الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الهلال “المحظوظة “..بعشق السينما

0 32

كتب:محمود قاسم

>>علي مدي عمرها البالغ125 حافظت الهلال علي تقليد اصدار عدد سنوي عن السينما ..متفردة به عن الاصدارات العربية والعالمية

>>  ملأ الناقد والمؤرخ السيدحسن جمعة  صفحات المجلة في الثلاثينيات بموضوعات السينما الطريفة..

>> تحمس “مصطفي نبيل ” لفكرة الاحتفال بمئوية السينما..وتحولت الفكرة الى”هوس ” ثم  ظاهرة اجتماعية وثقافية

>>

ياله من شرف.. ووسام   أضعه علي صدري

انها العلاقة القديمة جدا التي لاتتوقف عن النبض في أعماق العقل والقلب مع مجلة الهلال, فكم أتذكر الصبي بداخلي وهو يجمع الأعداد القديمة والجديدة من المجلة خاصة منذ أن تجددت علي يدي الدكتور أحمد زكي في عام 1947, ومع اختيار القطع الخاص بها و   الذي التزمه كافة رؤساء تحريرها  طوال سبعين عاما عدا الدكتورحسين مؤنس الذي لم تكن له خبرة قط بصناعة المجلات الثقافية 

كانت المجلة محظوظة دوما أن رؤساء تحريرها  لديهم معرفة ومحبة بالفنون , خاصة السينما , بالاضافة الي استعانتها بمن يكتبون فيها مقالا شهريا عن الأفلام الجديدة أو السينما ..

الهلال هي الوحيدة من بين  كافة المجلات الثقافية العربية والعالمية التي كانت تصدر عددا سنويا عن السينما , وعلي سبيل المثال فان مجلة ” المختار رايدر داجيست” لم نعرف عنها قط أنها أصدرت  عددا خاصا عن السينما , ولكن الهلال فعلت ذلك بقوة في الفترة التي تولي رئاسة تحريرها كامل زهيري, ورجاء النقاش, ثم مصطفي نبيل وذلك في فترة كانت السينما تستحوذ علي اهتمام المجلات السياسية , وعلي رأسها ” المصور” وآخر ساعة ” و” الاذاعة والتلفزيون” , وأذكر أنه في امتحانات القبول لمعاهد أكاديمية الفنون عام 1967, فان أعلب المتقدمين للقبول بمعهد السينما كانوا يحملون معهم أعداد المجلة الخاصة بالسينما بما يعني شعبية الاثنين معا .. السينما والهلال

و كنت محظوظا لمشاركتي ضمن الفريق الذي أعد الأعداد الخاصة بمئوية السينما العالمية عام 1995, ومن قبله  ” 100 سنة هلال” عام 1992, وشاركت أيضا الزميل مجدي الدقاق في عدد مئوية السينما المصرية عام 2006, وبذلك تكون المجلة هي الوحيدة في العالم العربي من بين المجلات الثقافية التي شاركت في احتفاليات السينما ومن المهم أن نذكر بالتحية اسم الاستاذ مصطفي نبيل الذي تولي رئاسة التحرير طوال 23 عاما من 1983, الي 2005, ففي تلك المرحلة كانت السينما وجبة ثقافية دسمة يتم تقديمها للجمهور  , حيث  استعان بالناقد مصطفي درويش طوال هذه السنوات للكتابة عن السينما  , كما أنه عاد الي   اصدار عدد سنوي متخصص عن السينما

اذن ترجع علاقة الهلال بالسينما الي وجود ناقد سينمائي يكتب بصفة منتظمة , والي اقتناع رئيس التحرير بأهمية السينما كرافد ثقافي يتعامل مع الجمهور,  بالاضافة الي الفنون الأخري وفي مقدمتها الفن التشكيلي في صياغة الهيكل الثقافي للمجتمع ،

وهناك مراحل بعينها يمكن من خلالها رصد هذه الظاهرة , فالناقد والمؤرخ السيدحسن جمعة ملأ صفحات المجلة في الثلاثينيات بموضوعات السينما الطريفة التي تابع فيها مسيرةالسينما العالمية في العقد الرابع من القرن الماضي  , أما  سعد الدين توفيق فقد عمل بشكل مكثف في كتابة  باب” فيلم الشهر” في النصف الأول من الستينيات , خاصة الفترة التي تولي فيها علي ومصطفي أمين مسئولية المؤسسة.. وكان يقدم شهريا قصة مصورة لواحد من الأفلام الأمريكية الجديدة , بما يتفق مع الخفة الملحوظة للمجلة في تلك السنوات , حتي اذا تولي كامل زهيري مسئولية المجلة , تحت ادارة محمود أمين العالم ,  صارت السينما فنا وفكرا, وثقافة , وعليه تزايدت مساحة الاهتمام  بالسينما كرافد ثقافي أساسي , وكانت الاصدارات الخاصة عن السينما سنويا , وقد تقلصت متابعة السينما في أيام صالح جودت , رغم أنه شاعر غنائي كتب الكثير من الأغنيات السينمائية , وهو ايضا روائي تحولت روايته” الشباك” المنشورة في روايات الهلال الي فيلم سينمائي

وتتابعت الأمور في فترة كمال النجمي, الذي جاء  من مجلة “الكواكب” الي الهلال, وأسند كتابة المقالات لعبد النور خليل الناقد الخاص بمجلة ” المصور” بالاضافة الي ماكان يكتبه عن السينما في مجلة ” الكواكب””

واقتصر الأمر منذ الثمانينيات علي ناقد واحد , ولم يكن هناك  حرص علي تنوع الكتابات,الا في أضيق الحدود, وايضا في الأعداد الخاصة التي كانت تصدر  سنويا , ومنها عدد عن “العرب والسينما,” عام 1986, وقد توجت هذه المرحلة بالاحتفالية العالمية بمئوية السينما العالمية قبل المناسبة بعام علي الأقل , وذلك بصدور عدد “100 سنة سينما” ,وهو العدد الذي نفد في فترة قياسية , وصنع مايسمي بهوس الاحتفالية بمئوية السينما , فانتقل الي احتفالية ضخمة للسينما المصرية في مهرجان القاهرة السينمائي,عام 1996 وأيضا في عام 2006

وقد تعاملت المجلة مع مصطفي درويش علي أنه الواجهة الاساسية للنقد السينمائي, وعليه فان فترة مصطفي نبيل  كانت هي الأكثر ثراء لمجلة ثقافية عربية في الاحتفال بمئوية السينما , وبعد نجاح مجلة الهلال, في هذا الصدد استعانت بنا مجلات أخري للاحتفال بالمناسبة ومنها مجلة “العربي” الكويتية علي سبيل المثال

وفي فترة مجدي الدقاق, كان هناك اهتمام ملحوظ بالسينما ومخاطبة القارئ عاشق الأفلام والمهرجانات , ولم تشهد المجلة الاهتمام تفسه في المراحل التالية

تلك مقدمة موجزة عن علاقة الهلال بالسينما طوال قرن وربع من الزمن , وهي الفترة الأطول لمجلة ثقافية في مصر والعالم العربي’ فأغلب المجلات قد ظهر, وانتعش, ثم تقلص وتوقف, بينما تجاوزت مجلة الهلال كافة المحن والمشاكل وتنوع كتابها

و يجب أن نذكرأن المجلة تم النظر اليها حسب رؤساء التحرير, ففي الفترة التي كان يرأسها الدكتور أحمد زكي , ويتولي طاهر الطناحي ادارة التحرير , لم يكن يتم النظر الي السينما علي أنها رافد ثقافي, بينما الفترة التي جاء الأخوان أمين من مؤسسة أخبار اليوم تم استقدام بعض كتاب السينما من مؤسسة أخبار اليوم ومنهم أحمد صالح الذي أعد مجموعة من التحقيقات السينمائية الخفيفة تحت عنوان ” شارع النجاح- الحظ سابقا” وهي اقرب الي مايعرف باسم جولة الاستوديوهات تركز علي النجوم الجدد في عالم السينما , أما سعد الدين توفيق الذي تولي رئاسة تحرير الكواكب بعد ابعاد مجدي فهمي, فقد تم الرهان عليه ليكتب المقالات السينمائية , وكان يعتبر امتدادا جيدا لمجدي فهمي الا أنه اختار كتابة موضوعات عن قصص الأفلام الأمريكية الجديدة في مجلة الهلال وقد غاب عن ادراكه أن قارئ مقالات  السينما في المجلات الاسبوعية يختلف عن قارئ المجلة الثقافية الشهرية . فكتب مايشبه ملخصات الأفلام علي أن تكون الصورة هي الأساس , وذلك قبل عرضها في القاهرة كنوع من السبق الصحفي, ومنها فيلم” جيب ملئ بالمعجزات” اخراج فرانك كابرا , بطولة جلين فورد وبيتي دافيز , وفيلم ” اسبوعان في أي مكان ” اخراج فانسنت مينيللي , وبطولة كيرك دوجلاس, وادوارد جورج روبنسون , الذي انضم الي اللائحة السوداء بسبب مساندته لاسرائيل فتم منع الفيلم ,  ومن هذه الأفلام أيضا” فيدرا”اخراج الفرنسي جول داسان , وبطولة زوجته ميلينا موركوري

وهو مأخوذ عن مسرحية يونانية قديمة  , و فيلم ” الليل رقيق” المأخوذ عن رواية سكوت فيتزجيرالد , ولم تكن هناك معايير  لاختيار الأفلام حتي جاءت المفاجأة في عام 1956, حين صدر في اكتوبر أول عدد خاص عن ” السينما” وذلك في فترة رئاسة محمود أمين العالم للمؤسسة , وكامل زهيري للمجلة, وهي المرحلة الاشتراكية التي اهتمت فيها الدولة بالثقافة , وقامت المجلة بعمل موسوعة الاشتراكية علي مدي عدة أشهر,  وتم نفاد العدد الذي سيطرت عليه روح التعليم بمعني انه تضمن ترجمة مقالات لأبرز رجال السينما عن ماهية المونتاج, والاخراج, والفيلم التسجيلي, وبدا العدد كأنه يجسد مقولة السينما في خدمة المجتمع ,

وفي اكتوبر من عام 1966  صدر عدد آخر من المجلة عن السينما , ورغم النكسة في عام 1967 صدر عدد جديد عن السينما, ومع مرور الستوات كان بين القراء أعداد عن السينما والفكاهة , وهكذا

كما أشرنا فان الأمر ارتبط برؤساء تحرير يحبون السينما , و بوجود جيل من النقاد , وقد فشلت أغلب تجارب مجلات السينما بشكل عام , ومنها ” الفنون” و”السينما والمسرح”في الاستمرار, لذا فان المجلات الفنية الأخري ظلت  تصدر فصلية , وبدأت تظهر الجمعيات السينمائية التي تتعامل باهتمام مع  الثقافة السينمائية , وسرعان مااكتشف الناس في الشوارع  أن هناك جمعيات سينمائية يمكنها أن تعرض المشاهد الممنوعة رقابيا من الأفلام , بحجة أن المثقفين خارجون عن وصاية الرقابة , وهي الفكرة التي آمن بها الرقيب مصطفي درويش طوال حياته  , وتهافت الشباب علي المراكز الثقافية التي تعرض الأفلام الشهيرة بعيدا عن الرقابة بحجة أنها ظاهرة ثقافية , وفي هذا الميدان فتح مصطفي نبيل ملف الثقافة السينمائية في المراكز الأجنبية علي حلقات متعددة وتوليت تحليل هذه الظاهرة

من بين الجمعيات السينمائية في تلك الفترة جمعية سينما الغد التي اقيمت في المركز الثقافي الايطالي, تحت اشراف مصطفي درويش,  الذي روجع  في  مجلس الشعب لجرأته في عرض أفلام جريئة , فترك وظيفته كرقيب, واتجه الي كتابة النقد السينمائي, وصار له جمهوره , و  استقطبته مجلة الهلال منذ يونيه 1984, ليكتب فيها دون انقطاع , وليكون العقل السينمائي الأول, وكم كان  مصطفي نبيل يحدثنا بأنه يستكتب ابونا في النقدالسينمائي ,  وكان يتمتع بحس ثقافي فني عالي, وأيضا  يتمتع بروح السخرية , ويطلق علي كل ناقد اسما ممزوجا بالسخرية , كما كان قارئا للثقافات الأخري, ومحبا للقراءة والمتابعة أولا بأول, وقد أثار الكثير من الجدل بمقالاته, وتحولت الهلال  الي ساحة حوار سينمائي, وفتحت أبواب النقاش فيما يخص ظاهرة المهرجانات,

علي المستوي الاداري لم أكن سوي سكرتير تحرير روايات الهلال التي شهدت طفرة كبيرة , ولعل القليل يعرفون أنني صاحب فكرة الاحتفال العالمي بمناسبة مئوية السينما التي يستعد لها العالم في ديسمبر1995, واقترحت علي مصطفي نبيل الأمر, وتحمس للفكرة , ودفع بالأمر الي مصطفي درويش, وهو رجل كان بالغ التهذيب معي, وأعترف أنه لم يتدخل في اختياراتي فيمانشر عن السينما طوال قرن من الزمان في الهلال, وأعترف بدور الناقدة فريدة مرعي, التي ساعدتنا في اختيار الكثير ما نشره السيد حسن جمعه في الثلاثينيات وكان الاكتشاف المهم هو ذلك التراث السينمائي الثري الذي كتبه الناقد والباحث في الهلال, وهو من التراث الضخم للناقد الذي جمعته في ثلاثة كتب صدرت عن المركز القومي للسينما تحت اشراف الدكتور مدكور ثابت

صارت للأعداد الخاصة بالسينما مكانة لدي العديد من المؤسسات في مصر, وبدأت ظاهرة الاحتفالية تنتقل الي المزيد من المطبوعات , ومنها مجلة روز اليوسف, وصباح الخير,واكتوبر , وحريتي, وأيضا في البرامج التلفزيونية بعد أن سلط مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الضوء علي الظاهرة , ولو نظرنا الي عدد( 100 سنة سينما) الذي صدر في يناير 1995, فسوف نلاخظ أنه قرأ تاريخ السينما العالمية والمصرية من مناظير النقاد الذين كتبوا للسينما , وسوف نكتشف ان الكتابة عن السينما كانت البديل الرائع بالنسبة

لأدباء من طراز محمد عبد الحليم عبد الله وعبد الرحمن الخميسي  . ومحمد مستجاب, وعبد الحميد جودة السحار ويمكن ملاحظة ذلك في الاختيارات التي قدمتها الهلال في عددها الاحتفالي بالسينما المصرية, وهو عدد تاريخي كنت أتمني أن تقوم المؤسسة باعادة اصداره ككتاب نشر يحتوي كل هذه المقالات التراثية التي كتبها عباس العقاد , ونجيب محفوظ , وعبد الرحمن صدقي, ولويس عوض,وأحمد أمين , وسهير القلماوي وكامل زهيريغيرهم عن السينما , وذلك لأن العدد صار متوفرا فقط لدي الهواة رغم مابه من مقالات مهمة تعكس أراء من كتبوها

حيث روعي أن يكون الأختيار مرتبطا بأعداد السينما الخاصة من المجلة من ناحية , وأن يتم الاختيار علي أساس شهرة الأسم بصرف النظر هل كتب جيدا عن السينما أم لا , فعلي سبيل المثال فان المقال الذي كتبه  عبد الرحمن صدقي عن “الأدب والسينما ” كان في المقام الأول بمثابة كلام عام ليست فيه محاولة واحدة للتطبيق, حول علاقة رواية ما بالأفلام المأخوذة عنها , ما يجعلنا نراجع هذا النوع من الكتابات أولا بأول, أما زكي طليمات , ونجيب محفوظ فقد نظرا الي المسرح علي أنه البديل الأفضل للسينما ,

كتب طليمات مقاله في فترة كان يعمل مستشارا للمسرح في الكويت , وكان اكثر التصاقا بتجربته المسرحية , أما نجيب محفوظ فكتب مقاله بصفته رقيبا سينمائيا في وزارة الثقافة  , وقال انه يري أهمية العناية بالمسرح باعتبار أن السينما فن للتسلية , أما اللطيف في الأمر فان ماكتبه عبد الرحمن الخميسي عن علاقة السينما بالأدب يختلف تماما حيث تحول الكاتب الي مخرج لايكاد يعرف حرفيات السينما  في الأفلام التي أخرجها , وبدا أن الكاتب الأكثر استيعابا للسينما هم الدكتورة سهير القلماوي, والناقد رجاء النقاش, الذي استكمل صدور أعداد خاصة عن السينما في الفترات التي تولي فيها رئاسة التحرير
حيث كتبت القلماوي أن السيناريو هو الفيلم , وأن كاتب االسيناريو غير الموهوب يمكنه ان يفسد فيلما مأخوذ عن رواية جيدة , والواقع أن هذا ليس غريبا بالنسبة لكاتبة تولت رئاسة تحرير مجلة ” الفنون ” التي كانت تصدر في نهاية الستينيات, أما الكاتب الذي حول الهلال الي مايشبه الديوان السينمائي, فهو السيد حسن جمعة , ولم يكن من الغريب أن تعيد الهلال نشر أكثر من مائة صفحة للكاتب منشورة في الهلال ابان الثلاثينيات

انها رحلة مستمرة , تحتاج , كما سبقت الاشارة الي وجود ناقد , بالاضافة الي ايمان رئيس التحرير الحالي بالفكرة نفسها أن السينما فاعل ثقافي بالغ الأهمية , وأنا أري الهلال تعود الي السينما بقوة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.