الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

تجاربي في الحب *

0 66

بقلم: الدكتور زكي مبارك

وهل عرفت الحب، حتي أتحدث عما بقيت فيه من مفاتن وطيبات وما عانيت من مكاره وأهوال؟

إنها شائعة لفقها المرجفون الآثمون الذين زوروا باسمي كتابا اسمه” حب ابن أبي ربيعة” وكتابا اسمه “مدامع العشاق”

أنا أحب ؟ ومن الذي يحمل أثقال الواجب، وأعباء الحياة؟ بل من الذي يصحح كراريس التلاميذ وينشئ المقالات للصحف والمجلات فيقضي النهار في الدرس، والليل في الإنشاء؟

أنا أحب؟ومن الذي يحقد ويبغض ويؤذي خلق الله في الصباح والمساء؟

أنا أحب ؟ وكيف وكبدي أقسي من الصخر، وقلبي أصلب من الحديد؟

قولوا غير هذا، واطلبوا تجارب الحب من رجل سواى

فإن كنتم في ريب من جهلي بالحب فانظروا كيف أصف الحب، لتعلموا أني ماذقت الهوي ولا الجوي ولا عرفت الشغف ولا الشعف

الحب عاطف نبيلة لا تعرف غير كرائم النفوس الحب لغة روحية يفهمها القلب عن القلب وينقلها الروح إلي الروح، وتسري نشوتها في الأفئدة سريان الصبا في الغصن الحب معني نبيل في لفظ نبيل، الحب قبس من الصهباء في كأس من الماس، الحب لمحة من لمحات السحر الذي يفيض به الوجود في ليلة قمراء الحب أرق وأنضر وأطيب من مطلول الأزهار ومنضور الرياحين الحب نغمة حلوة عذبة تناغي السرائر وتناجي القلوب الحب هو الكأس التي عناها سلطان العاشقين إذ يقول:

يقولون لي صفها فأنت بوصفها خبير، أجل عندي بأوصافها علم صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى ونور ولا نار وروح ولا جسم علي عمره فليبك من ضاع عمره وليس له فيها نصيب ولا سهم

الحب نعيم يلبس ثوب البؤس أو بؤس يلبس ثوب النعيم، الحب عاطفة عاصفة ما حقة ما يدري الرجل أهي نعمة أم نقمه ولا يعلم أهي هدي أم ضلال وإنما يعرف أنها كلمة سحرية تزلزل العزائم وتدك الجبال.

الحب هو ائتلاف روحين، وامتزاج قلبين و انسجام نفسين الحب هو أن تذوب القسوة في كوثر الحنان، وأن تأنس الأسود إلي فتك الظباء الحب هو أن تصير قلباً شفافا تجرحه النظرة، وتفتنه الخطوة ويأسره الدلال الحب هو أن تكون دنياك كلها ملكا لمن تحب الحب هو أن تخاطر بالملك في سبيل من تحب أترونني وصفت الحب؟ لا أظن ذلك، وكيف يصف الحب من لا يحب أشهد صادقا أنني لم أعرف الحب، ولكني مع ذلك أعترف بأن لي شمائل تشبه شمائل المحبين، فأنا رجل يفضل الحسن على القبح، وهل في هذا بأس؟ وأؤمن بأن الوجه الأصبح أجمل من الوجه الوقاح وهل يلام من يقول بذلك؟

وأعتقد أن العيون النواعس أحب إلي القلوب من عيون الحلاليف وهل في هذا خلاف؟ وأرى أن القد الرشيق أملح في العين من الجسم المغلوط وهل في هذا الرأي غلط؟ وأجزم بأن المبسم العذب أحلى وأعذب من الأفواه السود، فهل أنا في هذا مخطئ يا أرباب العقول؟

أنا لا أحب لا أحب، ولكنني رجل فاتك النظرات، وما كان ذلك عن فجور أو فسوق، وإنما هي فلسفة لم يعرف مثلها الناس في شرق ولا غرب أنتم تؤمنون بحقوق الحواس فيما تأكلون وما تشريون وما تلبسون، وأنتم تحبون أن تكون منازلكم وملابسكم ومطاعمكم ومشاريكم دليلا علي ما عندكم من ترف الأذواق، وفيكم من ينفق ألوف الدنانير لينعم بالعيش في منزل أنيق وفيكم من يرحل من بلد إلي بلد ليظفر بأكلة شهية أو شراب عتيق!

فما رأيكم إذا قصرت أنا شهوات الحواس علي حاسة واحدة، هي حاسة البصر الغالي؟

ما رأيكم إذا استغنيت عن أكل التفاح اكتفاء برؤية لونه في الخدود؟ مارأيكم إذا صدفت عن جميع التحف العاجية اكتفاء بحلاوة الجيد، مارأيكم إذا انصرفت عن جميع الغرائب الفنية اكتفاء بما أري من بدائع الجمال؟

أنتم تمتعون أسنانكم بالنهش والتهس، والخضم والقضم، وأنا أمتع عيني بالمنظر الجميل، فيا يعد ما بيني وبينكم في دنيا المفاتن، وعالم الأذواق أنتم ترحلون من مكان إلى مكان في السيارات وفوق ظهور الجياد، وتتخيرون في الغالب أقصر سبيل، وأنا لا أمشي إلا في الطريق الذي أعرف أن أرضه حنت وأنت تحت أقدام الملاح.

أنا لا أحب. لا أحب أحداً وإنما أحب نفسي ومن حب النفس أن ألا تقع العين علي ما يسوء، وإنما تقع علي ما يفتن ويشوق، وهل يكون الطائر أعقل مني، إن الطائر لا يقع إلا علي الغصن الرطيب!وهل يكون النحل أعقل مني، إن النحل لا يمتص من الأزهار غير الرحيق!

من أنا في دنيا كم، يابني آدم يا أكلة اللحم والبقل، ،ياخلفاء بني إسرائيل الذين زهدوا في المن والسلوي، وسال لعابهم شوقا إلي العدس والبصل والفول، من أنا في دنياكم يابني آدم؟ أنا في دنياكم غريب لأني أعيش علي الحب والنسيم أعيش علي الحب؟ لا، أنا لا أحب أحداً، وإنما أحب نفسي، وقديماð قلت:

ولما صار ود الناس ختلا وأوحش ربعهم من بعد أنس

ولم أظفر علي جهدي بحر تركت هو اهمو وصحبت نفسي أنا لم أحب ولم أعرف الحب لأن قلبي أعظم من أن يحب، ولم يخلق إلي اليوم وجه يكافئ ما في قلبي من صراحة الصدق، ونمير الحنان وأين يقع قلبي إذا شاء أن يحب؟ أين يقع ولم يبق في هذه الأرض حسن مهذب ولا جمال مصون؟

وهل خلت الدنيا من المحاسن هيهات!  إن الدنيا تموج بالفتن ولكن الحسن الذي يضارع ما في  قلبي من عناصر العطف والسحر والروعة والفتون لم يخلق فاطر الأرض والسماء وما أكذب الحسن فقد شهدت منه نماذج يدوسها قدمي وهي طيعة راضية، ولكني مازلت أتكبر وأتجبر، وأطغي وأستطيل لأن الحسن الذي يأسرني لم يشهده هذا الوجود لا أكذب الحسن فقد قطفت منه أطايب نفيسة لم يقطفها أحد سواي، ولكن كيف يدينني الحسن وفي قلبي شاعرية هي أنضر منه وأسحر وأفتك وفي نفسي كرم هو أبقي منه علي الزمن وأجدر منه بالخلود .

فإن كنتم في ريب من ذلك فاسألوا كيف يعيش من قصرت عليهم هواي، سلوهم كيف استطابوا الغفوات وأنا أساهر النجم لأناجي المعاني، وأتحدث في الهوي، فأشرح الجنون وماذا عند أهل الجمال؟ إن الحب في قلب العاشق أشرف من الحسن في وجه الجميل أنا أحب؟ قولوا غير ذلك واطلبوا تجارب الحب من رجل سواي ألست أنا الذي رفع الحجاب عن أصول الحقائق حين قال: إن الدمع في عين العاشق كالسم في ناب الثعبان فإن رأيتموني أبكي من الحب فاعلموا أني أفعل ذلك لأخدر الفريسة كما يفعل الأفعوان حين يلدغ الفريسة ليخدرها بالسم فيبتلعها بلا عناء.

ماذا لقيت من الحب؟ لا تسألوا ماذا لقيت، فذلك حساب تثقل فيه الموازين، ولكن اسألوا ماذا عانيت في الحب من سفه الطيش وعنف الفتون.

أنا اليوم صريع الغيرة، وأنا اليوم قتيل الهموم، أنا اليوم شهيد الشجون اليوم يصحو المخمور ويستيقظ الغافي، ويفيق المتبول

اليوم أتلفت فأجد رفاقي تقدموا وتخلفت وأشهد أني كنت من الخاطئين.

لو  أنني أنفقت في سبيل المجد بعض ما أنفقت في سبيل الحب لكنت اليوم رئيس الوزراء وداعاً أيها الجمال وداعاً أيها الحب وفي ذمة الله عمر ذهب، وشباب ضاع! وفي سبيل من في سبيل الغادرين الخاتلين من أهل الصباحة وأرباب الجمال

تسألون عن تجاربي في الحب؟ إنه تجارة خاسرة، وأرض موات

فإن كان في القراء من يعقل فليسمع الموعظة من رجل دفع ثمن التجربة من دم الصبا وعافية الشباب لقد جربت الحب، وهأنذا أخرج من دنياه صفر اليدين، فمن اغتر بالحب يعد ما حذرته وأنذرته فهو مضيع مغبون.

وكنت أحب أن أطيل في شرح هذه الموعظة، ولكني مع الأسف مشغول القلب بغرام جديد ولعلي أحدثكم عن أهواله بعد حين !

أتحسبونني تبت؟ هيهات هيهات!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*يناير 1937

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.