الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

جيش مصر في ذاكرة الهلال حكايات التضحية والفداء ..

0 122

كتب :لواء / د.مصطفى كامل

عبر قرن وربع القرن ، لم تكتف الهلال بكونها شاهداً علي الحياة الثقافية لمصر والوطن العربي ، بل تمدد دورها لتقدم لقرائها بانوراما كاملة عن مصـر.. باعتبارها أول دولة قـوميـة عـرفتها الـبشرية ، والتي  شهدت  عام 5500 قبل الميلاد قيام أول حكومة مركزيـة فى تاريخ البشرية تُدير شئون البلاد ، وتضبط تصرفات مياه النهر، كما شهدت عام 4242 ق.م تأسيس وبناء أول عاصمة فى تاريخ البشرية تتمركز فيها حكومة مركزية لإدارة شؤون البلاد والعباد (مدينة أون)، واتخذت هذه الحكومة  التقويم الشمسى لتنظيم شئون الزراعة النشاط الرئيسى للإنسان المصرى آنذاك..

ومنذ ذاك التاريخ السحيق كان طبيعيا قيام الحكومة ببناء جيش قوى يتولى الدفاع عن الدولة ويحمى مكتسباتها، ومن وقتها سطر الجيش تاريخ مصر بأحرف من نور فى جميع عصورها، وأصبح من العـسيـر إن لم يكن من المستحـيـل تناول تاريخ مصـر القديم أوالوسيط أوالحديث والمعاصر بمنأى أو بمعـزل عن تاريخها العـسكرى الذى تجسد فى توحيـد القطرين ، وتأديب المعـتديـن ، وطرد الهكسوس ، والتصدى للتتار، مرورا بالدفاع عن المقدسات الدينية المسيحية والإسلامية فى بيت المقدس إبان ما يُعـرف بالحروب الصليبية، وصولا إلى حماية ثوراتها وغير ذلك من الأحداث الجسام ، ولسنا هنا بصدد تسجيل تاريخ مصر بأكمله، لكننا سنعرض قـليلا مما سجله التاريخ الحديث والمعاصر وفى إيجاز شديـد .

الباشا والكولونيل .. رحلة التأسيس

سجل التاريخ الحديث قيام محمد على باشا ببناء جيش مصرى خالص، واستقـدم له المعـلـمـيـن والمدربـيـن الـفـرنـسـيـيـن، وجهزه وأنشأ الترسانة البحرية وبنى أسطولا بحريا قويا، فتوسعـت فى عـهده حدود مصـر وضم فلسطين والشـام والحجاز شرقا حتى إذا استولى على الحبشة جنوبا تآمرت عـليه الدول الكبرى، فاجتمعـوا فى لندن وانضمت إليهم الدولة العـثمانية ووقـعـوا معـاهـدة لندن 1840 والتى تقضى  بعـودة مصـر إلى حـدودها، على أن يبقى حكم مصـر وراثيا لأسرة محمد عـلى باشا لترضيته.      وكان من بين من استقدمهم محمد على باشا من المدربين والمعـلمين الفرنسيين الكولونيل ” جوزيف إنسليم سـيـف ” المشهود له بالكفاءة العالية بين أقرانه من ضباط البحرية الفرنسية، والذي شارك نابليون بونابرت فى معـظم حروبه ، وأحيل إلى التقاعـد عام 1815 ، فاستعان به محمد على في هيكلة وتنظيم وإعادة تشكيل الجيش المصرى والإشراف عـلى تعـليمه وتدريبه، حتى أصبح المعـلم الأول ” كبير المعـلمين” فى

 

المدرسة الحربية التى تأسست عام 1811، وأصبح الكولونيل قـدوة لتلاميذه وجنوده ، وتعـرض للاغـتيال ذات مرة على يـد طلبته لجديته وحماسه وإخلاصه فى التدريب ، فوقف بينهم مخاطبا  ” ما كان عهـدى بكم أن يكون فى صفـوفكم جبان أو خائن ، فـهـذا سيفى فقاتلونى، فإن فـزتم عـلىً فـهـو مـا أرضاه لكم من شـرف الجندية المصرية ، وإن فزت عـليكم ، فليس لى عـليكم إلاَ الطاعة والالتزام ” فالتف طلبته حوله معـتـذريـن فأعـلن إسلامه وأطلق عـلى نفسه” سليمان أغـا “.

وعنـدما رغب إبراهيـم الابن الأكبر لمحمد عـلى باشا فى الانضمام إلى صفوف طلبة المدرسة الحربية، رفـضه  الكولونيل فى أول الأمر، ثم عاد ووافق عندما رأى منه إصرارا شديـدا ورغـبة أكيـدة ، فاشترط عـليه أن يكون متساويا مع أقرانه فى الحقوق والواجبات، وألاٌ يكتسب أى مـيـزة لكونـه ابن والى مصر حتى لا يُسىء إلى شرف الجـنـديـة المصرية ، فانصاع إبراهـيـم ، والتزم  حتى صار مثالا للطاعـة والجديـة، واكـتسب حـب واحـتـرام الـجـمـيع، واسـتـحـق أن يكون الطالب الأول طوال مراحل دراسته، واستحق أيضا أن يكون قائـدا عـظيما سجل اسمه بأحرف من نور فى سماء العسكرية المصرية، لكنه توفى فى نفس عام ولايـتـه ، حيث حكم مصـر فى حياة أبيه عام 1848، وقـام بتطـوير المدارس الحربية، وقام بتطوير الجيش المصرى ، وذهب بجزء منه إلى المكسيك وكان قاب قوسين أو أدنى من فتح القسطنطينية ، ولولا مؤامرة القوى العظمى لكانت تركيا إحدى ولايات مصر وهو ما لم يدركه أردوغان سلطان العثمانيين الجديـد حتى الآن .

طلب  الكولونيل سيف نقل المدرسة الحربية من أسوان إلى إسنا ، حيث قام بتخريج أول فـوج من الضباط فيها، وتم توزيعهم على مراكز التدريب فى صعـيـد مصر ، وطلب من محمد على باشا أن يتولى تدريبهم بنفسه ، وقام بتشكيل 6 آلايات “جمع آلاى ، والآلاى وحدة أكبر قليلا من الكتيبة ” برئاسة هـؤلاء الضباط ، حيث أنعـم عليه محمد عـلى برتـبـة الأميـرآلاى ، وعـينه قائدا على الآلاى السادس الذى إشترك به فى حرب المورة ثم فى الحرب السورية الأولى والثانية، وأبلى بلاء حسنا فأنعم عليه محمد على برتبة الباشوية ولقٌب بـ ” سليمان باشا الفرنساوى” ، وأصبح مصـريا خالصا وتزوج من مصرية  .

 

أصبح  سليمان باشا بعـد ذلك مفـتـشا عاما على جميع المنشآت والوحدات العسكرية ، وكان قـد أنشأ المدارس العـسكرية التخصصية مثل مدرسة البحريـة ، ومدرسة البيـادة ( المشاة ) ، ومدرسة الطوبـجـيـة ( المدفعـية ) ومدرسة السوارى ( الفرسان ـ المدرعات الآن ) ، ومدرسة الهندسة ومدرسة الموسيقى ، ومدرسة أركان الحرب ، فكان ما أنجزه هذا القائد العظيم الذى انتمى إلى مصر هو النواة الحقيقية التى نجنى ثمارها الآن .

تولى إسماعـيل باشا حكم مصر بعـد وفاة إبراهيم ، فسار على نهج أبيه وجده، بل وتفوق عليهما فى التخطيط العـمرانى والتنمية العمرانية، أما فى المجال العسكرى فقد أعاد الروح للجيش المصرى ، وأعاد تجهيزه وأحسن إعـداده حتى وصل به إلى أعالى النيل وهضبة البحيرات ، ورفع العلم المصرى قائلا هنا تقبع الحدود المصريـة ، هكذا أدرك هذا القائد الذى تم تشويه صورته الذهنية أن صيانة جوهر الأمن القومى المصرى تكمن فى الحفاظ على الأمن المائى، وأعاد إنشاء جميع المدارس الحربية وزاد عليها، فأنشأ مدرسة المبارزة ـ الرماية الآن ـ فى 1864، وفى 1865 أعاد إنشاء مدارس السوارى ، والمدفعـية ، وأركان الحرب ، وفى سنة 1868 أنشأ مدرسة الطب البيطرى وضمها إلى مدرسة السوارى بعـد ذلك ، وفى عام 1874 أنشأ كلا من مدرسة الأسلحة والذخيرة ، ومدرسة ضباط الصف ، كما أنشأ مدرسة التلغـراف العسكرية ، ومدرسة الإشارة فى 1879 ، فلما أدركت الدول الأوروبية آمال وطموحات إسماعـيل الذى أعاد لمصر مكانتها ، وبنى إمبراطورية تآمرت عليه مثلما تآمرت على جده وقامت بعـزله.

وفى يناير 1892 تولى عـباس حلمى الثانى المشهود له بالوطنية والكفاءة وانتمائه وولائه لمصر فاهتم بالثقافة والتعـليم، كما اهتم بشئون العـسكرية المصرية، فأصٌل وأصدر القوانين ، وحدد المسؤليات والاختصاصات خاصة للمدرسة الحربية فذاع صيـتـها وكان من أبرز خريجيها فى عهده حافظ إبراهـيـم ( شاعر النيل ) ، وحيدر باشا ( وزير الحربية فى عـهد الملك فاروق ) ، ويوسف نجيب ( والد اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية المصرية ) .

 

سجل من نور

أما التاريخ المعاصر فـقـد سجل نوعا آخر من الإسهامات التى شاركت بها العسكرية المصرية ، حيث شهدت مقاومة وإجلاء قوات الاحتلال، وقيام الضباط الأحرار بحركة يوليو 1952 التى باركها ودعمها الشعب وحولها إلى ثورة شعبية، وكان أحد الأهـداف الرئيسية لحركة الضباط الأحرار هو بناء جيش وطنى قوى،  وهـو ما أزعج الدول الأوروبية ( بريطانيا وفرنسا ) فانتهزتا صدور قرار تأميم قناة السويس ، فأوعزتا إلى إسرائيل ببدء فعاليات عـدوانهم الثلاثى على مصر فى 1956 ، وقاموا بتدمير مدن الـقـنـاة الثلاثـة ، وانتهى هذا العـدوان بانسحاب القوات المعـتدية من جميع الأراضى المصرية بعـد الإنذارين الأمريكى والسوفييتى، ثم قامت إسرائيل بعـد ذلك بشن حرب يونيو 1967 ضد مصر بدعم كامل من القوى الغربية ، حيث تمكنت إسرائيل من احتلال سيناء ووصلت إلى الضفة الشرقية للقناة، وهنا حددت القيادة السياسية رؤيتها الاستراتيجية  لمرحلة الحرب القادمة ما أخذ بالقوة يسترد بالقوة فكانت إيذانا لإعـداد الدولة لحـرب لا ريب فيها ، وتم تحديـد الهدف الاستراتيجى ، إعادة بناء القوات المسلحة وإعـدادها والتخطيط لاستخدامها وتحرير الأرض  ، وكان لابد من تغطية فـتـرة إعادة بناء وإعـداد وتجهـيـز القوات المسلحة بأعـمال قتال نشطة ، فكانت حرب الاستنزاف ، أو حرب المواجهة الحقيقية مع القوات الإسرائيلية ، إذ لم يكن الجندى المصرى قـد واجه الجندى الإسرائيلى مواجهة حقيقية فى حربى 1956،1967  فكانت حرب الاسـتـنـزاف هى المرحلة الافـتتاحية الحقـيقيـة لحرب استعادة الكرامة الـقـومـيـة ، واندمال الجرح القومى ، حرب أكـتـوبـر 73 أو الحرب التى تمكنت فيها القوات المسلحة المصرية أن تثبت جدارتها فى التخطيط والبناء والتعبئة والـحـشـد والـفـتـح الـتعـبـوى والإستراتيجى ، الحرب التى أدت إلى دحض نـظـريـة الأمن الإسرائيلى المطلق القائـم على ضرورة تحـقـيـق الـتـفـوق عـلى الـدول العـربـيـة مجـتـمعــة ، الحرب التى دمر فـيـها خـط بارلـيـف الحصـيـن ، وهـزم فيها جـيـش إسرائيـل الذى لا يقهـر ، الحرب التى غـيـرت مفاهـيـم ورسخت مفاهـيـم ومبادئ وأسس إستراتيجية جـديدة ، فأصبحت نتائجها جديرة بالدراسة فى جميع المعـاهـد ومراكز الدراسات الإستراتيجية فى العـالم .

كما وقفت القوات المسلحة بجوار شعبها تدعمه وتؤازره فى ثورة 25 ينايـر 2011 التى اختطفها التنظيم الدولى للجماعة الإرهابية، وفى ثورته فى 30 يونيـو، ويسعى حثيثا إلى استعادة الاستقرار الأمنى والسياسى للدولة ، واستعادة توازن المكانـة التى فـقـدتها إبان عام الظلام الذى حكمت فيه الجماعة الإرهابية بعـد أن استولت على الحكم ، وتعاونت مع القوى الإقليمية غـيـر العربية ( تركيا وإيران وإسرائيل وإثيوبيا ) حتى تجنى مزيـدا من المكاسب لصالح مشروعها الأممى ، ويسعى الجيش إلى تجفيف منابع الإرهاب مهما تعدد شهداؤه ، ورغم ذلك فقد ارتقت العسكرية المصرية مرتبة متقدمة فى قائمة ترتيب أقوى الجيوش العالمية فى تصنيف مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية ، حيث تبوأت المرتبة العاشرة عالميا فى تقييمات بعض هذه المراكز ، والمرتبة الثانية عشرة فى تقييمات بعضها الآخر .

كان ذلك غيض من فيض تاريخ العسكرية المصرية ، تاريخ يتشرف به كل مصرى ، تاريخ ضارب بجذوره فى أعماق تاريخ البشرية، ولم تكن الهلال غافلة هذا الدور بل كانت أعدادها حافلة بتسجيل تلك الإنجازات ولعل أبرزها العدد الخاص الذي صدر في فترة رئاسة تحرير الكاتب الصحفي محمد الشافعي والذي تحدث عن بطولات العسكرية المصرية .

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.