الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

ثلاثية نجيب محفوظ.. أجيال من العشاق

0 141

كتب :مصطفي بيومي

ليس مثل ثلاثية نجيب محفوظ فى تعبيرها الدقيق الشامل، على الصعيدين الفكرى والفني، عن عمق التحولات التى يشهدها المجتمع المصرى بعد ثورة 1919، التى تترك آثارًا خطيرة فى مناحى الحياة كافة، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، ومن البدهى أن ينعكس الأمر على العلاقات العاطفية التى تتخذ مسارًا مختلفًا عما كان سائدًا من قبل.يقدم نجيب ثلاثة أجيال من العشاق، ذات رؤى ومواقف مختلفة تجاه الحب والمرأة. الجيل الأكبر يمثله السيد أحمد عبدالجواد، الذى يولد فى مطلع السبعينيات من القرن التاسع عشر، والجيل الأوسط يتجسد فى ابنيه ياسين وكمال، المولودين فى بداية وقرب نهاية العقد الأول من القرن العشرين، أما الجيل الثالث فيعبر عنه أحفاد السيد أحمد: عبدالمنعم وأحمد ورضوان، الذين يستقبلون الحياة بعد شهور متقاربة من اشتعال الثورة.
الحب الحسي
لأسباب اقتصادية فى المقام الأول، لا يؤمن أحمد عبدالجواد بتعدد الزوجات. كان أبوه مزواجًا يتوزع ميراثه على زوجاته فلا يبقى للابن إلا القليل، ومن هنا يؤثر العلاقات النسائية المتعددة خارج دائرة الالتزام، ولا شيء فيها إلا التكلفة المادية حيث البذخ فى الإنفاق. لا يرى أحمد فى سلوكه هذا ما يتعارض مع إيمانه الدينى الراسخ، ويتوافق ذلك التوجه مع الازدواجية التى تمثل ملمحًا مهمًا فى شخصيته. عندما ينتقد الشيخ متولى عبدالصمد سلوكه المعيب المناقض للتعاليم الدينية، يرد مدافعًا مبررًا: «لا تنس يا شيخ متولى أن غوانى اليوم هن جوارى الأمس واللائى أحلهن الله بالبيع والشراء، والله من قبل ومن بعد غفور رحيم».

 

منطق هش متهافت بطبيعة الحال، لكن أحمد عبدالجواد لا ينشغل بالبحث عن فلسفة نظرية متكاملة لتبرير ملذاته، المحكومة بقوانين وأعراف يلتزم بها ويجتهد ألا يحيد عنها: «ما ارتضت نفسى يومًا أن تعتدى على عرض أو كرامة قط، والحمدلله على ذلك».
لا يعرف أحمد عبدالجواد من الحب وألوانه المتنوعة إلا العضوى وحى اللحم والدم، لكنه يجتهد فى تهذيب العلاقة والارتقاء بها: «فلم يكن حيوانًا بحتًا ولكنه إلى حيوانيته وهب لطافة إحساس ورهافة شعور وولع مغلغل بالغناء والطرب، فسما بالشهوة إلى أسمى ما يمكن أن تسمو إليه فى مجالها العضوي».
وفق هذه الرؤية، لا يعرف أحمد الحب الذى يتجاوز الجسد، والنساء الكثيرات فى حياته «شريكات فراش» فى المقام الأول. ليس جافًا غليظًا معهن، لكن التواصل الإنسانى تابع للهدف الجنسى الذى يحظى وحده بالاهتمام. فى الوقت نفسه، يراعى الضوابط الأخلاقية منصرفًا عن النساء ذوات الصلة بالأصدقاء والمعارف، فهو لا يفكر فى مرافقة أم مريم، زوجة الجار اللصيق محمد رضوان، إلا بعد وفاة الزوج فى أعقاب مرض طويل: «زال بموته الشجا الذى اعترض إحساسه بالمروءة فأمكنه أن يذكر نفسه بأن المرحوم لم يكن إلا جارًا- لا صديقًا- ورحل».
الانغماس فى العلاقة من بوابة الشهوة الطاغية التى تسيطر عليه، لكن التقييم السلبى الحاد يطل واضحًا معبرًا عن جوهر رؤيته: «هذه المرأة التى باتت أقرب ما تكون إلى فؤاده وأبعد ما تكون عن احترامه فى لحظة واحدة!».
لعل العوادة زنوبة هى الاستثناء فى التجارب العاطفية للسيد أحمد عبدالجواد، فهو يعشقها قبل فترة قصيرة من السقوط فى هاوية الشيخوخة، ويتنازل فى سبيلها عن الكثير مما يؤمن به من مبادئ تحكم علاقاته، وليس أدل على ذلك من تفكيره الجاد فى الزواج، مدفوعًا بالحب والحرص على التمسك بالشابة الجميلة، لكنه يتراجع ويتغير مسار العوادة إلى ابنه ياسين. يعشقها الشاب الذى يحمل الكثير من سمات أبيه، ويمثل زواجهما تجسيدًا لاختلاط الأوراق الذى يليق بمرحلة التحول العاصفة التى تشهدها مصر والأسرة معًا.
ياسين وكمال
يمثل ياسين امتدادًا لأبيه على نحو ما، ذلك أنه لا يعرف إلا الحب الجسدى الخالص، لكنه لا يعيد إنتاج تجربة الأب بمعطياتها جميعًا، لأسباب ذاتية تتعلق بالفارق الشاسع بين الشخصيتين، ولأسباب موضوعية مردها إلى ما يطرأ على الحياة المصرية من متغيرات.
لا يتورع ياسين عن التحرش الفج بالخادم أم حنفي، وهى امرأة فى عمر أمه لا شيء فيها من الجمال، وعندئذ يفكر أحمد عبدالجواد فى أم ياسين ومسئوليتها عن الخلل الذى تتسم به شخصية ابنه: «إنه مسئول عن قوة شهوته أما هى فمسئولة عن نوع هذه الشهوة النزاعة إلى الحضيض»!.
بخلاف أبيه تتعدد زيجات ياسين، زينب ومريم وزنوبة، وخلال علاقاته الزوجية هذه لا يتوقف عن المغامرات الرخيصة وفق المتاح له من إمكانات محدودة. لا يبالى بشيء فى سبيل شهوته، وعندما يتقدم للزواج من مريم، الجارة المطلقة التى لا يمكن الوصول إليها إلا بالزواج، يجد فى أمها صيدًا سهلاً وميسورًا فيتحول إليه، قبل أن يعود ليتزوج الابنة ويطلقها بعد فترة قصيرة، وصولاً إلى الزواج الثالث والأخير من زنوبة، المرأة الواعية الماكرة التى تروضه فيستقر معها. أم مريم وزنوبة من عشيقات الأب والابن معًا، وينهض ذلك دليلاً على التشابه الذى لا يرقى إلى التماثل، فلكل منهما منهجه المغاير.
أمثال ياسين لا يشبعهم الزواج الذى يعنى القيد، والنهم غير المحدود لا يقنع بامرأة واحدة، وبتعبير ياسين نفسه: «أن أكون زوجًا خالصًا للحياة الزوجية هو الموت، منظر واحد وصوت واحد وطعم واحد لا تزال تتكرر وتتكرر.. حتى تنقلب الحركة والجمود سيين، والصوت والصمت توأمين، كلا كلا، ما لهذا تزوجت.. إن قيل إنها بيضاء، ألست ذا مآرب فى السمراء، بل والسوداء.. وإن قيل إنها مدملجة فما عزائى عن النحيلة والجسيمة، أو أنها مهذبة سليلة نبل وكرم فهل عطلت من المزايا ربيبة العربات الكارو؟!».
إنه «ثور فى حظيرة أبقار»، ولا رواع له إلا الزمن والفقر. تفضى الظروف المادية العسيرة إلى الرضا بالتردد على دروب البغاء، وهناك يلتقى بشقيقه الأصغر كمال، الذى يمثل توجهًا مختلفًا عن أبيه وأخيه، بفضل ثقافته الحديثة وأفكاره المتطورة، فضلاً عن خصوصية عشقه الأسطورى لعايدة شداد: «بات يؤرخ بالحب حياته، فيقول: كان ذلك قبل الحب «ق.ح»، وحدث ذلك بعد الحب «ب.ح»..»!.
يعيش كمال حالة حب متطرفة فى رومانسيتها ومثاليتها مع الأرستقراطية عايدة شداد، فهى النموذج المقدس الذى يسيطر عليه ولا يقوى على حب جديد بعد زواجها، ولا يحول موتها دون استمراره فى التشبث بها. يضفى عليها قداسة ترتفع بها عن غيرها من بنات ونساء القبيلة البشرية، ومع وعيه باستحالة الزواج منها لأسباب شتى، فإنه لا يتوقف عن حبه الذى لا نهاية له ولا هدف. لا تبادله عايدة حبًا بحب، لكنها تستمتع بحبه لها وتتحقق من خلاله، وليس أدل على تفرد حبه الاستثنائى من الحوار الذى يدور بينهما بعد أن يعترف بحبه:
«- إن الاعتراف بداية وليس نهاية، إنى أتساءل عما تريد؟
فأجاب بحيرة أيضًا:
– أريد.. أريد أن تأذنى لى بأن أحبك..
فما ملكت أن ضحكت، ثم تساءلت:
– أهذا ما تريد حقًا؟!. ولكن ماذا أنت فاعل إذا لم آذن لك؟
فقال وهو يتنهد:
– فى هذه الحال أحبك أيضًا.
فتساءلت فيما يشبه الدعابة، الأمر الذى أرعبه:
– فيم إذن كان الاستئذان؟».
لا متسع للحب فى حياة كمال بعد عايدة شداد، لكن الغريزة تقوده إلى التردد على دروب الدعارة العلنية، قبل أن يستقر فى البيت السرى الذى تديره القوادة جليلة، عشيقة أبيه فى الزمن القديم. يأنس هناك إلى العاهرة عطية ويألفها، ويوشك على الزواج من بدور شقيقة عايدة الصغرى، لكنه يتردد ويتراجع ويقنع بحياة الثقافة والفكر والأسئلة الفلسفية، مشبعًا غريزته- دون روحه وقلبه- فى لقاء جنسى أسبوعى مدفوع الأجر.
جيل الأحفاد

يتمثل جيل الأحفاد فى ابنى خديجة، عبدالمنعم وأحمد إبراهيم شوكت، ورضوان ياسين أحمد عبدالجواد. ينتمى عبدالمنعم إلى جماعة الإخوان المسلمين، وينخرط أحمد فى منظمات اليسار الماركسي، وينغمس رضوان فى حياة الشذوذ الجنسى والسياسى على حد سواء.
توافقًا مع عقيدته الدينية القوية، التى تشكل جوهر وأساس أفكاره ومواقفه، يتمسك عبدالمنعم بالحب الشرعى «الحلال» الذى لا يشوبه الانحراف والتورط فى الإثم. يتخلص بإرادته القوية من الجارة المراهقة التى تتعلق به، ويصارح أباه وأمه برغبته فى الزواج وهو بعد طالب فى الجامعة لم يتجاوز عامه الثامن عشر! يتساءل الأب:
«- ما وجه السرعة؟
فقال عبدالمنعم وهو يغض بصره:
– لا أستطيع البقاء دون زواج..
فتساءلت خديجة:
– وآلاف الشبان أمثالك كيف يستطيعون؟
فقال الشاب مخاطبًا أباه:
– لا أقبل أن أفعل ما يفعله الآخرون!».
«ما يفعله الآخرون «لا يتوافق مع تدينه وورعه، وبعد زواج قصير من ابنة خالته نعيمة، تموت العروس الشابة فيكرر التجربة مع كريمة ابنة خاله ياسين، ذلك أنه لا يفكر فى «الانحراف» عندما يعيش بلا زوجة!.
يختلف الأمر جذريًا بالنسبة للماركسى أحمد، فالحب عنده وثيق الصلة بالتوافق الفكرى والسياسى الذى يجده مع سوسن حماد، زميلته فى المجلة والانتماء الماركسي. يصارحها بحبه ويظفر بحبها، ولا ينتظر موافقة الأسرة، مندفعًا لتأسيس حياته كما يريد أن تكون، متمردًا على السائد من الأعراف والتقاليد. يسأله الخال كمال عبدالجواد:
«- وهل تزوجت على سنة الله ورسوله؟
فضحك أحمد أيضًا وقال:
– طبعًا، الزواج والدقن على سنن ديننا القديم، أما الحياة فعلى دين ماركس!».
رضوان ياسين حالة خاصة متفردة، فهو شاذ جنسيًا، وينتمى سياسيًا إلى أحزاب الأقلية. كراهيته للمرأة أصيلة راسخة: «المرأة تبدولى مخلوقًا مثيرًا للاشمئزاز»!.
لا علاقات نسائية فى حياته، ولا تفكير فى الحب والزواج. يؤكد لعبدالرحيم باشا عيسى، شريكه فى الشذوذ، أن الإنسان يستطيع أن يعيش بلا امرأة: «ليس الأمر مشكلة!».
………
من أحمد عبدالجواد إلى رضوان ياسين، مرورًا بياسين وكمال وعبدالمنعم وأحمد، تتشكل خريطة الحب فى النصف الأول من القرن العشرين، وهى خريطة متنوعة الملامح، تتسق مع جملة المتغيرات والتحولات التى تشهدها مصر، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، ذلك أن العلاقات العاطفية جزء من النسيج الاجتماعى ولا يمكن أن تنفصل عنه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.