الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

جرجي زيدان.إمام فن “الرواية التاريخية “

0 31

كتب :د.يوسف نوفل

>> كتب أولى رواياته عام 1889 قاصدا نشْر التاريخ بحقائقه روائيا وتشويقيا جامعا بين التعليم والتسلية

>> قدم أكثر من 20 رواية  .. خصص 16 منها لتاريخ العرب والإسلام وأربعا لمصر وواحدة عن الانقلاب العثماني

>> جعل التاريخ “حاكما علي الرواية ” وليس العكس ..مخالفا بذلك “كتاب الإفرنج”

   يمْكن القول، بإيجاز شديد، إن جرجي زيدان(بيروت 1961ـ 1914) علامة في تاريخ التجديد والتحديث في مجالات متنوعة ، منذ هجر دراسة الطب، إلى الصحافة والأدب.

وما كان له أن يحقق  هذا القدر من النجاح  لولا ما أتيح له، أو أتاحه لنفسه، من حسْن اختيار ميدان الانطلاق ومضماره، وقد أظن أن هذا الميدان قام على ركنين أساسيين، هما مجلة الهلال، ثم دار الهلال.

دار الهــلال، ونهضة الفن القصصي..

أنشأ جرجي زيدان دار الهلال، لتصدر المجلات، والسلاسل المتنوعة، وعلى رأسها( روايات الهلال)، التي شهدتْ الدور الريادي لزيدان في مجال الرواية التاريخية، متأثرا بالكاتب الإنجليزي ” وولتر سكوت”، والكاتب “إسكندر دوماس” الأب؛ تفاعلا مع ما شبّ معه منذ بداية حياته، حيث كان يهفو إلى سماع القصص الشعبي من الحكواتي، وحيث أتاحتْ نشأة جرجي زيدان في لبنان له رؤية أمثال إبراهيم اليازجي ، وعبد الله  البستاني في المطعم الذي يملكه أبوه ، والنهل من علمهم، ومكّنه انتظامه في جمعية (شمس البرّ) الأدبية التي أنشئتْ في بيروت سنة 1869، واختلاطه بأعضائها طلبة الكلية الأمريكية من

الإصرار على الالتحاق بها في مدرسة الطب ، ثم انصرف إلى دراسة الصيدلة ، ودراسة اللاتينية ، وانتسب للماسونية ، مثل كثيرين في عصره ، وألّف كتابا عنها، وهاجر إلى مصر سنة 1883، ضمن أفراد الموجة الثانية من المهاجرين الشوام إلى مصر؛ فرارا من ممارسات السلطان العثماني بعد الموجة الأولى ممن أسسوا النهضة الصحفية والسياسية ، وعمل مترجما في قلم المخابرات البريطاني، ورافق الحملة الإنجليزية النيلية إلى السودان سنة 1884، وأنعم عليه بالميدالية الإنجليزية، والنجمة المصرية، ولما عادت الحملة إلى مصر سنة 1885سافر إلى بيروت فتعلم العربية والسريانية، واختير عضوا بالمجمع العلمي الشرقي، وزار لندن سنة 1886مترددا على المتحف البريطاني والمكتبات والمجامع العلمية هناك، ثم عاد إلى مصر في شتاء العام نفسه فتولى إدارة أعمال المقتطف 1986حتى استقال سنة 1888.

وقد ارتبطتْ الرواية التاريخية بالرومانسية، بمثل ما ارتبطتْ بالتاريخ؛ اهتماما بالفرد، وبالجانب الإنساني فيه، ومن هنا اهتم النقاد بدور الرواية التاريخية منذ اهتمت الرواية التاريخية الأوروبية باستلهام التاريخ القومي والوطني في ماضيه البعيد، لمعالجة القضايا المعاصرة.

في  المحاولات الأولى من الرواية التعليمية المصرية حاول مؤلفوها التوفيق بين التراث العربي والإسلامي من ناحية، والحضارة الأوروبية من ناحية ثانية ، اتجه المهاجرون الشوام نحو الغرب، وكان من بينهم جرجي زيدان الذي لم يكن متجها لإحياء الماضي القديم منذ كتب أولى رواياته سنة 1889قاصدا ـ كما عبّر في مقدمة رواية (الحجاج بن يوسف الثقفي) ـ نشْر التاريخ ، بحقائقه ، روائيا وتشويقيا جامعا بين التعليم والتسلية، ثم تتابع إنتاجه؛ لينال شهرة فائقة في مجالات متعددة ، نقصر الحديث فيها على رواياته ، إذْ لقّبه أنيس الخوري المقدسي ” إمام هذا الفن”، ورأى سهيل إدريس أنه دون منازع خالق الرواية التاريخية ، وألمع وجه بين وجوه الروائيين التاريخيين ، وصاحب التأثير الأكبر فيهم ، وعلى ذلك كان إجماع منْ كتبوا عنه ، وهم كثْرفي قراءاتهم أعماله الروائية ، حيث أبدع منذ سنة 1894 أكثر من عشرين رواية تاريخية ، طبعتْ طبعات عديدة . كان نصيب تاريخ العرب والإسلام منها ست عشرة رواية ، ونصيب تاريخ مصرالحديث أربع روايات ، وما يصور الانقلاب العثماني رواية واحدة سنة 1908، عدّها بعضهم ثلاثا وعشرين رواية ، وتنقص واحدة ، أو اثنتين عند آخرين .

 

وفي مقدمة (الحجاج بن يوسف) ما يفصح عن هدفه الفني والاجتماعي في قوله : ” قد رأينا بالاختيار أن نشر التاريخ على أسلوب الرواية أفضل وسيلة لترغيب الناس في مطالعته والاستفادة منه ، وخصوصا أننا نتوخى جهدنا في أن يكون التاريخ حاكما على الرواية، وليست الرواية حاكمة عليه ، كما فعل بعض كتبة الإفرنج ، ومنهم من جعل غرضه الأول تأليف الرواية وإنما جاء بالحقائق التاريخية لإلباس الرواية ثوب الحقيقة فيجره ذلك إلى التساهل في سرد الحوادث بما يضل القراء. وأما نحن فالعمدة في روايتنا على التاريخ ” .. مشيرا إلى توظيف التشويق بالقصة الغرامية…. تحت عنوان (روايات تاريخ الإسلام) ، وهذا لم يمنع من سيطرة المغزى الاجتماعي والسلوكي على نحو ما أوضحتْه الإشارات التي تحملها أغلفة رواياته مثل ما نقرؤه على غلاف روايته “جهاد المحبين ” رواية غرامية ، تصور مأساة من مآسي المحبين ، وما يقاسونه في سبيل الحب ، ثم كيف يجزوْن على صبرهم ووفائهم ، وتدور الدوائر على أهل البغي والعدوان ، وهي تدور حول قصة حب بين سالم وسلمى ….إلخ”.

وحديثه عن رواية المملوك الشارد 1891بجمعها بين سرد حوادث مصر وسوريا …تغيب وتذوب أمام قصة الحب بين غريب وسعدى، وحديثه عن رواية أسير المتمهدي 1892لوصف ما بين مصر والسودان في الربع الأخير من التاسع عشر تصبح داخل قصة حب بين شفيق وفدوى”، وحديثه عن رواية أرمانوسة المصرية 1895أنها عن فتح مصر والإسكندرية على يد مرو ،  داخل قصة حب بين أرمانوسة المصرية وأركاديوس الرومي . وهكذا تمضي رواياته جميعها في إطار غرامي ، هو وعاء كلمته التاريخية .            نال الكاتب ، بأعماله مجتمعة ، وبرواياته التاريخية ، اهتمام القراء والدارسين على حد سواء ، في العالم العربي بأسْره ،كما أثّر برواياته التاريخية في ناشئة الأجيال ، من القراء والمبدعين سواء أكان ذلك في حياته ، أو بعد رحيله ، ولم ينل من قوة ذلك الاهتمام تعاقب السنين.

 

وفي حدود ما بلغه الفن السردي في عصره ، خطا بالرواية التاريخية خطوة ، ثم فتح الباب أمام الروائيين العرب من بعده، وكان القصد من تلك الروايات تعليميا تاريخيا في قالب سردي مشوق ، إذْ أدار أحداثه ، وحرّك شخوصه حول عقدة ، أو قضية، في شكل عاطفي غرامي قاصدا انتصار الخير على الشر.

وقد حرص دائما على إثبات مصادر مادته التاريخية ، قاصدا جعل رواياته مصدرا تاريخيا ، مع رجوعه للأساطير الشعبية ، وحرصه على عنصر المغامرة ، وحرصه على تلخيص موضوعها التاريخي عقب عنوانها، ومضى السرد عنده في أسلوب سهل يفهمه المتخصص وغير المتخصص.

وقد  تعدد الرأي النقدي حول أعماله، فنيا وموضوعيا ، وكادت بعض الآراء تجعله مؤرخا لا روائيا ، ورأى البعض أنه ملتزم بالإطار التاريخي والحضاري مستعينا بمصادر التاريخ متخذا من الخط العاطفي الغرامي محورا ثانويا خاضعا للقدر، مستمدا من التراث القصصي الشعبي الذي دار حول أخبار الحب والمحبين، وكثيرا ما تفقد الشخصيات نموها وتطورها الفني، حسبما رأى كثير من الباحثين، ومنهم محمد يوسف نجم، وسهيل إدريس، وعبد المحسن بدر، وغيرهم.

وقارئ رواياته يدرك ، دون عناء، أنه لم يلجأ إلى المواقف والأزمنة المشْرقة بقدر ما لجأ إلى غيرها، ويراه مصوّرا الصراع السياسي، غيرمختار من شخصيات العصر أنضرها وأجودها ، حتى عزا البعض ذلك إلى تأثره بالمؤرخين الغربيين ، والمستشرقين، ولهذا جاءت بعض عناوين رواياته مشيرة إلى الناحية الغرامية، أو المغامرات، حتى لكأنها الهدف المنشود في مسيرة سرده الماضي منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحديث قاصدا المرجعية التاريخية،ملخّصا هدف الرواية مع عنوانها، وفي ذلك كله يخْفت صوت الانتماء العربي والقومي، فهوفي مقدمة “أرمانوسة المصرية ” يشيد بإقبال القراء عليها “لأن موضوعها عن مصر”.

 

  ولعل دراسة الدكتورعبد الحميد إبراهيم الوافية ضمن مشروعه الكبير (الوسطية) أشمل ما دار حول تقييم الموقف الفكري لزيدان في أعماله الروائية ، والذي تناوله دارسون سابقون في مظان متعددة، هذا الموقف الذي سماه ـ بحق ـ تغريب التراث، ويتمثل ذلك في تغريب الموضوع ، وفي تغريب الرؤية الفنية، حيث تحوّل التراث إلى خلفية يقوم بدور”الديكور”لقصة غرام، والتسلل إلى وجدان القارئ بلا مباشرة بتوظيف الخيال ، والمفاجآت، والرومانسية، والمغامرات، والنزعة الشعبية، واسترضاء القارئ ، وإيراد أحداث التاريخ الإسلامي على ألسنة أعدائه، وإظهار المسلمين متخلفين، يهتمون بالغنائم والبذخ والترف والمتع، وإعجابه بآراء المستشرقين، والزهو بالحضارة الغربية، والانحياز لها، وفي المقابل نجد الانتقاص من النموذج الإسلامي ؛ فهو، مثلا، يقف مع اليونانيين ضد العثمانيين في “المملوك الشارد”، ويهتم بالصراع الحضاري بين حضارة العرب والمسلمين من جانب، وحضارات الفرس والروم والإسبان من جانب آخر، حتى جعل الصراع حضاريا في الأندلس، وبدا مثل ذلك في تصوره مواقف الصليبيين، وفي التعمية على الدور الساطع للشخصية العربية الشهيرة “صلاح الدين” الذي لم يردْ بطلا ْ، وزاحمه الاهتمام بمكائد الحشاشين ، بينما ظهرتْ رموز الخير من الشخصيات الأوروبية، وهكذا غاب الهدف القومي.

وفيما كتبه زيدان من مقالات بالهلال ( فبراير 1893، وديسمبر 1869، وأكتوبر 1901) ما يبين أن موضوعات الروايات في عصره كانت تدور حول الخيال العلمي والاقتصاد والسياسة، وتاريخ العمران والقصص البوايسي والتاريخي والاجتماعي والغرامي، أما هو فحاول أن يوظف التاريخ تعليميا وحرص على ذكر قائمة المراجع في صدر رواياته.

ويجمع الدارسون على فقدانه الانتماء إلى العروبة وإلى المصرية فيما قدّم من روايات ، آية ذلك أنه لم يلجأ إلى الفترات المشْرقة في التاريخ، بل اتجه إلى الحقب المضطربة سياسيا ومذهبيا، كما أنه حطّ من شأن بعض الشخصيات، وانحاز لما هو غير عربي، واحتفل بعنصرالصراع، والدس والمؤامرات، والكيد والقتل وتأثر بآراء المستشرقين، وكأنه يريد تشويه صورة المسلمين؛ بسبب اعتماده على ما شاع على ألسنة عامة الوراقين ، والأخبار غير الممحّصة.

ومع الإقرار بدور زيدان الريادي ، ورغبته في تعليم التاريخ لأنصاف المثقفين ، فإنا نتفق مع ما ذهب إليه دارسوه وناقدوه، وتساؤلاتهم عن مدي التزامه بالحقيقة التاريخية حول الشخصيات الإسلامية، والتراث الإسلامي ، وعن درجة الأمانة العلمية التاريخية، وهل التغيير كان بمبعث فني ، أم أيديولوجي، أم بقصد التزييف.

ومن المبالغة الزعم بتصديه لبعث التراث ، ومن الحقيقة أنه قصد إلى التسلية والتعليم، وجذْب القراء الذين ازدادت أعدادهم من خلال شكل روائي مستحدث ، في ظل توجه رومانسي يقوم على دعائم من الغرام والعاطفة، وأساطير شعبية قد تكسوها المصادفات التي تتعارض مع حقائق التاريخ .

وقد نتفق مع الدكتور عبد الحميد إبراهيم فيما أوجزنا عرضه، لكنْ يبقى لي بعد ذلك أنْ نتساءل.. هل يقوم العمل الفني والإبداعي بتصوير الجانب الإيجابي ، وطمس الجانب السلبي؟ ، هل يهتم ، ويقتصر، على الدفاع ، والتبرير، والتجميل ؟.أمْ يقوم بالنقد والتهكم ، والمناقشة والتقويم والتوجيه والتبصرة. سؤال يطرح نفسه من الناحية الفنية البحتة.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.