الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الهلال والمسرح ..تنوير وتثوير

0 17

كتب: د.عمرو دوارة

 >> صدرت “مجلة الهلال” لتعطي للثقافة معنى أوسع وأشمل وتمزج الفكر بالفن

   والعلم بالفلسفة.

>> شاركت  “الهلال”  في نشر الوعي الفني والمسرحي عبر كتابات نخبة من كبار الأدباء والمسرحيين.

>> يجب إعادة قراءة ونشر بعض المقالات المختارة لتحقيق التواصل مع الأجيال الحالية.

 ظلت مجلة “الهلال” منذ نشأتها أحد أبرز منابر الثقافة والأدب والفكر والتنوير، وقد أدت بالفعل دورا ثقافيا كبيرا في مصر والعالم العربي، حينما ساهمت بصورة فاعلة في صياغة فكر وثقافة ووجدان أجيال متتالية، ويحسب لها حرصها منذ البداية على الاحتفاظ بطابعها وشخصيتها، حيث جمعت دائما بين تقديم التراث وتقديم الإبداع المتجدد.

كانت الثقافة في مصر عندما صدرت مجلة “الهلال” تقتصر على الأدب، فحرصت هيئة تحرير المجلة على أن تعطي للثقافة معنى أوسع وأشمل، فضمت التاريخ والفلسفة والعلوم والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وامتزج في أعدادها المتتالية – طوال مسيرتها الثرية – الفكر بالفن والعلم بالفلسفة، حرصا منها على الارتقاء بمستوى القارئ ثقافيا وفنيا، وعلى مساعدة ومساندة كل صاحب رأي للوصول بوجهة نظره إلى القارئ، وقد تم تحويل تلك الأهداف إلى واقع فعلي منذ إصدار العدد الأول، الذي حمل تعريفا بالمجلة على أنها: “مجلة علمية تاريخية أدبية”، كما حرص “جرجي زيدان” على كتابة بيان طرح فيه مسوّغات إصدار المجلة ورسالتها والمجالات التي تعنى بها ، وقد حدد ذلك كله في خمسة بنود أو أبواب وهي .. “أشهر الحوادث وأعظم الرجال”، “الروايات”، “تاريخ الشهر”، “المنتخبات من الأخبار”، و”التقريظ والانتقاد”.

“الهلال” والمسرح العربي

بدأ المسرح العربي بفضل جهود ثلاثة رواد هم “مارون النقاش (بيروت عام 1948)، وأبو خليل القباني (سوريا عام 1856)، ويعقوب صنوع (مصر عام 1870)، ولكن التجارب الثلاث لم تكتمل للأسف، لتنطلق البداية الحقيقية بعد ذلك بمصر عام 1876 بفضل إسهامات “سليم النقاش” الذي حضر بفرقته من “بيروت” بتشجيع من الخديو، وفي هذا الصدد يجب التنويه إلى أن تلك البدايات الثلاث تكاد تكون متقاربة جدا، حيث إن الفواصل الزمنية بينها لم تكن طويلة طبقا لطبيعة وإيقاع العصر وصعوبة وسائل الاتصال والانتقال حينذاك.

إذا .. صدر العدد الأول من مجلة “الهلال” بعد مرور اثنين وعشرين عاما من بدايات المسرح المصري، وكان من المنطقي أن يحظى هذا الفن الجديد بالاهتمام والتأريخ والتنظير، وهو ما لم يتحقق للأسف إلا بعد مرور عدة سنوات على إصدارها، حينما تم تقديم بعض المحاولات الجادة ومن بينها على سبيل المثال ماسجل بها عام 1899 (في العام الثامن لإصدارها) عن فرقة الفنان إسكندر فرح.

ويبقى السؤال الذي يبحث عن إجابة.. لماذا لم يحظ المسرح بالاهتمام المنشود منذ الأعداد الأولى للمجلة؟، وذلك بالرغم من أن نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قد شهدت نهضة مسرحية تمثلت في غرس الفن المسرحي بالتربة المصرية وتأسيس عدد كبير من الفرق المسرحية، وذلك بخلاف انتشار ممارسة هذا الفن من خلال فرق الهواة ببعض المدارس وعدد من الجمعيات الأهلية ؟؟ والإجابة – من وجهة نظري – هي أن الفن المسرحي ببلادنا قد ظل لسنوات طويلة في بداياته يعد من فنون الفرجة التي تهدف إلى تحقيق المتعة، تماما كفنون الفرجة الشعبية (ومن بينها خيال الظل والأراجوز والحكواتي وعروض المحبظاتية والمنشدين ورواة السير الشعبية)، تلك الفنون التي لم تحظ بالاهتمام الإعلامي، وربما يفسر ذلك عدم طباعة وتداول النصوص المسرحية أو المترجمات كباقي الأشكال والقوالب الأدبية (كالشعر والزجل والرواية والدراسات….إلخ).

ومما لاشك فيه أن صحوة المناخ الثقافي والفكري في نهايات القرن التاسع عشر والتي كان من مظاهرها تشجيع التعليم وتنشيط حركة التأليف والترجمة وظهور عدة صحف مع إيفاد البعثات العلمية للخارج، كان لها أكبر الأثر في نجاح مسيرة المسرح المصري بدءا من مساهمات “يعقوب صنوع” (عام 1870- 1872)، كما يجب التنويه إلى أن التشجيع والمساندة اللذين أبدتهما الطبقات المتوسطة بالمجتمع نحو مسرحياته كانا يعدان ترجمة صادقة لحاجة البلاد إلى مسرح مصري وطني يتناول القضايا اليومية للطبقات المهمشة والمتوسطة، ويكون بديلا عن تلك المسارح الفخمة التي شيدت لتقديم العروض الأجنبية المستضافة بهدف الترفيه عن الجاليات الأجنبية بالبلاد والطبقات الارستقراطية.

والجدير بالذكر أن المسرح العربي حينما بدأ بفضل إسهامات كل من مارون النقاش في لبنان (1848)، وأبو خليل القباني في سوريا (1856) كان مسرحا غنائيا، وذلك نظرا لأن كل منهما كان على دراية كاملة بذوق الجمهور العربي العاشق للموسيقى والغناء الطرب، ورغم أن محاولات وتجارب الرائد المصري يعقوب صنوع التي بدأها عام 1870، قد اتجهت اتجاها آخر نحو الكوميديا الشعبية ومعالجة بعض القضايا الاجتماعية من خلال بعض الأنماط التقليدية للكوميديا إلا أن هذا لم يمنعه من توظيف بعض المقطوعات الموسيقية وبعض الأغاني الشعبية في أعماله المسرحية.

والحقيقة أن تجربة رائد المسرح في مصر يعقوب صنوع والتي وئدت مبكرا  بنفيه إلى باريس عام 1872 كنتيجة منطقية لتوجيهه بعض الانتقادات اللاذعة للخديو من خلال مسرحياته ـ خاصة مسرحية “الضرتين”ـ لم تذهب هباء، بل كان لها الفضل الأول في غرس أصول الفن المسرحي العربي في التربة المصرية، وتنبه الخديو إلى ذلك الفراغ الذي تركه “يعقوب صنوع” بعد نفيه شاغرا، مما دفع الخديو إلى محاولة استكمال مظاهر النهضة التي ينشدها وتعويض غياب الفن المسرحي بالموافقة على دعم واستقبال فرقة “سليم النقاش” القادمة من الشام عام 1876، لتقديم عروضها بمصر، ومن خلال هذه الفرقة الأم تفرعت فرق.. يوسف الخياط عام 1877، سليمان حداد عام 1881، سليمان القرداحي عام 1882، وهي الفرق التي كان لنجاحها أكبر الأثر في توجيه نظر الرائد أبو خليل القباني للحضور إلى “مصر” أيضا عام 1884، وتقديم عروضه مع “إسكندر فرح”، الذي استقل بفرقته بعد ذلك عام 1891، وهي الفرق التي بدأت تستعين ببعض الأصوات المصرية الأصيلة وفي مقدمتها الرائد الفنان سلامة حجازي ـ الذي عمل أولا مع فرق  سليمان قرداحي، يوسف الخياط، إسكندر فرح ـ والذي استقل بعد ذلك بفرقته عام 1905 ليصبح أول فنان مصري “مطرب وملحن وممثل” يؤسس فرقة مسرحية غنائية.

وكان من المنطقي أن يكون النجاح الكبير الذي حققه حجازي من خلال المسرح الغنائي دافعا لعدد من الفنانين ومشجعا لهم على تأسيس فرقهم الغنائية فتكونت فرق سليم وأمين عطا الله 1909، وأولاد عكاشة 1911، ثم منيرة المهدية 1916، لتصبح أول مطربة مصرية تقتحم عالم المسرح الغنائي وتؤسس فرقة باسمها.

لم يمنع هذا  وجود تيارات مسرحية أخرى كتقديم تراجيديات المسرح العالمي من خلال فرقة “جورج أبيض” ومن بعدها فرق “عبد الرحمن رشدي”، رمسيس” ليوسف وهبي – 1923، ثم “فاطمة رشدي” 1927، أو تقديم المسرحيات الكوميدية بفضل الرواد عزيز عيد “الجوق العربي”، نجيب الريحاني، علي الكسار، أمين وسليم عطا الله، فوزي الجزايرلي، فوزي منيب، يوسف عز الدين.

وبخلاف الفرق الاحترافية كانت هناك محاولات جادة أخرى من خلال مسارح الهواة والأنشطة الأهلية، حيث نشطت فرق وجمعيات هواة المسرح خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين، وذلك بهدف إدخال العنصر المصري في المسرح وتطوير الأساليب الفنية التي قدمها بعض الرواد المسرحيين، وفي هذا الصدد يجب التنويه إلى أنه حتى إصدار العدد الأول من مجلة “الهلال” لم يكن قد تم تأسيس سوى جمعية واحدة هي جمعية “المعارف الأدبية”، التي تأسست عام 1885 من موظفي مصلحتي السكة الحديد والبريد برئاسة محمود رفقي، والتي قدمت أول عروضها عام 1887، ثم توالت أعمالها حيث قدمت عدة مسرحيات على دار الأوبرا خلال الفترة من 1887 حتي 1908، من بينها “المروءة والوفاء”، “متريدات”، “بطل تساليا”، “البطل المجهول”، “بطرس الأكبر”، “سميراميس”.

و بعد إصدار مجلة “الهلال” بسنوات – وحتى بدايات القرن العشرين – تأسست عدة جمعيات بمحافظة الإسكندرية ومن أهمها “جمعية الابتهاج الأدبي” برئاسة سليم عطا الله 1894، “جمعية الترقي الأدبي” بإدارة محمد منجي خير الله 1894، جمعية “السراج المنير” 1895، جمعية “الاتفاق” 1896، جمعية “نزهة العائلات” 1897، جمعية محبي التمثيل 1899، وذلك بخلاف جوق “الفلاح الوطني” بإدارة إبراهيم أحمد والتي قدمت عروضها بسمنود 1895.

يحسب لمجلة “الهلال” حرصها منذ النصف الأول من القرن الماضي على نشر الوعي الفني والمسرحي، حيث أفردت صفحاتها طوال مسيرتها بعد ذلك لنخبة من كبار الأدباء والمسرحيين ومن بينهم على سبيل المثال الأساتذة حبيب جاماتي، زكي طليمات، محمود تيمور، سليمان نجيب، د.لويس عوض، د.محمود أمين العالم، د.علي الراعي، يوسف إدريس، سعد الدين وهبة، فؤاد دوارة، رجاء النقاش، سامي خشبة، كامل الزهيري، د.رفيق الصبان، عبد الغني داود، الشريف خاطر ـ الذي نشرت له بعض المترجمات المسرحية عن الفرنسيةـ، كما قامت المجلة بتنظيم بعض الندوات الفنية والمسرحية بحضور بعض رموز الفكر والفن المسرحي، ويصعب بالطبع بل يستحيل أن نقوم برصد وتوثيق جميع المقالات الخاصة بالمسرح أو الندوات المسرحية التي قامت المجلة بتنظيمها منذ بداياتها خاصة مع ضيق المساحة المخصصة للنشر، ولذا فسوف أكتفي بتسجيل وتوثيق بعض المقالات والدراسات التي نشرت خلال النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين – كمجرد نماذج دالة على مدى اهتمام المجلة بالفنون المسرحية – ومن بينها

– موقف الرجل من المرأة في التمثيل بقلم زكي طليمات ” ديسمبر 1943″.

– الجمال على المسرح بقلم زكي طليمات “يناير 1947”.

– خواطر في النقد المسرحي – بدون توقيع “نوفمبر 1947”.

– الممثل والجمهور بقلم سليمان نجيب “يونيو 1948”.

وذلك بخلاف نشر بعض المسرحيات المترجمة التي ترجمها عن الفرنسية الرائد زكي طليمات ومن بينها على سبيل المثال خطة موفقة “أغسطس 1948″، المرأة الرابعة بعد الألف “يناير 1949″، وأيضا قيام هيئة تحرير المجلة بتنظيم بعض الندوات الهامة وإعدادها للنشر، تلك الندوات التي شارك بها نخبة من كبار المثقفين ومثال لها

– ندوة “المسرح والسينما والجمهور” في مارس 1948، وشارك بها الأساتذة الرواد يوسف وهبي، سليمان نجيب، زكي طليمات، بجانب بعض رواد الفن السينمائي.

– ندوة: “أثر فنون العرض على الحوار في المسرح” في يوليو 1949، وشارك بها الأساتذة الكبار توفيق الحكيم، محمود تيمور، عباس محمود العقاد، محمد حسين هيكل.

وإذا كانت مجلة “الهلال” قد حرصت طوال مسيرتها  على مواكبة جميع الأحداث السياسية كثورات 1919، 23 يوليو 1952 وإنجازاتها المختلفة ومن أهمها القوانين الاشتراكية وتأميم القناة وبناء السد العالي، وثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، وكأحداث الصراع العربي الصهيوني وحروب 1948، 1956، 1967، أكتوبر 1973 فإنها قد حرصت أيضا على تسجيل وتوثيق المشاركات المسرحية التي واكبت جميع تلك الأحداث.

ويتضح مما سبق مدى أهمية وضرورة إعادة نشر عدد كبير من تلك المقالات والدراسات المسرحية المهمة، فمن خلال اطلاعي على عدد كبير من تلك المقالات والدراسات وأيضا التسجيل لوقائع وحوارات الندوات أستطيع أن أقرر – وأنا مرتاح الضمير ودون أدنى مجاملة – أن عددا كبيرا منها قد تناولت قضايا مازالت مطروحة حتى الآن، وذلك بخلاف تميزها بجودة الصياغة ورشاقة الأسلوب وأيضا تضمنها لمعلومات  مهمة، كما أن بعضها قد تميز أيضا باشتمالها على رؤى فنية وفلسفية وقيم نبيلة جديرة بإعادة طرحها للأجيال الحالية، ولعل تلك الفقرة التي كتبها الفنان القدير سليمان نجيب عن العلاقة الوطيدة بين الممثل والجمهور تؤكد وبصورة عملية على وضوح تلك الرؤى، حيث كتب ” إذا أدى الممثل والجمهور – أثناء التمثيل – واجبهما على الوجه الأكمل تحول المسرح إلى جامعة وتحولت صالة المشاهدين إلى محراب”.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.