة مريم 26”.  ويمكن الرجوع إلى سوره مريم وسورة آل عمران وغيرهما لمن يريد أن يتوسَّع في معرفة فضائل العذراء مريم وعلو مكانتها، كما يشرح القرآن ذلك..

بعض خلافات غير حقيقية

 إن هناك بعض نقاط خلاف موجودة في القرآن يظنها البعض منسوبة إلى المسيحيين، والمسيحيون لا يؤمنون بتلك البدع؛ بل يحاربون أصحابها حيثما وجدواوهذه الخلافات تتركز في الآيات القرآنية الآتية:

 النقطة الأولى: خاصة بألوهية العذراء:

وورد في ذلكوَإِذْ قَالَ اللَّهُ: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ. قَالَ: سُبْحَانَكَ“سورة المائدة 116”    والمسيحية لم تقل في يوم من الأيام بألوهية العذراء مريمبل إن مريم نفسها تقول في الإنجيل أنهاأمة الربفتأخذ وضعها كعبدة أمام اللهفإن كانت قد قامت بدعة تنادي بتأليه العذراء، فإن المسيحية تحاربها بكل قوة.

كذلك لا يمكن أن تؤمن المسيحية إطلاقًا بوجود إلهين من دون الله حتى لو كان المسيح أحدهما..  فنحن نؤمن بإله واحد لا سواهولعل هذا الموضوع سنتعرض له عندما نعرض النقطة الثالثة الخاصة بالشِّرك

# النقطة الثانية: خاصة بوجود صاحبة لله:

وورد في ذلك: “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ“سورة الأنعام 101

وأيضًا: “وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا“سورة الجن 3

ليس بين المسيحية والقرآن خلاف في هذا الأمرفالمسيحية تقول أيضًا إن الله لم يتخذ صاحبة، سبحانهالله روح مُنَزَّه عن الجسد وأعمالهوبنوة المسيح لله هي بنوة غير جسدية، غير تناسليةإنها شيء روحي إلهي يتسامى فوق هذا المستوى الجسدي.

فإن ربطنا البدعتين الأولى والثانية: الأولى التي تدعي ألوهية العذراء والثانية التي تدّعي صاحِبة لله، أدركنا سر البدعة الثالثة الخاصة بالشرك بالله.

 النقطة الثالثة الخاصة بالشرك بالله:

  كما لو كان هناك ثالوث مكون من الله وصاحبة وابن أنجبه الله من صاحبة!!  وهذا كفر مبين تتنزَّه عنه المسيحية، وليس ثالوث المسيحية من هذا النوع الوثني كما ورد في العبادات المصرية القديمة في قصة إيزيس وأوزوريس وابنهما الإله حورسإن وجدت بدعة من هذا النوع يحاربها القرآن، فالمسيحية تحاربها أيضًاولا يمكن أن تؤمن بمثل هذا الكُفر..

المسيحية لا تؤمن بالشرك بالله، وإنما تؤمن بالتوحيدولا تؤمن بثلاثة آلهة، إنما تؤمن بإله واحد لا شريك لهوالآيات الدالة على التوحيد في التوراة والإنجيل لا تدخل تحت حصرإن التوحيد أمر بديهي لا يتناقش فيه اثنان.

فإن قال القرآن في سورة النساء 171: “وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاثَةٌ..  إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؛ فإن المسيحية تقول مثل هذا أيضًاإنها تنكر التعدد والشُرك؛ وتنكر أن يكون لله ولد من صاحبة بتناسل جسديوإن قيل في سورة المائدة 73: “لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فالمسيحية تقول هذا أيضًا، ليس الله واحدًا من ثلاثة آلهة، لأنه لا يوجد سوى إله واحد لا شريك لهإن الإسلام في كل الآيات إنما يحارب بدعة تحاربها المسيحية أيضًا، وهي ليست من المسيحية في شيء.

أما ثالوث المسيحية فغير هذا كلهنقول فيهباسم الأب والابن والروح القدس، إله واحد آمين”.  فالله هو جوهر إلهي أو ذات إلهية، له عقل، وله روحوالثلاثة واحدكالنار لها ذات هي النار، وتتولد منها حرارة، وينبثق منها نوروالنار بنورها وحرارتها شيء واحدوكالإنسان ذاته وعقله وروحه كيان واحد..  والبنوة في اللاهوت هي كبنوة الفكر من العقلالعقل يلد فكرًا وليست له صاحبة!

وأخيرًا

 فليس معنى كل ما قلناه أن القرآن والمسيحية شيء واحدكلا، فهناك خلافات جوهرية منها التثليث والتجسد والفداء ولاهوت المسيح وصلبه ومنها أسرار الكنيسة ومنها القرآن نفسه..  وأشياء أخرى كثيرة، ولكننا أحببنا في هذا المقال أن نتكلم على نقاط التلاقي فقط، لا عن نقط الخلاف

 

*ديسمبر 1970

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.