الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

بنات العرب فى معركة التحرير

0 31

بقلم الدكتورة: بنت الشاطئ المدرسة بجامعة عين شمس

رآهن الناس يشتركن فى المعركة، فحسبوا أنهن بعثن خلقاً جديداً، والحق أن لا جديد فى أمرنا، وإنما كشفت المحنة الحاضرة التى امتحن بها الشرق العربى عن جوهرنا المصفى، وأزاحت الأقنعة المستعارة التى طرأت على شخصياتنا، فبدونا على حقيقتنا التى عرفها لنا التاريخ منذ كان، ورأت فينا الدنيا سلالة نقية، لأولئك اللواتى كتبن تاريخ الشرق، وكن له على مر الدهور وتوالى الحقب، صانعات الرجال، ومثيرات الحماس، والمحرضات على الموت فى سبيل الحياة!

وأعنى بها هذه المعركة المشتركة، التى يخوضها الشرق العربى أجمع، نضالاً عن حقه فى الوجود الكريم وإنها لمعركة واحدة، وإن تعددت ميادينها: فهى اليوم فى مصر والجزائر، وهى بالأمس فى سورية ولبنان وليبيا ومراكش، وقد تكون غداً فى الأردن أو فى فلسطين.

وما المحنة التى تعرضت لها مصر أخيراً، سوى دور من أدوار الصراع الطويل المرير، بين الشرق الأبى، والغرب المستعمر.

وكذلك كانت هذه المحنة امتحاناً جديداً لشخصية مصر، وتجربة فذة للكشف عن معدنها الأصيل وجوهرها الحر… والحق أن التاريخ ما كان يعوزه، أن يجرب هذا الامتحان ليعلم من نحن، فما عرف أمة مثلنا تعرضت للغزو المتلاحق منذ أقدم العصور، فلفظت الغزاة جيلاً بعد جيل، وظلت هى هى: بشخصيتها العتيدة القاهرة لم تختف يوماً من مسرح الدنيا، ولا كفت لحظة عن الحياة، لكنما هو الغرب الأحمق، الذى أراد أن يبلونا من جديد، وقد أعماه الجشع والحقد عن تجارب الماضى الطويل الذى لم يزدنا على تعاقب المحن إلا رسوخاً وثباتاً.

ولعل التجربة الجديدة لا تخرج، فى حساب الحياة، عن تكرار التجارب سابقات، شهدت الدنيا فيها موقفنا من غزاة اليونان والفرس والروم والترك، ورأت على  أيدينا مصائر الجبابرة، من قمبيز والإسكندر الأكبر إلى نابليون، وجلادستون..!

وفى الناس مع هذا من لا يعترفون بالتماثل بين هاتيك التجارب جميعاً، ولا يطمئنون إلى القول بالتكرار المحض، ومن ثم يلتمسون فى تجربة اليوم، ظواهر جديدة يحسبون أن لا عهد لأمسنا بها، وأول ما يعدونه من ذلك، ظهور القومية العربية فى هذا الدور من أدوار الصراع بين الشرق والغرب، وكذلك ظهور المرأة العربية فى الميدان وكانت من قبل عنه محجبة.

غير أنهم لو تمنعوا طويلاً، لأدركوا ألا جديد فى هذا أو ذاك، وإنما تسير الحياة بنا على سنتها المحكمة وناموسها المطرد.

 

وأدع هنا لرجال التاريخ أن يذكروا الناسين منا بما وعى الزمان من ماض للقومية العربية فينا، كيما أفرغ اليوم للحديث عنا، نحن بنات العرب اللواتى يحسب الزاعمون أن ظهورهن فى الجولة الأخيرة، حدث طارئ جديد، لا سوابق له فيما مر بمصر والشرق العربى من تجارب كهذه التى نمر بها اليوم.

وإنما راعهم من أمر هؤلاء العربيات، اشتراكهن الفعلى فى معركة تحرير هذا الشرق وطننا الأكبر، ففى شتى الميادين التى شاء الغرب أن يجرب فيها سطوته ويمارس طغيانه، وقفت المرأة العربية إلى جانب الرجل تناضل معه من مهبط الوحى منذ الأزل، ومنزل الرسالات الإلهية ومهد البطولات الكبار.

وبهرهم أن يروا الأفواج منا، هنا فى وادى النيل، وهناك فى الأردن والشام، وهنالك فى المغرب الأقصى، يخرجن مع الجنود فى كتائب الدفاع والحرس والإسعاف وقد طاب لهن أن يدفعن ثمن الحرية التى طالما تغنينا بها ورنونا إليها، ويؤدين ضريبة العزة التى كانت لنا أبدا غاية وهدفا.

وأخريات لا يحصين عدا، وقفن فى كل بقعة من هذا الشرق المبارك، يفتدينه بمن هم أعز عليهن من الحياة.

وتساءل المتسائلون: أين مثل هذا فى تجارب ماضينا؟ أين أمثال هؤلاء الفدائيات فى أمهات الأمس القريب، وقد كن يشيعن أبناءهن المجندين، بالعويل والنواح؟

وما أسرع ما يرتجلون الجواب: إنهن ولا شك قد بعثن خلقاً جديداً.

وربما تفلسف بعضهم فرد هذا الوعى فينا إلى ما طرأ على المرأة العربية اليوم، من تطور حديث فك عنها أغلال الحريم وأخرجها إلى رحب الآفاق..

ونسوا أن من بين المشتركات منا فى المعركة، ملايين من أمهات الجنود وزوجاتهم، لم ينزعن بعد حجابهن، ولا خرجن من البيوت.

ومعاذ الحق والإنصاف أن يكون نصيب هؤلاء من الجهاد، دون نصيب المتحررات اللواتى لبسن الزى العسكرى وخرجن من كتائب المناضلين.

إنه الجوهر الكامن فى أهابنا نحن بنات العرب، يوحد بيننا على اختلاف أقطارنا وتباعد بيئاتنا.

إنه المعدن الحر الذى نلتقى عنده جميعاً، على تغاير أزيائنا وشتى صورنا وعديد أسمائنا.

إنه الميراث المشترك قد انحدر إلينا جميعاً منذ أجيال وأجيال، فإذا نحن به سواء وإن تفاوتت حظوظنا من الثقافة أو التمدن،وتناءت بنا أزياء وألوان وسمات. أقول هذا وأنا أتمثل فى خاطرى ألوفاً ممن عرفت من بنات العرب على اختلاف أقطارهن، فلا والله ما أحسست يوماً أنى غريبة عن هذه الزميلة العراقية التى درست معى فى الجامعة، أو الطالبة الأردنية التى حضرت دروسى فى الكلية، أو هؤلاء الأخوات اللواتى لقيتهن فى منتديات حلب ودمشق وبيروت، أو أولئك العربيات المحجبات اللائى تخطيت إليهن الأسوار فى قلب نجد وأطواف الجزيزة العربية.

وما ذاك إلا لأننى ميزت فيهن العنصر الأصيل المشترك وراء مختلف الصور، والأزياء، والتمست الفطرة النقية التى ما تزال تغلب فينا الأعراض الطارئة والمظاهر السطحية، حتى لتأنس العصرية المثقفة منا إلى أخت لها ما تزال قيد الحجاب فى صعيد مصر أو بأرض الحجاز والمغرب، وتشعر بألفة نحو تلك الأخرى التى قد تلتقى بها على غير معرفة، متعثرة فى عباءتها بنجد والدهناء، أو ملتفة بملاءتها فى أسواق الحميدية والغورية وباب الخلق!

وإنما يشعر بالفرق بين هذه وتلك، من يأخذون بظواهر الأمور ويقفون عند الأعراض السطحية، دون أن يتجاوزوها إلى الجوهر الكامن فى الأعماق

وهؤلاء السطحيون، هم الذين بهرهم موقف بنات العرب فى معركة التحرير اليوم، فحسبوا أنهن قد بعثن خلقاً جديداً، بفعل مؤثرات عصرية مستحدثة.

والحق أن لا جديد فى أمرنا، وإنما كشفت المحنة الحاضرة التى امتحن بها الشرق العربى، عن جوهرنا المصفى، وأزاحت الأقنعة المستعارة التى طرأت على شخصياتنا فبدونا على حقيقتنا وكأنما صهرنا فى بوتقة واحدة، فما تكاد تتميز فينا صور أو أسماء..

واجتمعت قلوبنا وإن تك بلداننا شتى، فحيثما دعا داعى الجهاد، خفقت له هذه القلوب على تنائى الديار، واستجابت له الملايين من شتى الأقطار العربية.

وحيثما احتدمت نار الصراع بيننا وبين الغرب المستعمر، سارعت كتائب المتطوعين من كل فوج، لتصلى حرها وتظفر بمجد النصر أو الاستشهاد..

ولم تتخلف واحدة منا عن المعركة المشتركة: فمن وراء هؤلاء الجنود الشجعان الذين حملوا السلاح، أمهات وزوجات وبنات، دفعن بهم إلى خط النار، وقدمنهم إلى الوطن الكبير ليكونوا له الفداء.

ووراء كل شهيد من شهدائنا الأبرار، واحدة منا فى الريف أو فى الحضر، فى وادى النيل أو فى المغرب الأقصى، أغرته بمجد الاستشهاد، وتركته يمضى عنها إلى حيث يرى الموت مجداً وانتصاراً.

وخلف هؤلاء الملايين من الفتية الأحرار الساهرين على أرض الأجداد والآباء، نساء عربيات، متعلمات وأميات، حضريات وبدويات، تعتز كل واحدة منهن بأنها قدمت إلى الوطن فى معركته النبيلة، بعض الذخيرة الحية!

ووقف التاريخ مبهور الأنفاس، يربط بين حاضرنا الباسل وماضينا الأغر، ويرى فينا سلالة نقية الأمهات لنا كتبن تاريخ الشرق، وقدمن له على مر الأعصر جنوده الأبطال، وكن له على توالى الحقب، صانعات الرجال ومثيرات الحماس والمحرضات على الموت فى سبيل الحياة..

وبفضلهن، لم يشك الشرق عقما، ولا أعوزه فى أى دور من أدوار نضاله، أن يجد من أبنائهن حماة الحمى الذين يفتدونه بالمهج والأرواح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*يناير 1957

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.