الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

تأثير حب المرأة على الإبداع الموسيقى

0 94

كتبت :د.رانيا يحي

المرأة هى الحياة، صانعة الفرحة والبهجة، الدافع للآمال والطموح، هى الكنز الذى يظل يبحث عنه الرجل وإن وجده تتبدل حياته ليراها من منظور آخر، منظور الأمل والعطاء والوفاء، وتربطهما علاقة وراءها الطاقة التى تدب فى الحياة فتتفجر القوى الإيجابية التى تمنحنا القدرة على ممارسة الأشياء والتطلع للتميز والإتقان بل والإبداع، إنه «الحب»، السر والأساس لعلاقتنا بالوجود فمن منا يستطيع أن يحيا بلا حب !! الحب أرقى المشاعر الإنسانية ولا يمكن أن نحيا بدونه، حيث يولد بداخلنا منذ لحظة الميلاد ويتوغل فى أعماقنا حتى نصل إلى الرفات الأخير وربما بعده حيث تظل الروح عالقة بكل ما نحب ومن نحب. كما أنه الدفقة الشعورية المتأججة والاستجابة العاطفية لما يحمله قلب المرء من آمال وآلام مشتعلة بلهيب الحب، فضلاً عن كونها الباعثة على انتفاض الفكر وإيقاظه ودفع حالة اللاشعور للانصهار فى الشعور لمزج حالة نفسية روحية ووجدانية تبدع أعمالاً فنية معبرة عن تلك الدفعة التى تجلبها هذه المشاعر للحبيبين. ولكن دائماً ما تكون مشاعر الفنان أكثر رقة وأكثر حساسية من الشخص العادى مما يجعل هذه الحالة سبباً جوهرياً فى فيض أعمال رومانسية، ونرى هذا واضحاً جلياً فى كثير من الأعمال الفنية المختلفة: شعرية، تمثيلية، تشكيلية أو حتى مؤلفات موسيقية حيث يقوم موضوعها حول علاقة الحب ذاتها أو المرأة البطل والمحرك لهذه الدفقة الشعورية، وذلك لأن الحب حينما يجنح تتفجر الشحنات والملكات الإبداعية الكامنة ويخرج بنا من حيز المكان والزمان ليحلق بنا فى الآفاق وكما قال الأديب والشاعر الألمانى جوته «عندما تنام كل العيون، تظل عيون الحب وحدها ساهرة»، ويقول المؤلف الموسيقى العالمى لودفيج فان بيتهوفن عن علاقة الموسيقى بالحب «يجب أن تشعل الموسيقى النار فى قلوب الرجال وتجعل عيون النساء تدمع»، ورغم عزوف بيتهوفن عن الزواج إلا أنه لم يستطع أن يبتعد عن حب المرأة فى حياته بل على العكس فقد قادته عبقريته وحساسيته المفرطة

 

إلى الوقوع الدائم فى الحب، وظهر تأثير هذه العلاقات العاطفية فى بعض أعماله متأثرة بهذه النزعة العاطفية. وقد وجد أصدقاؤه بعد وفاته ثلاثة خطابات مخبأة فى أدراجه الخاصة كتب عليها عبارة (إلى حبى الخالد) ولم يتم التأكد بعد من هى مانحة هذه المشاعر !! ورغم هذا إلا أن هناك بعض الدلائل على نزوح مشاعره تجاه الكونتيسة جولييتا جويتشاردى تلميذته والتى كتب لها واحدة من أشهر صوناتات البيانو وهى المعروفة بـ ضوء القمر عام 1801، كما كتب لحبيبته جوزيفين السيمفونية السادسة «الريفية» عام 1808، كما جسدت السينما هذه العلاقة العاطفية للموسيقار العالمى فى أحد الأفلام السينمائية عام 1994 والذى يحمل اسم (الحبيبة الخالدة). أما المؤلف الموسيقى فيكتور برليوز الذى قدم للإنسانية واحدة من أهم وأنجح الأعمال والتى حظيت على شهرة واسعة وهى السيمفونية الخيالية عام 1830 وهى تعتبر بمثابة مذكرات شخصية حيث تعود إلى قصة الحب التى عاشها المؤلف مع الممثلة الأيرلندية الأصل هاريت سميثون..إذ وقع فى غرامها حين رآها تؤدى دور أوفيليا فى مسرحية هاملت وحاول التعرف عليها دون جدوى فأغدق عليها سيلاً من الرسائل العاطفية، وحينما عادت حبيبته سميثون مرة أخرى إلى فرنسا حاول أن يلفت انتباهها إليه فأعد على وجه السرعة عرضاً للسيمفونية الخيالية آملاً حضورها، وبالفعل حضرت مع شقيقها وكان تأثير السيمفونية عليها كبيراً وخاصة بعد أن علمت أنها هى التى أوحت للمؤلف بالعمل، واستغل برليوز الموقف وعبر لها عن مشاعره واستطاع فى النهاية أن يستولى على عواطفها ووافقت على الزواج منه لتنهى هذه المعاناة التى كانت سبباً فى إمتاع الجمهور بهذا الإبداع المميز. وبالفعل كان هذا الحب بمثابة الشعلة الأولى التى توهجت من خلالها سيمفونيته الخيالية والتى تتكون من خمس حركات الأولى تمثل معاناة المؤلف وحياته البائسة بدون حب إلى أن التقى بمعشوقته والثانية تمثل الفرحة والسعادة التى عاشها مع تلك المحبوبة واستخدم فيها المؤلف إيقاع الفالس الراقص الذى يعبر عن السعادة، وتظهر بعد ذلك الحركة الثالثة معبراً فيها عن ابتعاد حبيبته عنه بدون أسباب معلومة وذلك من خلال إيقاع المارش، ثم الحركة الرابعة التى وصفت معاناته لهذا الفقدان ومحاولته للانتحار، وتختم السيمفونية بالحركة الخامسة المبنية على خيال المؤلف وكأنه فى مدينة السحرة ووجد محبوبته وحاول الانتقام منها بقتلها. وقد كانت صورة المحبوبة تتخلل كل الحركات مرتبطة بلحن موسيقى معين كى يستطيع المستمع تمييز أحداث القصة التى يحاول المؤلف طرحها. وكتب برليوز أيضاً

 

مؤلفه (العودة إلى الحياة) وأراد به أن يكون تكملة للسيمفونية الخيالية التى مات البطل فى نهايتها، وبعدها كتب الدراما السيمفونية (روميو وجولييت) للأصوات المنفردة والكورال والاوركسترا عام 1839 وفيه يسترجع برليوز بالموسيقى المشاعر العارمة التى اجتاحته عندما رأى سميثون على المسرح فى اللقاء الأول، وهكذا عظم هذه المشاعر ووثقها للتاريخ من خلال عمل موسيقى خالد على مر الزمن.
وحينما نتمحص مقولة «لم أستطع أن أفهم روح الموسيقى إلا بالحب» نجد أنها الرؤية والفلسفة للموسيقى الألمانى العالمى ريتشارد فاجنر الذى عرف عنه علاقاته الغرامية المتعددة والتى ترجمها فى أوبراته الشهيرة مثل تانهوزر، بارسيفال، تريستيان وايزولده حيث تمتزج الموسيقى بولع الحب واللهفة مع مشاعر اليأس والألم ..وهناك قصة حب سرية فى حياة الأسطورة شيطان الكمان الإيطالى نيكولو باجانينى والتى ربطت بينه وبين إحدى معجباته التى داومت على حضور حفلاته ووعدها بإهداء عمل موسيقى يجسد مشاعره، وبالفعل كتب واحدة من أهم أعماله والتى قدمها بنفسه لأول مرة للجمهور بعنوان «مشهد حب» والتى تعزف من خلال وترين فقط من أوتار الآلة ليعبر كل وتر عن قطبى هذه العلاقة فالأول هو تعبير عن عاطفة امرأة شابة فى صورة فينوس أما الثانى فيعبر عن عاطفة لغة محمومة لعاشق متيم وهو أدونيس، ويعتبر هذا العمل من أنجح الأعمال التى استطاعت أن تجسد واحدة من علاقات الحب المتعددة التى عاشها هذا المؤلف العبقرى من خلال نموذج جديد من المؤلفات التى أبدع فيها بلغة الحوار بين الحبيبين، فكان بمثابة علاقة غرام فى حالة عشق مجسدة على وترى آلة الفيولينة بسحرها الخاص وقدراتها على التعبير وتجسيد كل شخصية، وهو ما يترجم أيضاً عبقرية باجانينى فى تعامله مع هذه الآلة التى أفشى كثيراً من إمكاناتها التكنيكية والتعبيرية على حدٍ سواء. وأخيراً نأتى لقصة الحب الشهيرة بين علمين من أعلام القرن العشرين وهما ملكة الأناقة والموضة كوكو شانيل وبين الموسيقى الروسى إيجور سترافنسكى والتى تابعناها فى فيلم «كوكو شانيل وايجور سترافنسكى» إخراج جان كونين والذى وضح العلاقة العاصفة بينهما ومدى تأثيرها على إبداع كل منهما، فالحب عادة هو جوهر الإبداع. وفى عالمنا العربى كان الحب وراء إبداع حقيقى ومتجدد فى عالم الموسيقى والغناء، ولعبت الثنائيات العاشقة دوراً كبيراً فى إثراء تاريخنا الفنى بعدد لا بأس به من الأغنيات التى فجرت طاقات هائلة من الأحاسيس والمشاعر المتدفقة بين المحبين سواء انتهت هذه العلاقات بالزواج أم أنها استمرت حبيسة الصدور، لكنها أفرزت إلهاماً صادقاً فعلى سبيل المثال الثنائى الغنائى الشهير ألمظ وعبده الحامولى بكل إبداعهما فى القرن التاسع عشر وما لهما من تأثير على الأجيال التالية، وفى القرن العشرين مع تألق كوكب الشرق أم كلثوم ظهر عشاقها ومحبوها ممن تعاملوا معها وقدموا لها أروع أغانيها مثل أحمد صبرى النجريدى وقدم لها أغنيات منها اللى انكتب على الجبين لازم تشوفه العين، يا كروان والنبى سلم، بجانب عشق الشاعر أحمد رامى والذى برع فى كتابة قصائدها كجددت حبك ليه، هجرتك، دليلى احتار، أما محمد القصبجى فلم يكن مجرد عازف أو ملحن فقط وإنما وقع فى حبها وعشقها وقدم لها بعض الأغنيات منها رق الحبيب، صباح الخير، ما دام تحب، ولم تكن أم كلثوم وحدها التى تربعت على عرش قلوب محبيهما، وإنما نجد فايزة أحمد حظيت بقلب محمد سلطان وتزوجا وأنجبا عدداً من الأغنيات الرائعة التى جسدت حبهما سوياً منها رسالة من امرأة، خليكوا شاهدين، دنيا جديدة، أيضاً دويتو وردة وبليغ حمدى كعلاقة حب وزواج من أصدق وأشهر زيجات الوسط الفنى والغنائى وقدم بليغ لمحبوبته مجموعة رائعة من الأغنيات التى ما زالت تشجى مسامعنا لما تتضمنه من مشاعر إنسانية صادقة كما فى أحبك فوق ما تتصور قبل زواجهما، ثم وثق الزواج وكان الفن شاهداً على الحب فى طب وأنا مالى، العيون السود، لو سألوك بلاش تفارق. كذلك علاقة الحب التى توجت بالزواج بين صوت السماء السيدة فيروز وزوجها الملحن والموزع عاصى الرحبانى واللذين لمعا فى العالم العربى لتميزهما سوياً فى كل ما قدم على الساحة، حيث تميزت هذه المدرسة بالتجديد والتطوير مع قصر مدة الأغنية، وتناولها قضايا وموضوعات متنوعة أثرت الحياة الغنائية بروح جديدة عصرية وغير تقليدية كما فى زهرة المدائن، نسم علينا الهوا، باكتب اسمك يا حبيبى وغيرها الكثير. إنه الحب الذى يصنع المعجزات، ويفجر طاقات وملكات الإبداع ليخرج شعاع الأمل ليلامس الوجدان، فينتفض معلناً عن مشاعر صادقة تترجمها الكلمات والألحان لننعم بالموسيقى غذاء الروح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.