الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الدكتور صابر عرب: الحوار بين السلطة والمثقفين لصالح الطرفين

0 53

حوار :خالد ناجح                                                                                                                                                                   يقول الدكتور صابر عرب وزير الثقافة الأسبق، إن هناك فارقا كبيرا بين الثورى والمثقف، وإن المثقفين ليسوا جماعة واحدة، ولكنهم أطياف متعددة، ولذلك فإن مواقفهم تكون متنوعة بين ‏الانضواء والانصهار فى الشكل والمنظومة‏، مشيراً إلى أن الإخوان جماعة سياسية تتخذ من الدين وسيلة لتحقيق أغراضها السياسية، فالإخوان تحت عنوان ‏الإسلام هو الحل يرون ضرورة استلاب الدولة والسيطرة عليها، تحت شعار عودة الخلافة ‏الإسلامية‏.
وأوضح أن المثقف دائماً له موقف من السلطة، وذلك نتاج أن المثقف يعيش فى مثالية ‏عالية، لكن السياسة والسلطة لديهم رؤية عملية على أرض الواقع قد لا يلمسها المثقف، ومن هنا ‏يحدث الالتباس بين المثقف والسلطة.
“عرب” يؤكد أن المقارنة بين الرئيس السيسى وعبدالناصر ظالمة، خاصة لو نظرنا لعدد المصريين فى عهد عبد الناصر وبين عددهم الآن ولكن الدولة الآن تبدأ من جديد فى رسم سياسات لبرامج تنموية جديدة، ووضع رؤى جديدة، مطالباً بضرورة أن يكون فى المستقبل حوار بين المثقف وبين السلطة، لأنه فى غيبة المثقف بعيداً عن ‏السلطة مصر تخسر كثيراً. كيف كانت العلاقة بين المثقفين ومحمد نجيب وجمال عبد الناصر؟
منذ البدايات الأولى للثورة المصرية سنة 1952 كانت هناك جماعة داخل الوسط الثقافى ذات أيديولوجيات وذات رؤى، وتوجهات ومواقف واضحة جداَ وهذا كان نتاج الرؤية الواضحة للنخبة المثقفة فى الفن والثقافة وكافة المجالات الثقافية المختلفة، كانت هناك جماعة متميزة جداً فى كل صنوف المعرفة، وكان طه حسين على رأس هذه الجماعة، وكيف تقبل طه حسين عندما علم بالثورة وهو فى باريس وفق رواية سوزان زوجته أنه قد قفز وقال إنها الثورة ولعل أول من نطق بكلمة ثورة هو طه حسين، وبالرغم من تحمس طه حسين للثورة وكذلك العقاد ومعظم جيل الرواد للثقافة المصرية فى هذه الفترة لكن فى نهايات طه حسين عبر تعبيراً لعله يمثل شكلاً من أشكال الموقف للعديد من المثقفين فى هذا التوقيت حينما كان يزوره أحد أصدقائه وهو على فراش الموت، أودعكم بالقليل من الأمل، والكثير من الألم.
هل كان يقصد من ذلك الثورة أم كان يقصد الوسط الثقافي؟
لعل طه حسين كان ينتظر مجتمعا جديدا تنتشر فيه الديمقراطية وتزدهر أكثر، والثقافة تزداد لكنه وجِه بإجراءات لما يتفق معه، لأن المثقف دائماً له موقف من السلطة، وفى كثير من الأحيان يكون نتاج أن المثقف يعيش فى مثالية عالية، لكن السياسة والسلطة لهما رؤية عملية على أرض الواقع قد لا يلمسها المثقف، ومن هنا يحدث الالتباس بين المثقف والسلطة، فالمثقف حالم، له رؤية مثالية، بعيد عن أرض الواقع، المثقف بعيد عن المشاكل الحقيقية، بالمعنى الحقيقى الذى يلمسه السياسي، ولذلك كثيراً ما يحدث تصادم، ولهذا كان المثقفون بعد الثورة مع جمال عبدالناصر، لكن انتهى الأمر أن الكثير منهم دخل السجون وانتهى الموقف وإن كان الكثير منهم لم يعبروا عن موقفهم لكنهم التزموا الصمت، لعل العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ كانوا من هؤلاء الذين التزموا الصمت، لكن فى أحاديثهم الودية والبعيدة عن الإعلام عبروا عن ذلك.
لماذا لم يدافع المثقفون عن محمد نجيب وهم يعرفون أنه كان يريدها ديمقراطية وتعددية ونسبة كبيرة انضمت إلى جمال عبدالناصر؟.
لأن عبد الناصر كانت له إجراءات بعضها سياسية وبعضها أمنية، جعلته يكتسب قدراً كبيراً جداً من الشعبية، فكثير من المثقفين راهنوا على مصالحهم الخاصة، فوجدوا أن مصالحهم مرتبطة بجمال عبد الناصر، وإن لم يعبروا عن ذلك صراحة لكنهم عبروا تعبيراً آخر أن هذا لمصلحة البلد، ومصلحة الثورة، وهذا الاتجاه الذى كان يتبناه محمد نجيب والجماعة التى وقفت معه هم مناهضون للثورة، والنظام كان شديد العنف فى التعامل مع الطرف الآخر، ولعلك تتذكر المطرب محمد فوزى عندما خرج بشكل مؤيد لمحمد نجيب، وخرج بأغنية شديدة التأييد لنجيب، فى اليوم التالى أغلقت شركته ومكتبه، وأممت الشركة، فهل كانت هذه الشركة تستوجب أن تؤمم ، فلم يكن إقطاعياً لكنه كان فناناً، والفن لا يؤمم، فكثير من المثقفين انتابتهم حالة من الرهبة، والكثير منهم وجدوا أن مصلحة البلد ومصالحهم الشخصية ترتبط بالثورة، والنظام القائم ولذلك ظهر شعراء وكتاب، وفى الصحافة والإذاعة، والتليفزيون عندما ظهر سار كثير فى هذا الاتجاه، على الرغم مما تعرضت له الديمقراطية من نكسات، وكان القضاء واحداً من هذه الأمور وكثير من الكتاب مُنعوا، وكثير من الذين عبروا عن آرائهم ودخلوا السجون، وعلى الرغم من ذلك بعضهم خرج مؤيداً للثورة.
كثير من المثقفين الذين دخلوا السجون خرجوا مؤيدين لجمال عبدالناصر ومعترضين على الرئيس السادات. كيف ترى ذلك؟
هناك فارق بين المثقف والثوري، فالمثقف هو المساحة الرخوة فى المجتمع، بمعنى أنه صاحب رأى وفكر لكنه فى الغالب ليس ثورياً، ولذلك فى أول مواجهة تناله تجده ينضوى أو ينسحب تماماً أو ينخرط فى الحياة السياسية والاجتماعية ومعظم المثقفين لا يواجهون، ولكن وجدوا من الأفضل أنهم يوفقون أوضاعهم مع النظام، وإن كنا فى بعض الأحيان نجد توفيق الحكيم مثالاً ونموذجاً حيث كانت عنده حالة من التمرد وإن كان النظام لم يستطع الاقتراب منه لأنه كان فى أحيان كثيرة يبدو أنه جزء من مؤسسة الدولة وفى بعض الأحيان تجد له كتابات شديدة القسوة، وإن كان النظام أحياناً يترك الأمور قليلاً.
هل كان هذا التنفيس مسموحا لأشخاص بأعينهم: كتاب أو مثقفين أم للجميع؟
أولا: المثقفون ليسوا جماعة واحدة، ولكنهم أطياف متعددة، ولذلك فإن مواقفهم تكون متنوعة بين الانضواء والانصهار فى الشكل والمنظومة وبين الخبث فى الكتابة، ولعل الرئيس السادات هو أكثر الناس إدراكاً لهذه القضية، فى قولته الشهيرة الديمقراطية لها أنياب وهو يريد أن يقول إنه بالديمقراطية تستطيع أن تواجه وأن تفعل كل شيء، وفى أحيان كثيرة تكون الديمقراطية طرف عندما تتعرض الأوطان إلى مشاكل ومخاطر داخلية وخارجية.
وهذا ما فعله السادات فى أواخر السبعينيات عندما تعرضت اتفاقية السلام لبعض الانتقادات الشديدة والتظاهرات وأحداث 77 ؟
بمناسبة السادات، أريد أن أرجع لنقطة مهمة ومحورية، وهى أنه عندما كنا طلابا فى الجامعة كان عندنا مجلة اتحاد طلاب الجامعة وكنت أكتب فيها وكان هناك توجه بالانتقاد الشديد وكان ذلك قبل 73 وكان رئيس تحرير هذه الجريدة الأستاذ محمد سليمة، من الأهرام وكانت هذه الجريدة منتشرة جداً بين طلاب الجامعات وكانت تصل إلى المسئولين فى بيوتهم وعلى مكاتبهم وكانت تمثل رأياً عاماً قوياً جداً فى ذلك الوقت، بعد 73 لاحظ السادات أن هناك تياراً يسارياً من الماركسيين وأطياف اليسار والناصريين، وبدا واضحاً فى الجامعة ونقابات العمال، والأقاليم وبدأت قوة مناهضة للنظام الجديد، وكان ذلك بعد أن نال السادات شهرة واسعة وبدأ يتحدث أن هذه هى آخر الحروب، فوجد أنه من المناسب أن يفتح مجالاً مع التيار الدينى لكى يحدث نوعا من التوازن مع التيار اليساري، وأتذكر جيدا أن صاحب هذه التجربة كان محافظ أسيوط وكان اسمه محمد عثمان لأن جامعة أسيوط هى الجامعة التى شهدت نمواً واضحاً لاتجاه الإسلام السياسى سواء السلفيين أو الإخوان فالسادات قد أعطى محمد عثمان الضوء لكى يطلق هذه القنبلة فى وجه اليسار فترك لهم المجال للعمل فى العلن وهذا الاتجاه قد امتد لجامعة القاهرة، لدرجة أنهم بدءوا الأنشطة التى كانت تقام للطلاب منها الأنشطة الشعرية والنشاط الكشفى ، كانت هذه الجماعات يدخلون عليهم بالجنازير وكانت حالة استقواء شديدة جداً، السادات أخرج هذه الجماعة بعد أن كانت انشقت الأرض وابتلعتهم فى الحقبة الناصرية.
هل كان فى ذهن السادات أن يقضى على الصورة الذهنية لعبدالناصر والتجربة الناصرية عموماً؟
لا .. السادات كان عنده إصرار شديد جداً وحلم شديد جداً أن يحل مشكلة الصراع العربى الإسرائيلى ويجعل من 73 نهاية الحروب، السادات كانت عنده نوايا، وأحلام، بالرغم أنى كنت فى هذه الفترة ضد أنور السادات وكانت هناك مظاهرات شديدة جداً كانت تخرج وأنا كنت أحد هؤلاء، وكنا نكتب ضد أنور السادات، لكن التيار اليسارى عندما وجد أن حرب 73 ستسلمنا إلى التفاوض مع الجانب الإسرائيلى فاليسار كله تجمع، ولم يكتف اليسار بأنهم تجمعوا ولكن تيار الإسلام السياسى والذين أخرجهم السادات من السجون، والذين التقوا فى نقطة تماس مع جماعات اليسار ضد كامب ديفيد.
هل الأخطر على وسطية المجتمع: اليسار أم اليمين؟
التشدد أياً كان خطيراً، فاليسار مطلوب أن يكون فى المجتمع، وجماعات الإسلام السياسى لو مارست سياسة تحت مظلة مثل كل القوى السياسية، لكن عندما تنحرف، إلى العنف والتحريض، وتهديد البلد سواء من اليسار أو اليمين فإنهما يستويان، فالسادات شعر بالخطر من الجانبين، كانت محصلة ذلك أحداث 81 عندما قتلوه، وفى النهاية دفع الثمن ، يعنى التوازن من الصعب أن يحدث خاصة إذا كان هذا الجمع بين اليمين واليسار فى خط سياسى تراه لكن فى النهاية من الصعب أن يلتقى اليمين واليسار فى اتفاق على رؤية السادات وإنما الطرفان أجمعا على أن الخط السياسى الذى يسلكه السادات نحو الاتفاق مع إسرائيل هم غير راضين عنه، فدفع السادات الثمن.
30 سنة هى عمر رئاسة مبارك كيف ترى علاقة المثقفين والسلطة فى عهد الرئيس مبارك؟
الرئيس مبارك كانت لديه فرصة رائعة جداً لكى يحدث نوعاً من السلم الاجتماعى والتنمية، فالسادات تحمل تبعات كل القرارات التى اتخذها مثل حرب 73، وقرار السلام وبالتالى مبارك تسلمها وهو غير مديون لأى طرف من الأطراف كان من المفروض أن توضع البلد على بداية الطريق الصحيح، وإنما المشكلة الحقيقية أن الأمور فى عهد الرئيس مبارك كانت تسير بنظام القطعة، فلم تكن هناك رؤية متكاملة لإدارة الدولة المصرية وفق برنامج شامل،
ظهر فى عهد الرئيس مبارك مصطلح ” المثقفون دخلوا الحظيرة”. كيف ترى هذا المصطلح؟
هذا المصطلح قاله الفنان فاروق حسني، وهو مصطلح فيه جانب كبير من حسن النية ومعناه أنهم أصبحوا مشاركين فى برامج التنمية، وأنهم دخلوا البيوت والمؤسسات الثقافية، وأتيحت لهم دور النشر الحكومية، وأصبحوا واجهة متحضرة للمجتمع.
هل ترى أن الوسط الثقافى وقتها كان معبراً عن المجتمع وعن الغضب الشعبى خاصة من الطبقة الوسطى؟
كان فى عهد مبارك عمل ثقافى كبير صراحة، لكن هذا العمل الثقافى كان ينقصه التنسيق مع التعليم، وتنسيق مع الإعلام وهذا يعيدنا إلى مفهوم الرؤية الشاملة، ففاروق حسنى كان يبذل جهدا مضنياً لكى تكون الثقافة جزءاً من التعليم، وأن يكون هناك تنسيق واضح وأن تعود حصص الموسيقى، والفن التشكيلى والأنشطة المختلفة، الفنية والأدبية والمهارات داخل المدرسة، ولكن هذا لم يكن ممكناً وفى بعض الأحيان يكاد يكون مستحيلاً، خاصة أن هذا الأمر يمثل خطراً حقيقياً على المجتمع، وهى الزيادة السكانية المفرطة، بمعنى أنه لم تكن هناك إمكانية أن موارد الدولة، تكفى لإنشاء مدرسة بنفس مقاييس المدرسة الخديوية، أو السعيدية الثانوية، المدرسة التى تضم مسرحاً، وبرامج ثم إن هناك فى فترة الوفاق بين السادات وجماعات الإسلام السياسي، لما خرجوا من السجون هم أشخاص لديهم تفكير شرير جداً، وكانوا يخططون لعشرات السنوات القادمة أن يستلبوا الدولة المصرية، وهم أدركوا من البداية أن استلاب الدولة المصرية يأتى من التعليم، فدفعوا بأبنائهم بأعداد كبيرة وكثيفة جداً إلى كليات التربية، اختاروا المجال الناعم والرخو فى نفس الوقت، وكان كل خريجى كليات التربية فى ذلك الوقت يتم تكليفهم، نظراً لوجود عجز فى المدرسين أياً كانت الكفاءة، فأصبحت لهم قواعد فى التعليم، فى فترة الرئيس مبارك والسادات كان هو الأساس

عندما أعطاهم المساحة وجاء الرئيس مبارك، وكان من سياسته أنه لا يريد أى مواجهة حقيقية بالرغم من أنه كان أحيانا يتم القبض على البعض ويدخلون السجون لكنهم موجودون، وتغلغلوا.
ولكن النظام وقتها كان يعقد معهم صفقات؟.
الصفقات وقتها كانت سياسية، لكنهم بالعين المجردة كانوا موجودين، والجدير أنهم كانوا يعلنون عن أنفسهم، ويبحثون ويمارسون المزيد من آليات الانتشار تحت أعين الدولة، وكانت لهم صحفهم والسيطرة على بعض النقابات والاتحادات الطلابية بالجامعات حتى أصبح كثير من رؤساء الجامعات، ورؤساء الاتحادات الطلابية بالجامعات من الإخوان، وفى بعض الجامعات كانت قوائم كاملة من الإخوان، فزادت سطوتهم فى الجامعات المصرية، وكذلك فى مؤسسات المجتمع المدني، وفى المحليات والمحافظات والمراكز، والأقاليم والريف فهم تغذوا وكبروا وتعافوا فى فترة الرئيس مبارك.
25 يناير هل هناك قراءة لما حدث فيها؟
أنا أرى أن 25 يناير بحكم أننا عايشناها، لكنى كنت أرى أن هناك حالة من الغضب تزداد كل يوم، وحالة الغضب اختزلت كلها فى قوات الشرطة، بالرغم من

وجود مشكلات اقتصادية وسياسية لكن الناس كانت متعايشة.
لكن هل تعتقد أن من خططوا لهذه الحالة ركزوا على جهاز الشرطة فقط؟
الحل كان ممكناً لو كان هناك جانب من التخطيط السياسى بشكل جيد، أن يقيل رئيس الحكومة أو وزير الداخلية، أو يتم تغيير قيادات بوزارة الداخلية، فأخطر شيء هو التقادم فى الوظائف العامة، فمن الممكن أن يبدأ جيداً لكن ينتهى به الأمر أن يكون عنده نوع من الاستهانة والقوة والاستعلاء، وكان الأمر واضحاً على السوشيال ميديا وكنا جميعاً نرى، وكنت أقول وقتها للبعض من الواضح أن هناك أمراً يدبر، فكانوا يقولون لا الأمر بسيط، فكان هناك نوع من الاستهانة مما حدث وما سيحدث، وانطلقت شرارة 25 يناير.
هل تسميها ثورة أم نطلق عليها موجة احتجاجية، من وجهة نظرك ما التوصيف الصحيح لها؟
بمقاييس الثورات فى العالم هناك بعض الاختلافات، فالثورة لها قيادة والثورة لها جماعة، الثورة لها رؤية ولها برنامج، ربما تفشل، أو تنجح فتعمل على تحقيق برامجها، فالثورة قامت فأين قيادات هذه الثورة وأين برنامجها، وأين ما أنجز منها، بل بالعكس الذين يقولون إنها ثورة، كان الإخوان فى العام التالى هم من

يحكمون البلد، فكيف يمكن التوفيق بين هذا وما حدث، ولذلك نستطيع توصيفها بأنها هوجة وطنية شريفة جداً، من شباب مخلصين جداً، تفتقد إلى الرؤية وإلى القيادة فكانت النتيجة أن الأكثر تنظيما هم الإخوان، فسرقوا الثورة.
عام من حكم الإخوان، هذا العام شهد تغلغل الإخوان فى كل مفاصل الدولة المصرية بما فيها وزارة الثقافة والتعليم وجميع وزارات القوى الناعمة. كيف ترى ذلك؟
كنت موجوداً فى الحكومة، وأنا شاهد وآمل أن أكتب هذه التجربة، لأنى كنت أرى من الخارج بالإضافة لكونى داخل المطبخ، فهم لم يستلبوا الثقافة، على العكس فالثقافة هى التى أسقطتهم، فلم يستطيعوا، فكانوا يأتون إلى ويقولون لى مثلاً هى الأوبرا مخصصة فقط للغناء والموسيقى، وطلب منى أن يذهب الشيخ محمد حسان لإلقاء محاضرة فى الأوبرا، فقلت لا يمكن، طلب منى أن تكون فى قصور الثقافة برامج دينية، تحت عنوان الثقافة الإسلامية، فرفضت، وقلت لهم هذا مجال المساجد، لكن دور قصور الثقافة الفن والثقافة بالمعنى الشامل، فكانوا يتركون الثقافة لفترة تالية، لكنهم بدءوا بالتعليم والشباب، ولأنهم يعلمون أن رد فعل الثقافة قوى وعنيف، وأن المثقفين المختلفين فى توجهاتهم سيجتمعون على قضية واحدة ضد الإخوان المسلمين.
هل للإخوان ثقافة؟

 

الإخوان جماعة سياسية تتخذ من الدين وسيلة لتحقيق أغراضها السياسية، الإخوان تحت عنوان الإسلام هو الحل يرون ضرورة استلاب الدولة والسيطرة عليها، تحت شعار عودة الخلافة الإسلامية، هى أفكار مشوشة، وأفكار تتعارض مع الدين والمصلحة والمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وتتفق فقط مع أغراضهم بدليل أن قياداتهم لم يكن فيهم مفكر ولا منظر، بدليل الفترة التى تولوا فيها.
هذا العام الذى حكموا فيه حضرتك كنت جزءاً منه فى السلطة ومعظمه خارج السلطة فكيف كانت علاقة المثقفين مع السلطة التى كانت تمثلها الإخوان؟
الكثير من المثقفين كانوا ضد الإخوان، والقليل جداً وكانوا فى كل المجالات وهم أصحاب المصالح الشخصية، وهم معروفون للمجتمع فاندفعوا برهان أن هؤلاء هم المستقبل وأنهم سيجلسون فى الحكم، وعندما تسألهم يقولون إنهم سلميون وإنهم من الممكن أن يقدموا شيئاَ.
أول مظاهرة خرجت لإسقاط هذا الحكم كانت مظاهرة المثقفين. كيف ترى ذلك؟
الحركة الثقافية المصرية، فى فترة الإخوان ينبغى أن يؤرخ لها، أنا قبل 30 يونيو بحوالى شهرين خرجت من الحكومة، أو بمعنى أدق أُخرجت من الحكومة، وأخرجت من الحكومة لموقف لا داعى لذكره الآن لكنى فى المستقبل سأفصح عنه، بالرغم من أنه لم تكن لى رغبة فى الاستمرار فأنا كنت موجوداً فى 4 حكومات، وفى كل مرة كانت تأتى الضغوط من أشخاص أحبهم جداً وفى النهاية كنت أقبل بضغوطهم، لكن فى النهاية هذه جماعة غير مؤهلة للحكم غير مؤهلين لإدارة دولة بحجم مصر، هم يريدون أن يحكموا على طريقة قريش بمبدأ من ليس معنا فهو ضدنا، وكنت أرى هذه الأمور وأنا فى الوزارة فبينما أنا لا أجد رواتب الموظفين، أرى تمويل وزارة الشباب بمليار جنيه دفعة واحدة، ونحن لا نستطيع القيام بالعمل سواء فى المسرح أو الأوبرا، أو قصور الثقافة، بالرغم أن وزارة الشباب لها دخل آخر من ضرائب ومخالفات المرور حوالى مليار جنيه فى السنة خارج موازنة الدولة، ولا تجد من يستجيب لك، ولذلك تقدمت باستقالتى مرتين، لأسباب تتعلق بعدم مقدرتنا على العمل بسبب عجز الإمكانات فى الوقت التى تقومون فيه بتمويل وزارة الشباب، لكن الجميل فى هذه الفترة أن الأوبرا المصرية لم تتوقف فى ظل كل الأزمات التى كانت تواجهنا، وكنت أقول للدكتورة إيناس لا أريد لنور الأوبرا أن ينطفئ، وكانت المظاهرات، على كوبرى قصر النيل، وفى ميدان التحرير والأوبرا تعمل، وفى كثير من الأحيان فى نهاية العروض سواء كانت موسيقية، أو أوبرالية يخرج فريق العمل ينادى يسقط يسقط حكم المرشد، على خشبة المسرح، وكذلك فى المسرح القومي، والجمهورية والجيب بعد نهاية كل عرض مسرحي.
كيف ترى 30 يونيو؟
30 يونيو ملحمة سوف يُكتب عنها كثيراً، أى إنسان راصد يقول رأيه فى 30 يونيو يقول إنها نقطة تحول كبيرة فى حياة مصر.
هل نستطيع أن نصف 30 يونيو بأنها بداية الجمهورية الثانية؟
نقول كما نقول… لكن نستطيع أن نقول إن الدولة المصرية كانت فى طريقها إلى طريق مجهول، فأنا أعتقد أن الإخوان لو كانوا استمروا سنة أخرى فى حكم مصر، كان من الصعب جداً أن تعود مصر وهم كانوا يراهنون على ذلك، فكانوا يقولون انسوا القضية لمدة 50 سنة، وطالما جلسوا هذه المدة فإن الدولة تتغير

 

هويتها، وثقافتها وحياتها، وأنا أذكر لك موقفاً ونحن فى حكومة الدكتور حازم الببلاوى والشارع يغلي، واعتصموا فى رابعة، وهم سيطروا على الموقف فى رابعة والنهضة، والغضب الذى كان موجوداً من النظام فى عهد مبارك أصبح غضباً من نوع آخر، وكان الرئيس السيسى فى ذلك الوقت وزيراً للدفاع، فقلت له يا سيادة المشير البلد بتضيع وأنتم مش هتعملوا حاجة، فكان يقول القوات المسلحة لن تخرج إلا بعد خروج الشعب، لنحمى الشعب، لأننا لم نتعود اتخاذ إجراء ضد نظام قائم إلا إذا الشعب قام وعمل ده فإننا سنخرج لحماية الشعب، ولذلك لما طلب من الناس أنهم يفوضوه، كنت واثقاً أنه جاءت اللحظة لخروج الشعب، ولما خرجنا أفطرنا على كوبرى قصر النيل وكنا فى رمضان، وتكاد تكون مصر كلها قد التحمت فى مظاهرة كبيرة وكنت أتوقع أن ذلك فى القاهرة لكنى وجدت أهل الناس فى المحافظات خرجوا إلى العواصم، والتحمت القرى كلها فى الطرق، وبالتالى الجيش المصرى لم يخرج لكى يستلب الدولة وإنما خرج لكى يحمى الشعب المصري، لأنه مع هذا التوقيت بدأت المليشيات وبدأ الحرق فى الكنائس والمحاكم والأقسام، وانظر إلى رمزية حرق المحاكم والأقسام فى وقت واحد يعنى رمز العدالة ورمز الانضباط.
4 سنوات من حكم الرئيس السيسى كيف ترى العلاقة بين المثقفين والرئيس عبدالفتاح السيسي؟
جزء من المثقفين عنده قدر من الالتباس وقدر من الرؤية الحالمة لكن الواقع الاجتماعى والواقع الاقتصادى والواقع الأمني، والتحديات التى تواجه الدولة المصرية حينما تكون أمام خيارين مطلوبين، هما الديمقراطية وأمن الوطن يأتى أمن الوطن أولاً، إذ كيف يمكن أن تطبق مقاييس الديمقراطية بالشكل الأوروبى وأنت فى بلد تحاك له المؤامرات وهناك فى داخل مؤسسات الدولة من يتآمرون على الدولة ويعملون ضد الدولة لصالح الإخوان، وجزء من الأراضى المصرية تراق عليها دماء الشهداء، من الجيش الذى هو الشعب، الأوروبيون عندما يواجهون أزمات وحدث ذلك فى إنجلترا، وفرنسا وكثير من دول أوروبا، يقولون فلتتوقف الديمقراطية، الأمن أولاً، ثم يتحدث الناس على المنجزات، ننظر الدولة كانت البنية الأساسية لها منهاره فهل تتخيل أن تبنى الدولة من الألف إلى الياء فى 4 سنوات، ولكن انظر إلى ماحدث فى البنية الأساسية من كانوا يسكنون العشش والقبور، حجم الطرق التى أصبحت تطوق مصر من شمالها إلى جنوبها وتربط المحافظات مع بعضها والدولة الآن متجهة إلى الطرق الداخلية، وكيف كانت الكهرباء والبترول قبل 30 يونيو وبمحصلة رياضية ما حدث هو إنجاز جبار، ولذلك أدعوا الناس أن يكونوا إيجابيين، نحن نعلم تماماً أن هناك أزمات اقتصادية، نشعر أن هناك طبقة فقيرة تحتاج إلى دعم، كل ذلك سيأتى مستقبلاً عندما ترتب الدولة أوضاعها.
بعض المثقفين ممن وصفتهم بالحالمين يقارنون بين فترة جمال عبدالناصر وفترة الرئيس عبد الفتاح السيسى بالرغم أن العدو فى فترة ناصر والسادات كان العدو ظاهراً أما الآن فإن العدو لا نعرفه كيف ترى ذلك؟
أولا المقارنة ظالمة، عبدالناصر عندما جاء إلى الحكم كان عدد سكان مصر18 مليون، الآن عدد سكان مصر 110 مليون، لم يحدث طوال هذا التاريخ، أن تمت مقارنة زيادة عدد السكان بزيادة المدارس، والبنية الأساسية فى الكهرباء والطرق وغيرها، فلم يحدث مواكبة بين الزيادة السكانية وبين المؤسسات الخدمية للمواطنين، لكن الدولة الآن تبدأ من جديد فى رسم سياسات لبرامج تنموية جديدة، ووضع رؤى جديدة لأن التعليم لن يتم حل مشاكله بين يوم وليلة.
البعض يقارن بين العصر الملكى والعصر الجمهورى وقد ينحاز بعض الحالمين إلى الفترة الملكية.
أنا من أنصار وجيل 23 يوليو، ومع الإنجازات التى تحققت منها، والعدالة الاجتماعية التى تحققت فيها، ثورة 52 عمل رائع جداً لكن المشكلة أن العالم يتطور بالتنمية والتراكم فى السياسة الإدارة لكن نقدى أن هناك جداراً أسمنتياً أقيم فأصبحت هناك خصومة مع الماضي.
لو أردنا وضع عنوان عن المثقفين والسلطة منذ 52 وحتى الآن ماذا نقول؟
بالرغم من أنه فى بعض الأحيان من الممكن أن ننتقد المواقف الانتهازية لبعض المثقفين لكن الغالبية العظمى وجموع المثقفين هم روح هذا المجتمع، وتاريخ مصر المزدهر كان نتاجاً ثقافياً أكثر منه نتاج اقتصادي، فالثقافة فى الحياة المصرية منذ عهد محمد على إلى الآن هى العنوان الذى يجمل الحياة المصرية والذى يروج للمجتمع المصرى وللتاريخ المصري، وللفن المصرى فالعنوان الأجمل فى الحياة المصرية الثقافة المصرية هى الأكثر متعة والأكثر جمالاً.
هل العلاقة بين المثقفين والسلطة فى مصر علاقة شد وجذب أم حوار. كيف تصفها؟
كما قلت العلاقة ملتبسة دائماً نتيجة أن المثقف حالم، ولذلك أحيانا تكون العلاقة ملتبسة، فالمثقف يأخذ الشق الإنساني، والمنطقي، والعقلي، لكن على أرض الواقع صاحب القرار هو السياسي، لكن مطلوب فى المستقبل أن يكون هناك حوار بين المثقف وبين السلطة، لأنه فى غيبة المثقف بعيد عن السلطة مصر تخسر كثيراً، وأن يكون الحوار حول كل القضايا المجتمعية التى تواجه المجتمع وليست قضية واحدة، وأن يطلع المثقف دائماً من خلال السلطة على ما يحدث فى مصر، بعيد عن المسائل التى من الممكن أن ترى السلطة أنه لا يجوز أن تكون مطروحة على العوام، ولكن هناك بعض الأمور التى من الممكن أن تخفف كثيراً من حدة المثقف لكى يراعى الظروف العملية والموضوعية والمخاطر التى تواجه المجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.