الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

جامعة القاهرة …رموز الوطن مرًّوا من هنا

0 28

كتب : محمد رأفت فرج

 جامعة القاهرة، أعرق وأقدم الجامعات، فهي ثاني أقدم الجامعات المصرية، والثالثة عربياً بعد جامعة الأزهر، وجامعة القرويين، تأسست كلياتها المختلفة في عهد محمد علي، كالمهندسخانة (حوالي 1820) والمدرسة الطبية عام 1827، ثم ما لبثت أن أغلقت في عهد الخديو محمد سعيد “عام 1850م” وبعد حملة مطالبة شعبية واسعة لإنشاء جامعة حديثة أعيد إنشاؤها ومنذ إنشائها وحتى مشوار طويل استطاعت الجامعة أن تتخطى كل الصعاب لتظل شامخة بقبتها العريقة وفي مطالعة لأعداد “مجلة الهلال” العريقة نشرت احتفالية وضع حجر الأساس في الجزء الثامن من السنة الثانية والعشرين العدد الصادر في أول مايو 1914 ويتحدث الموضوع المنشور عن حفل وضع حجر الأساس للجامعة التي تبرعت بأرضها البرنسس فاطمة هانم في بولاق الدكرور  وأكدت الهلال أن الذي يهمها هو تسليط الضوء على هذا الصرح العلمي الذي سينهض باللغة العربية والأدب والفكر والثقافة .

دور التنويريين في إنشاء الجامعة

في أوائل القرن العشرين بدأ رواد العمل الوطني من أصحاب الفكر، ورواد التنوير، أمثال محمد عبده، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وقاسم أمين، وسعد زغلول، في التفكير جدياً لتحقيق حلم طال انتظاره، وهو إنشاء جامعة تنهض بالبلاد، لتكون منارة للفكر الحر، وحجر أساس لنهضة علمية، ومصنع لتخريج الكوادر في كافة التخصصات، لمواكبة التطور العلمي والبحثي في العالم.

 لكن هذه الفكرة وجدت معارضة شديدة من جانب سلطات الاحتلال البريطاني، وخاصة من اللورد كرومر الذي أيقن أن إنشاء جامعة في مصر في هذا التوقيت يعني وجود طبقة مثقفة مستنيرة وواعية تستطيع إدراك أن الاستقلال في ذلك الوقت ليس معناه تحرير الأرض فقط، وإنما هو تحرير الشخصية المصرية والانطلاق بها في مراقى المدنية والحضارة.

وقد ساندت المرأة المصرية قضية التعليم على مدار عصورها، في سبيل النهوض بالمجتمع، وارتبطت النهضة النسائية في مسيرتها الطويلة التي امتدت قرابة القرن ونصف القرن، بقضايا مجتمعية طرحتها ضرورات التقدم، وكان من بين ما شهدته هذه النهضة هو تعليم البنات، تلك النهضة التي ساهمت فيها وبشكل أساسي إلى الآن الأميرة فاطمة إسماعيل – تلك السيدة التي كانت سبباً وأحد عوامل النهضة النسائية فى العصر الحديث ، وكانت واحدة ممن مهدن طريق المشاركة أمام المرأة المصرية  .

والأميرة فاطمة إسماعيل هي إحدى بنات الخديو إسماعيل ، تزوجت عام 1871 من الأمير طوسون بن محمد سعيد باشا والى مصر، وقد تميزت فى حياتها وبين أخواتها بحبها للعمل العام والتطوعي ، فحرصت على المساهمة في أعمال الخير ورعاية الثقافة والعلم ، وقد نقلت هذه الثقافة وتأثر بها ابنها الأمير عمر طوسون الذي كان أكثر أمراء أسرة محمد إقبالاً على العمل العام .

الأميرة فاطمة إسماعيل والجامعة

عرفت الأميرة فاطمة إسماعيل عن طريق طبيبها أن هناك مجموعة من الصعوبات التي تعانى منها جامعة القاهرة، فقررت تجاوبا مع الحركة الوطنية ورعاية للعلم وتشجيعا للعلماء، بوقف مساحة من أراضيها وتبرعت بحوالي 6 أفدنة لإقامة مبنى للجامعة الأهلية ( القاهرة الآن ) ، ووهبت مجوهراتها الثمينة للإنفاق على تكاليف البناء ، فأوقفت ستة أفدنة خصتها لبناء دار للجامعة، هذا بخلاف 661 فدانا من أجود الأراضي الزراعية بمديرية الدقهلية، من ضمن 3357 فدانا خصصتها للبر والإحسان وجعلت للجامعة من صافى ريعها ( ريع 3357 فدانا و4 قراريط و14 سهما )،40% بعد خصم استحقاقات ومرتبات يبلغ مجموعها 5239 جنيها كل سنة، وقدر إيراد هذه الوقفية بميزانية الجامعة بمبلغ 4000 جنيه سنويا .

وأعلنت الأميرة فاطمة أن سائر تكاليف البناء سوف تتحملها كاملة والتي قدرت وقتها بمبلغ 26 ألف جنيه ، وقامت بعرض جواهرها وحليها للبيع ، بعدما أهدتها للمشروع وكلفت إدارة الجامعة أن تتولى بيعها وفقا لما يتراءى لمصلحة الجامعة .

فعندما عرضوها بالجامعة لم يتم التوفيق فى بيعها ، فاتخذوا قرارا بأن يعرضوها للبيع خارج القطر المصري وتشتمل هذه الجواهر على ما يأتي. عقد من الزمرد ، يشتمل على قطع، حول كل قطعة أحجار من الماس البرلنت أصله هدية من المرحوم السلطان عبد العزيز، إلى ساكن الجنان المغفور له إسماعيل باشا، أربع قطع ورثتها من سعيد باشا، سوار من الماس البرلنت، تشتمل على جزء دائري، بوسطه حجر، وزنه تقريبا 20 قيراطا، حوله 10 قطع كبيرة، مستديرة الشكل، والسلسلة التي  تلتف حول المعصم، مركبة عليها 18 قطعة كبيرة، 56 قطعة أصغر منها حجما، وكلها مربعة الشكل، ريشة من الماس البرلنت على شكل قلب يخترقه سهم ، مركب عليها حجارة مختلفة الحجم، عقد يشتمل على سلسلة ذهبية، تتدلى منها ثلاثة أحجار من الماس البرلنت، وزن الكبير منها تقريبا 20 قيراطا، والصغيران يقارب وزن كل منهما 12 قيراطا، خاتم مركب عليه فص هرمي من الماس يميل لونه إلى الزرقة .

وكانت الجامعة قد أوكلت للدكتور محمد علوي باشا ( طبيب الأميرة فاطمة ) عملية بيع المجوهرات، وتمكن محمد علوي باشا من بيعها بسعر مناسب جدا عاد على الجامعة بالنفع الكبير، فقد بلغ إجمالي بيعها حوالي 70000 جنيه مصري على التقريب ، وقد تم الاتفاق مع راغب الشراء والذي أناب عنه بنك الأنجلو إجيبشيان بمصر، ليتسلم الجواهر، ويدفع الثمن، ولكن هذا البنك أراد أن يتسلم الجواهر بغير تعيين نوعى لها، ولا تقدير ثمنها، فرفضت الجامعة التسليم بهذه الكيفية، إلى أن كتب للجامعة بما فيه رفع المسئولية عنها بمجرد التسليم للبنك،  فيتم تسليم الجواهر وتسلم الثمن .

كما أعلنت الأميرة فاطمة إسماعيل تحملها كافة نفقات حفل وضع حجر الأساس، والذي كان سيحمل الجامعة نفقات كبيرة، خاصة وأن الخديو عباس حلمي الثاني قد أعلن أنه سيحضر حفل الافتتاح هو والأمير أحمد فؤاد، وقد نشرت إدارة الجامعة بيانا في جميع الجرائد اليومية المحلية تحت عنوان “نفقات الاحتفال بوضع حجر الأساس لدار الجامعة”، هذا نصه “أبت مكارم ربة الإحسان، صاحبة العصمة ، ودولة الأميرة الجليلة فاطمة هانم أفندم، كريمة المغفور له إسماعيل باشا الخديو الأسبق، إلا أن تضيف آية جديدة من آيات فضلها، فأمرت بأن تكون جميع نفقات الحفلة ، التى ستقام لوضع حجر الأساس لدار الجامعة، في إرسال تذاكر الدعوة، ونظرا لتنازل الجناب العالي بوعد سموه بتشريف هذه الحفلة قد أوصت دولتها بمزيد العناية بترتيب الزينة، مما يليق بمقام سمو الأمير عزيز مصر، ومجلس إدارة الجامعة، لا يسعه تلقاء هذه المآثر العديدة إلا تقديم عبارات الشكر الجزيل، بلسان الأمة، على النعم الكثيرة، التى أغدقتها صاحبة هذه الأيادي البيض في سبيل العلم، ويسأل الله أن يطيل حياتها، ويتولى مكافأتها عليها بالإحسان ) .

وتم افتتاح الجامعة المصرية كجامعة أهلية في الحادي والعشرين من ديسمبر 1908 في حفل مهيب أقيم بقاعة مجلس شورى القوانين حضره الخديو عباس حلمي الثاني وبعض رجالات الدولة وأعيانها. وكان أول رئيس للجامعة هو أحمد لطفي السيد.

 

وفى مساء يوم الافتتاح بدأت الدراسة في الجامعة على هيئة محاضرات، ولما لم يكن قد خصص لها مقر دائم وقتذاك فقد كانت المحاضرات تلقى في قاعات متفرقة كان يعلن عنها فى الصحف اليومية كقاعة مجلس شورى القوانين، ونادي المدارس العليا، ودار الجريدة حتى اتخذت الجامعة لها مكانا فى سراى الخواجة نستور جناكليس الذى تشغله الجامعة الأمريكية حاليا.

صعوبات تواجه الجامعة

ونتيجة للمصاعب المالية التى تعرضت لها الجامعة خلال الحرب العالمية الأولى انتقل مبناها إلى سراى محمد صدقى بميدان الأزهار بشارع الفلكى اقتصادا للنفقات. وقد كافحت الجامعة الوليدة لتقف على قدميها، ولكى تتمكن من إعداد نواة لهيئة التدريس بها بادرت بإرسال بعض طلابها المتميزين إلى جامعات أوربا للحصول على إجازة الدكتوراة والعودة لتدريس العلوم الحديثة بها وكان على رأس هؤلاء المبعوثين طه حسين، ومنصور فهمى، وأحمد ضيف، كما أنشأت الجامعة مكتبة ضمن نفائس الكتب التى أهديت لها من داخل البلاد وخارجها.

نجاحات الجامعة

ونتيجة لما حققته الجامعة الأهلية من آمال كبار عبرت عن تطلعات المصريين، فقد فكرت الحكومة فى عام 1917 فى إنشاء جامعة حكومية وألفت لجنة لذلك أشارت بضم المدارس العليا القائمة إلى الجامعة فضمت مدرستا الحقوق والطب إلى الجامعة فى 12/3/1923، وتم الاتفاق بين الحكومة وإدارة الجامعة الأهلية على الاندماج فى الجامعة الجديدة على أن تكون كلية الآداب نواة لهذه الجامعة.

مراحل تطور الجامعة

فى 11 مارس 1925 صدر مرسوم بقانون إنشاء الجامعة الحكومية باسم الجامعة المصرية وكانت مكونة من كليات أربع هى الآداب، والعلوم، والطب، والحقوق، وفى العام نفسه ضمت مدرسة الصيدلة لكلية الطب، وفى عام 1928 بدأت الجامعة فى إنشاء مقار دائمة لها فى موقعها الحالى الذى حصلت عليه من الحكومة تعويضا عن الأرض التى تبرعت بها الأميرة فاطمة بنت الخديو إسماعيل للجامعة.

وفى 22 أغسطس عام 1935 أصدر المرسوم الملكى بقانون رقم 91 بإدماج مدارس الهندسة والزراعة والتجارة العليا والطب البيطرى فى الجامعة المصرية، وفى 31 من أكتوبر عام 1935 صدر مرسوم بإلحاق معهد الأحياء المائية بالجامعة المصرية، وفى عام 1938 انفصلت مدرسة الطب البيطرى عن كلية الطب لتصبح كلية مستقلة. وفى 23 من مايو عام 1940 صدر القانون رقم 27 بتغيير اسم الجامعة المصرية إلى جامعة فؤاد الأول، وفى 24 من ابريل عام 1946 صدر القانون رقم 33 بضم كلية دار العلوم إلى الجامعة.

من فؤاد إلى القاهرة

وفى 28 سبتمبر عام 1953 صدر مرسوم بتعديل اسم الجامعة من جامعة فؤاد الأول إلى جامعة القاهرة. وفى عام 1955 انفصل قسما الصيدلة وطب الفم والأسنان عن كلية الطب لتصبح كل منهما كلية مستقلة، وفى العام نفسه أنشئ فرع لجامعة القاهرة بالخرطوم ورفرفت أعلام الجامعة على جنوب الوادى.

وتوالى إنشاء الكليات بعد ذلك فبدأت الدراسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى العام الجامعي 60/1961، وفى عام 1962 أنشئ معهد الدراسات والبحوث الإحصائية، وكذلك أنشئ فى نفس العام معهد العلاج الطبيعى الذى تحول فى يناير 1992 إلى كلية العلاج الطبيعى، وفى عام 1964 أنشئ المعهد العالى للتمريض وألحق بكلية الطب، وفى عام 1969 أنشئ المعهد القومى للأورام وفى عام 1970 أنشئت كليتا الإعلام والآثار ومعهد البحوث والدراسات الأفريقية.

وفى عام 1979 أنشئ معهد التخطيط الإقليمى والعمرانى وتحول إلى كلية التخطيط الإقليمى والعمرانى فى عام 1991، وفى عام 1987 تم إنشاء معهد البحوث والدراسات التربوية بجامعة القاهرة، وفى 12 من سبتمبر 1994 صدر القرار رقم (287ب) بإنشاء المعهد القومى لعلوم الليزر الذى يعتبر أول معهد عال لعلوم الليزر وتطبيقاته فى العالم العربى، ثم أنشئت كلية الحاسبات والمعلومات عام 1996.

 فروع الجامعة

ولم يقتصر دور الجامعة على خدمة البيئة المحيطة بها بل امتد إلى المحافظات القريبة منها فأنشأت الجامعة فرعا لها فى محافظة الفيوم يضم كليات التربية، والزراعة، والهندسة، والخدمة الاجتماعية، والدراسات العربية والإسلامية، والسياحة والفنادق، والآثار، والعلوم.

كما أنشأت في فرع الفيوم وبني سويف كليات التجارة، والحقوق، والطب البيطري، والعلوم، والآداب، والتربية، والصيدلة واستقل فرع بني سويف عام 1983، ومازالت مسيرة البناء والنماء ماضية فى طريقها لتظل جامعة القاهرة كما كانت دائما تجسد اعتزاز كل مصري على أرض هذا الوطن.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.