الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

حديث مع الآنسة مى

0 50

الحجاب والسفور – مى فى الطليعة – “الصالون” – غرس الصبا – تطور المرأة – كيف ابتدأت تكتب – المسلمة والمسيحية – نزعات الأدب الحديث ونزغاته”

من علامات الرقى النسائى فى مصر وسوريا أن القائلين بحرية المرأة لا يقتصرون على الرجال كما كانت الحال أيام قاسم أمين بل يشملون عدداً كبيراً من النساء لا يقلن بالسفور فقط بل يمارسنه.. فهن يكتبن المقالات ويؤلفن الكتب بأسمائهن ويخرجن إلى العالم ينظرنه وجهاً لوجه وليس من وراء حجاب كما كانت تفعل أمهاتهن وجداتهن.

ففى مصر وسوريا عشرات من الفتيات والسيدات السافرات ومنهن عدد غير قليل قد دخل فى ميادين النشاط الخاصة بالرجال.. وقد كان السبق فى هذا الميدان للمرأة المسيحية لأن الرسالات الدينية التى أسست المدارس فى سوريا وفلسطين أتاحت لها التقدم على المرأة المسلمة وليس ذلك لأن هذه المدارس كانت تمنع الفتيات المسلمات من دخولها بل لأن الآباء كانوا يخشون أن تتزعزع عقائد بناتهم بالتعليم المسيحى.

ويجب أن نذكر أن القائلين بالسفور ينظرون من ورائه إلى مغزاه وهو حرية المرأة ودخولها فى أعمال الرجال وتعليمها وحرية الاختيار فى الزواج والقدرة على تنظيم بيت حديث ومعاونة الزوج فى أعماله والقدرة على إدارتها عند وفاته بلا حاجة إلى تعيين وصى يسلب أولادها القصر ما خلفه لهم أبوهم ثم اشتراك المرأة باعتبارها إنساناً عاقلاً فى حياة الأمة المدنية وتمتعها بحقوق الرجال.

مى فى الطليعة

والانتقال من الكلام عن الحجاب والسفور إلى الكلام عن مى هو طفرة تشبه الانتقال من تعليم الحروف الأبجدية إلى تعليم الفلسفة.. فللآنسة مى ثلاثة عشر كتاباً فى الأدب والاجتماع والتاريخ والنقد بعضها وضع بالفرنسية.. وكلها تقرأ فى جميع الأقطار العربية لذلك الأسلوب الجميل الذى يتسم به كل ما تكتبه ولهذه المقاصد السامية التى ترمى إليها على الدوام من الدعوة إلى الوفاق والبر والرغبة فى الرقى وتلك الوطنية الحارة التى تستشف فى مقالاتها.. وليست وطنيتها مقصورة على مصر أو سوريا بل هى وطنية للشرق أساسها العطف الذى هو سمة المرأة وضعفها.. فهى لا تقول بأن عادات الشرق خير من عادات الغرب أو ثقافته خير من ثقافة أوروبا فإن نظرة مجملة إلى مكتبتها تنبئك بعكس ذلك.. ثم هى فى معيشتها تعيش العيشة الأوروبية وهى تكلمك بعربية مصرية وتستعين على الإفصاح بإشارات تكاد تكون فرنسية مما يدل على أنها تفكر أحياناً باللغة الفرنسية.

وقد ذكرت لها ثلاثة عشر كتاباً ولكن مى فى حديثها تنطق بالشائق المعجب الذى يلتمع كالشرر من ذكائها والذى قلما يوجد مثله فى كتبها.. فإذا أردت أن تعرف علة ذلك لم يطل بك البحث حتى ترده إلى تلك البيئة الشرقية التى نبتت فيها والتى تعيش الآن بين ظهرانيها ولهذه البيئة قيود واصطلاحات ومخاوف تجعل الكاتبة تشعر أنها آنسة وأنها يجب أن تحسب للنقد وتخشى منه ما لا يخشاه الشاب ولسنا نذكر مى على سبيل الطراز والمثال للنهضة النسائية فإنها نسيجة وحدها ليس بين الكاتبات فى مصر أو سوريا من تدانيها فى سعة الثقافة وبراعة الكتابة.. ولكنها على كل حال فى الطليعة للنهضة النسائية.. وإذا كان فخر المرأة العربية فى تاريخ الأدب أن يقال إنها كانت تكتب كالرجال فإن مى لا تفخر بمثل هذا الفخر فإنها تمارس الأدب لكى تعبر عن نفسها عفو طبيعتها فهى تنظر إلى العالم نظرة المرأة لا نظرة الرجل ومن هنا قيمتها وفائدتها لأنها بذلك تزيد الثروة الأدبية من حيث النوع لا من حيث الكمية.. وما أجدر الكاتبات المبتدئات أن يقتدين بها فإننا لسنا فى حاجة إلى نساء يكتبن كالرجال ويحاكينهن فى الأسلوب والفكر والنزعة كأنهن الصدى لأصواتهم ولكننا فى حاجة إلى تلك المرأة التى تخاطبنا عفو نفسها وطوع سجيتها بلا محاكاة للرجل.. وليس شك فى أن هذا الطريق محفوف بالمصاعب والمشاق لأن المرأة الجديدة لا تجد فى التاريخ العربى سنداً يؤيدها فإن جميع الكاتبات والشاعرات من عهد الخنساء إلى عائشة التيمورية كن يكتبن كالرجال.

وقد أجازت الأمم الأوروبية حقوق التصويت والانتخاب للمرأة لا لكى تزيد الأعداد فى القوائم بإضافة أسماء النساء إلى أسماء الرجال بل لكى تنتفع بنظرة المرأة فى الحياة إلى جانب نظرة الرجل فهى لا تقصد إلى زيادة الكمية بل ترمى إلى الانتفاع برأى قد يخالف رأى الرجال وقد يكون من الخير السير عليه.. وهذا ما نرغب فيه من الأديبات فى مصر وسوريا فنحن ننشد من أدبهن أن يكون نسائياً نقف منه على نظر المرأة كما نرى فى أدب الآنسة مى.

الصالون

تضع الآنسة مى أحسن التقاليد للمرأة العربية فى أدبها ومعيشتها ولها “صالون” تستقبل فيه ضيوفها وهو من الرحابة والتأنق فى الأثاث بحيث يشغلك فى التأمل والتفكير فى هذا الذوق السليم الذى يجمع بين هذه الطرف من صور وتماثيل.. وتستقبلك الآنسة مى بوجه صبوح يفيض بشراً وبشاشة وتنظر إليك بعينين تتألقان ذكاءً.. ولم يعد لها ذلك التاج المجيد الذى كان لها من شعرها فإنها جزته لأنها مع عطفها على الشرق لا تستنكر الأزياء الغربية التى تعتمد الآن على الثوب القصير والشعر المجزوز.

وصالون الآنسة مى بدعة شريفة فى مصر يغشاه عدد كبير من الأدباء ويؤمه الغرباء الذين يحبون أن يقفوا على شىء من علامات النهضة النسائية فى مصر.. وقد زاره هنرى جيمس القصصى الأمريكى وشقيق وليم جيمس العالم النفسلوجى المشهور وكان بصحبته ابن الشاعر لونجفيلو وكان من أصدقائها الذين لا يتخلفون عن زيارتها شبلى شميل ويعقوب صروف وإسماعيل باشا صبرى وولى الدين يكن.. ويدور الحديث فى كل شىء من السياسة إلى الأدب إلى الاجتماع فيلقى المجتمعون من فصاحة لسانها وسرعة جوابها ما يكسب الاجتماع نشاطاً وحياة.

غرس الصبا

قلت: إنى أرى أيتها الآنسة أنه تغلب على جميع كتاباتك تلك العقلية العالمية فهل للتربية الأصلية علاقة بذلك؟

قالت: للتربية وللثقافة علاقة بذلك بل هما الأساس.. فإنى ولدت فى الناصرة من والد مارونى وأم أرثوذكسية فلم يكن ثم مجال فى نفسى للتعصب لأحد المذهبين.. ثم تعلمت التعليم الابتدائى فى مدرسة للراهبات الأجنبيات فى عينطورة.. فلما قدمنا مصر تعلمت على أساتذة كثيرين مختلفى الرعوية.. ولعل معرفتى لتسع لغات قد زادت فى حدود وطنيتى وجعلتنى أنظر إلى العالم كأنه وطنى الأكبر.. ولعل أيضاً سياحتى فى أوروبا قد زادت فى نفسى هذه العقلية.

تطور المرأة

قلت: هل ترين منذ قدومك إلى مصر تطوراً واضحاً فى أحوال المرأة المصرية؟

قالت: ليس شك فى ذلك.. ففى سنة1912م لم تكن فتاة مصرية تجرؤ على أن تضع اسمها على مقال تكتبه فى الصحف أما الآن فهى تفتخر بذلك.. وقد تطورت الملابس واتخذت النساء الأزياء الأوروبية.. والارتقاء واضح جداً فى اجتماعات النساء فقد ارتقى الحديث بينهن وصرن يتكلمن فى السياسة والشئون الوطنية العامة أما قبل ذلك فكان الحديث قيل وقال وهذه تزوجت وتلك تطلقت.. واعتقادى أن الحجاب لم يكن قط بمصر وإنما هناك أزياء تطورت.

كيف ابتدأت تكتب

قلت: كيف ابتدأت فى الكتابة وما الذى لفت نظرك إليها؟

قالت: لما كنت تلميذة فى مدرسة الراهبات بعينطورة كنا نكلف بإلقاء خطب تنشئها لنا المعلمات وتمثل أحياناً بعض القصص الصغيرة فكان هذا يستفزنى إلى التأليف والخطابة حتى اشتهرت فى المدرسة بجودة الإلقاء فى الفرنسية والعربية وظفرت بالجائزة الأولى فى الإنشاء فى هاتين اللغتين.. ولما جئنا مصر وتسلم أبى تحرير المحروسة أخذت أنشر فيها بعض المقالات وشرعت من ذلك الوقت فى درس اللغة وقام فى ذهنى أن أكون كاتبة.. ولما قدم الطيار الفرنسى فيدرين إلى مصر ألفت نشيداً بالفرنسية لاستقباله نشرته جرائد باريس الكبرى فشجعنى هذا على المضى فى التحرير.. وحدث فى سنة 1913م أن احتفل بإكرام الشاعر خليل بك مطران لمناسبة إنعام الخديو عليه بوسام وكان جبران خليل جبران قد بعث بخطبة فى الحفلة فوقع الاختيار على لإلقائها فرأيت نفسى فى جمع حافل من الأدباء فألقيت الخطبة ثم عقبت عليها بخطبة من تأليفى وعطف على الجمع المحتشد فهتفوا لى هتافاً عظيماً جعلنى أزهى بنفسى كثيراً حتى صرت أحلم بأن أكون أديبة كبيرة فأخذت نفسى بالدرس والجد من ذلك الوقت.

المسلمة والمسيحية

قلت: هل ترين فرقاً بين المرأة المصرية والمرأة السورية من حيث النزعة؟

قالت: أجد فرقاً بين المسلمة والمسيحية سواء أكان هذا فى مصر أم فى سوريا.. فالمسلمة فى كلا القطرين إذا تعلمت بقيت شرقية وطنية تصبغ ثقافتها بالصبغة الشرقية أما المسيحية فى مصر أو سوريا فتتفرنج وتنسلخ من الشرق.. وهناك عامل آخر يجعل السورية تتفرنج والمصرية تبقى محتفظة بمصريتها وهو أن مدارس الحكومة كثيرة فى مصر بينما التعليم فى سوريا فى مدارس الرسالات الأجنبية.. زد على ذلك أن تاريخ مصر يعلم فى مدارس مصر أما فى سوريا فتاريخ أوروبا لا تاريخ سوريا هو المادة المقررة فى المدارس.

نزعات الأدب ونزغاته

قلت: ماذا ترين فى الأدب المصرى الحاضر من حيث النزعات والنزغات؟

قالت: أرى أن الأدب المصرى ينزع نحو ثلاث وجهات.. فهو ينزع نحو السياسة والقومية وهذه النزعة عامة لجميع الكتاب.. فالكاتب يكتب عن أى موضوع ووراء ذهنه هم هو هم الوطن فهو إذا كتب عن العلم أو الأدب أو الاجتماع التفت إلى مصر ولم يقنع بالوصف التقريرى كما يجرى فى أوروبا مثلاً.. والنزعة الثانية هى الرغبة فى ثقافة عالمية وهذه النزعة محصورة فى فئة راقية من الكتاب.. فالكاتب من هذه الفئة يرغب فى استيعاب الثقافة العالمية وأحياناً لفرط رغبته فى هذه الثقافة يكاد يناقض نفسه عندما تنزع به النزعة الأولى الوطنية.. أما النزعة الثالثة فهى الرغبة فى الإصلاح الاجتماعى وهى تشمل كل الكتاب تقريباً.

هذا من حيث النزعات أما ما تسميها النزغات فأظن أن أسوأها هو التعصب الحزبى وما يجره من سوء الذوق فى التعبير.. ثم استعمال ألفاظ قديمة تنطوى على معان تنافى روح العصر الحاضر ولا تبتعث فى النفس إلا أسوأ الغرائز وأخيراً أظن أن عندنا طائفة من الكتاب تحتاج إلى التوسع فى الثقافة والاستنارة العامة حتى يقل الكلام ويكثر المعنى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*

– إبريل 1928

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.