الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

تطور أشكال التعبير .. عن العشق والحب فى الأدب

0 47

كتب :شعبان يوسف

التغير والتطور والتحول سمات تلحق بكل شىء فى كل أشكال الحياة منذ قديم الزمن، بل إن تلك الأشكال تلاحق وتسابق الزمن بكل السبل والوسائل. ذلك التغير الذى يلحق بكل شيء ويلاحقه، للدرجة التى تفرض على المرء الذهول أحيانا، وتجعله يضع مقارنات عديدة بين القيم والتقاليد والأعراف فى كل الأزمنة، تلك التقاليد والقيم التى تغمر الحياة بكل ما ومن فيها، فتشمل الرجال والنساء والأطفال والحياة الاجتماعية كلها.

كذلك نجد أن قيمة الحب وتطور أشكال التعبير عنه فى كافة فنون الأدب تتغير وتتحول وتتطور، حتى تصل فى بعض الأحوال إلى النقيض، من الكتمان والتستر، إلى البوح والإعلان، وهذا يدل على أنه كان يتم تصويره على أنه نوع من الخروج على الحياة التقليدية، وكان مرتبطا بفكرة وقيمة الشرف، ولدينا حكايات وقصص وأشعار كثيرة تؤدى إلى هذه المعانى، منذ امرئ القيس إلى عنترة بن شداد إلى كثير عزة وأبى نواس وبشار بن برد الذى اشتهر عنه بيت الشعر الذى يقول:
(أذنى لبعض الحى عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحيانا)

وهو كان يخص أذنه لأنه كان ضريرا كما هو معروف، وكذلك لم يذكر من التى يعشقها كنوع من الكتمان.
وبالطبع تكاثرت الكتابات والقصص والحكايات فى مجال العشق فى كتب كثيرة، وكان من أشهرها كتابا «العقد الفريد» و«الأغانى» للأصفهانى، وهى كتب تتضمن قصصا كثيرة، وكانت قصص العشق والحب متضمنة، أما الكتاب الذى فاقت شهرته الآفاق، وجاء متخصصا فى فن كتابة العشق، هو كتاب (الألفة والآلاف) لابن حزم الأندلسى، ولأن الظروف لم تكن ممهدة تماما لإنشاء أفكار من هذا النوع الجديد والمبتكر، فآثر المؤلف أن يذكّر قارئه بأن الدين لم يحرم الحب أبدا، وراح يعرّف ذلك الحب بمعانيه الواسعة والمتعددة، ويدخل من أبواب مختلفة ليصل إلى ضالته المنشودة، فيتحدث عن حب القرابة، وحب الطمع فى الجاه ، وحب العشق والتحاب فى الله، حتى يصل إلى مبتغاه وهو حب الرجل للمرأة والعكس.
وهكذا راح ابن حزم يلف ويدور حتى يستطيع الدخول إلى موضوعه المنشود، وهو يفرق بين العشق والشهوة، فالشهوة ماهى إلا الاستحسان الجسدى، والاستطراف البصرى الذى لا يتجاوز الألوان ، فإذا استنفدت الشهوة، وتجاوزت الحد وتكشفت بعدها «اتصال نفسانى تشترك فيه الطبائع مع النفس»، سمى ذلك عشقا، كما تذكر د. سيزا قاسم فى تحقيقها لذلك الكتاب الفريد فى الأدب العربى، وبالطبع موضوع دراسة «الحب والعشق» عند العرب، خاضت فيه

أبحاث ودراسات كثيرة، وربما جاءت الحقبة التى نعيشها منذ أوائل القرن العشرين، وابتكار أساليب أخرى فى فن الكتابة، فلم يشهد حقل الدراسات الأدبية ذلك الأمر بشكل موسع، رغم توسعه وتعمقه فى الحياة الاجتماعية، وكذلك فى فنون التعبير المختلفة.
وأصبح من المعلوم أن الأديبة «مى زيادة» كانت محورا لكتابات كثيرة لشعراء ومفكرين ونقاد وساسة وعلماء من طراز د طه حسين وعباس العقاد واسماعيل صبرى وأحمد لطفى السيد وشبلى شميل وغيرهم، وهى لم تكتب إلا للكاتب والشاعر جبران خليل جبران، وهناك قصص كثيرة تروى حول عشاق «مى» الذين لم يتبادلوا معها ذلك العشق، بل ظلوا مستغرقين فيه مع أنفسهم.
بالتأكيد أن تلك النظرة للنوعين من الحب كانت موجودة وقائمة وفاعلة فى ذلك الزمان، ولا نستطيع أن نفصل الظرف التاريخى الذى مهد لذلك الصراع بين حب الجسد، وحب المعنى، وكانت كتابات كثير من التنويريين الأوائل قتلوا تلك القضايا بحثا، فمنذ كتابات قاسم أمين ومحمد فريد وجدى والشيخ محمد عبده وأنطون الجميل وغيرهم تفتح آفاقا رحبة فى ذلك المجال، حتى رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل كانت خارقة للمجال القديم، رغم البعد الرومانتيكى الذى كان سائدا على شخصيات الرواية، والصور الريفية التى كان هيكل يزوقها ويبدع لها رونقا خاصا، ولكنه بالتأكيد لم تكن الأجواء مختلقة أو مصطنعة تماما، فهناك جزء من الحقيقة كان يضفى جوّا من المصداقية، وراح هيكل يصف بعض مايحدث، رغم حداثة التصريح بذلك المستوى من الكتابة والجرأة.
ولو تأملنا ذلك الوصف الدقيق والذى يكاد يكون تفصيليا فى امتداداته فيما بعد، سنجد أن ذلك كان حديثا فنيا شجاعا على ذلك الزمان فى عام 1911، ولم يكن غرض محمد حسين هيكل من عدم وضع اسمه على الرواية متعلقا بأن فن الرواية لم يكن فنا شريفا، أو أن هناك تعارضا بين فن الرواية ووظيفة المحاماة، ولكن العزوف عن وضع الاسم واقترانه بالرواية، كان له علاقة بتلك الأجواء والحوارات والتحليلات والتأملات التى ساقها وصاغها هيكل ببراعة وتقدمية راقية فى ذلك الزمان، وجدير بالذكر بأن الرواية العربية الحديثة التى ظلت تنتصر مرحلة بعد مرحلة، خرجت من معطف «هيكل»، ذلك المعطف الذى شرّح العلاقات الاجتماعية والعاطفية بوعى سابق لعصره، وإن كانت العصور التى أتت بعد ذلك شهدت أشكالا أخرى من التقدم.
ورغم التقدم الذى أحدثته أقلام ومواهب وإبداعات استثنائية، مثل توفيق الحكيم الذى ساق شخصية «محسن» فى «عودة الروح» 1933، وهواجسه ومشاعره المرتبطة بأجواء ثورة 1919 الوطنية، وكان ذلك خطا جديدا فى الرواية، لأن ذلك الخط توغل فيه محفوظ، وهو الخط الذى يربط بين الحب والعشق والهوى والسياسة، إذن لم يكن الحب منفصلا عن الظروف الاجتماعية والسياسية، ولم يكن منفصلا عن وجهة نظر المجتمع، فنجد أن رواية مثل «بداية ونهاية»، وهى إحدى الروايات الأربعينية، ساقت الظلم الذى وقع على «نفيسة»، حيث أنها لم تتحقق على المستوى العاطفى، فتجاوزت رغم أنفها العلاقة العاطفية والحب والعشق، إلى تسليم نفسها لواحد من الجيران، ذلك الجار المتواضع من الناحية الطبقية، والذى غرر بها، ولم يمنحها قلبه كما منحته جسدها، فكانت عارا على أخوتها، وخاصة شقيقها الضابط الذى كانت روحه تحمل طموحات كبيرة، ودفعت الثمن بأنها ألقت بجسدها فى النيل، ذلك الجسد المذنب والمهان والمهدورة حقوقه، ألقت بذلك الجسد الجريمة فى هوة الأبدية.

 

هنا تأتى مسألة الحب والعشق عند نجيب محفوظ مرتبطة بسياقات اجتماعية وسياسية أخرى، فنحن نجد ذلك يتكرر بأشكال مختلفة فى رواياته التالية، وخاصة رواية «اللص والكلاب»، والتى تشرح تفاصيل الروح الثائرة ضد اغتصاب الحب والطمأنينة والجسد، نجد أن الدفاع عن الحب، ماهو إلا دفاع عن الحياة نفسها، هذه وجهة النظر التى ظلت سائدة عند نجيب محفوظ وكل من جايله، قبل أن تصبح قيمة الحب والعشق قيمة مستقلة ومنفصلة بشكل ما عند كتاب آخرين، فالحب والعشق مطلوبان لذاتهما، بغض النظر عن الملابسات، وهذا ما أبدعه ادوار الخراط، وهو أحد الأحجار الثقيلة التى ألقى بها التطور فى مياه الفن والرواية، فمنذ أن نشر مجموعته القصصية الأولى «حيطان عالية» عام 1958، ثم مجموعته القصصية الثانية «ساعات الكبرياء» عام 1972، ثم روايته الأولى «رامة والتنين» عام 1979، وانتشرت طريقة خاصة بالتعامل مع الحب والعشق والجنس، فالحب أصبح حبا لذاته، ونجد أن ذلك عمل على تحرير اللغة والموضوع من الزوائد التى راحت تتعلق بالكتابة الروائية، وكأن الحب يتم وفق صفقة اجتماعية أو سياسية، وإن كان ذلك كان يحدث فى كثير من الأحيان، ولكنه كان يضع قيمة الحب ومعناه وفق هذه الاعتبارات الأخرى، وليس لوجه الحب ذاته، وهنا تبرز شخصية «ميخائيل» كأجمل عاشق أتت به الرواية العربية الحديثة، فهو عاشق فى تطوحاته وجنونه وتأملاته وتحليلاته، ورامة ليست إلا مساحة من الضوء يكسر بها الظلام الذى كان يخيم على روحه، ومساحة من الحقائق الكونية المتتالية التى تفضح كل أشكال الكذب البطافية على السطح، ونجده يخاطبها بكل الصفات والمعانى وتنتقل معه وفقا لمعايير الروح الطائرة والجسد الطازج، وليس تبعا لقوانين اجتماعية وسياسية دخيلة.
وأعتقد أن هذين التيارين أو الخطين، قد سارت فيهما كل أشكال السرد فى مصر، الحب المرتبط بسياقات خارج قوانينه، والتيار الحديث الذى جاهد من أجل اكتشاف القوانين الداخلية التى تحرك الروح وتدفع الجسد إلى صبواته.
وحتى الروايات التى راحت تبحر بعيدا فى الأزمنة القديمة، مثل رواية «سفر البنيان» لجمال الغيطانى، وقد اكتشف من خلال رحلاته الفنية الكثيرة فى التاريخ المملوكى، فيكتشف ونكتشف معه ، أن بعض الأمراء فى العصر القديم عندما كانوا يمارسون الحب مع الجوارى، كانوا يخلعون ثوب الإمارة تماما، ليس الثوب الخارجى، بل كان يخلع مع ذلك الثوب كل ثياب الطبقة والقيادة وربما الدين، لكى يجعل الحب خالصا تماما لوجهه، بل كانت قيمة الحب هى التى تجعله، الحب هنا فاعل وليس مفعولا، وقائد وليس مقودا، ولا توجد تلك القوانين المرتبطة بالدين والسياسة والمصلحة والوضع الاجتماعى إلا عند لا يريد الحب أن يتوج كمؤسسة.
وهنا تأتى قصة «الله محبة» لإحسان عبد القدوس، وهى قصة فارقة، وتعبر عن الصدام العنيف الذى يقع بين الحب كمساحة طبيعية ، وبين القوانين والتقاليد والأعراف التى فرضها السياق التاريخى والدينى، حيث البطل المسيحى الذى يحب فتاة مسلمة، لا يجد أى مستقبل لاستكمال قوانين الطبيعة.
الرواية العربية عالجت تلك الإشكاليات بتوسع وتنوع مدهشين، يحتاجان إلى مجلدات لبحثها وتحليلها وتأملها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.