الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

حاتم الجوهري ..المشهد الثقافى المصرى فى تدافع على أشده

0 197

حوار:محمد شلبى أمين

 حصل حاتم الجوهرى على جائزة الدولة التشجيعية عن ترجمته “تاملات في المسالة اليهودية”، وجائزة ساويرس في النقد الأدبي عن كتابه: “خرافة الأدب الصهيوني التقدمي”، وهو صاحب التجربة الطويلة في العمل العام قدم لنا فيها كتابه عن نظرية الثورة :”المصريون بين التكيف والثورة”، وكتابه: “سيكولوجية الصراع السياسي”، وهو الباحث في دراسات التدافع الحضاري المهتم بالصراع العربي الصهيوني قدم لنا: “نبوءة خراب الصهيونية”، كما يحاضر في عدد من الجامعات المصرية. وشغل د.حاتم الجوهري عدة مناصب بالهيئة المصرية العامة للكتاب، ومثل وزارة الثقافة المصرية في مؤتمر حماية التراث الثقافي اللامادي بالصين مؤخرا.. طرحنا عليه بعض هموم الثقافة المصرية وبعض آمالها في وقت عصيب، وكان رده علينا كما سيلي

*  كيف تري المشهد الثقافي المصري؟

– المشهد الثقافي المصري في تدافع على أشده؛ هناك محاولات ومشاريع فردية تحاول التصدي للمستقبل واكتشاف آفاقه واستنهاضه، وهناك طبقة ثقافية قديمة تشكل قوامها الصلب في سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي ترى الثقافة كفعل فوقي متعالي عن الناس من جهة، وكفعل كرنفالي لصنع “شو” ليس إلا. والصراع حاليا بين جيل المشاريع الفردية الحالمة بالمستقبل، وبين الطبقة الثقافية تلك وممثليها الجدد في الحالة المصرية ومؤسساتها؛ هو السائد تحت السطح وأحيانا يخرج للعلن.

ورغم ادعاءات قبول الآخر وتعدد الأنماط وأفكار ما بعد الحداثة المعلنة؛ إلا أن تلك الطبقة الثقافية المهيمنة ما تزال تؤسس لروايات الدستوبيا وتفكيك السرديات الكبري والمشاريع الجماعية، وكذلك تؤسس لقصائد التشيؤ وقطيعة الذات مع العالم والعجز، وتدعو لأنماط الثقافة الأوربية المُعلبة.. وفي الوقت نفسه ترفع هذه الطبقة شعارات التوحد مع حلم الجماعة المصرية بالثورة والتغيير!

إن مستقبل الثقافة يبدأ بإزاحة هذه الطبقة وورثتها وتحولها لنمط فرعي، وتحول مركز الثقافة المصرية لدعاة التمفصل حول الحالة المصرية ومستودع هويتها واستشراف مستقبلها.

* هل هناك خطة لإنقاذ الثقافة المصرية؟

– على مستوى الوعي يجب أن تتحول الثقافة للدور المعرفي، وتقديم حلول وأفكار للمستقبل وسيناريوهات قابلة للتنفيذ تطرح للنقاش المجتمعي ويستفيد منها

الجميع، يجب أن تتحول المؤسسات لفكرة المراكز المتخصصة المنتجة للمعرفة لفتح الآفاق والاختيارات أمام المجتمع ورصف الطرق والمسارات غير المعبدة واستكشافها، لا أن تبقى الثقافة فعلا كرنفاليا محضا.

نحتاج لإعادة تعريف “التراث الشعبي” وآليات جديدة للتعامل مع الوجود الافتراضي ودراسة أنماطه وخدمته. نحتاج لتحول الموقع الثقافي لفكرة التكامل في الخدمة.

نحتاج لآليات لإعادة دمج السمات الثقافية لـ”مستودع الهوية المصري” في الحياة اليومية والصناعات الإبداعية واستعادة وإعادة اكتشاف صورة البطل المصري عبر التاريخ.

لقد قدمتُ ثلاثة مشاريع آملة في فترة سابقة؛ مشروعا لتطوير “الموقع الثقافي” ممثلا في المركز الدولي للكتاب، ومشروعا لمركز أبحاث ودراسات مستقبلية

متمثلا في المركز العلمي للترجمة، ومشروعا لتوحيد وتطوير الجهود المصرية في مجال التراث الثقافي اللامادي (ICH) والحفاظ على الهوية متمثلا في تقرير البعثة العلمية للصين، وحتي الآن لم تلق هذه المشاريع الاهتمام الكافي بالوزارة.

* ماهو الدور الحقيقي للمثقفين المصريين في مواجهة الارهاب؟

– المعرفة والوعي لابد أن ترتبط بنمط الحياة الواقعي، نحتاج أولا لتعريف المثقف من جديد، الإبداع قد ينفعل بالثقافة لكننا وفي إطار التفكيك من خلال النمط الثقافي السائد منذ سبعينيات القرن الماضي، أهملنا دور المثقف العارف باحتمالات المستقبل ومساراته، وقدمنا المبدع للناس على أنه المثقف! ومع الأزمة الاقتصادية في التسعينيات استقطب هؤلاء بعض المبدعين وخلقوا طبقة ثقافية تحتكر الحديث بهتانا باسم الثقافة! وتؤسس للمفاهيم التخلي عن الجماعة والتمركز حول الذات ونزقها التي قدمها السبعينيون.

دور المثقف الحقيقي إزاء الإرهاب مزدوج؛ جماهيريا توعية الناس بالبدائل التي ممكن أن يختاروها بديلا عنه، وسياسيا مخاطبة أولي الأمر بآليات تنفيذ تلك البدائل على أرض الواقع. ولكن الثقافة الكرنفالية في الفترة الماضية كانت تسير في ركاب الاستقطابات الحادة التي تورطت فيها البلاد بعد ثورة 25يناير، لا تقدم للناس بدائلا لأنماط حياة يمكن ان يتحققوا من خلالها اجتماعيا وفنيا ومعرفيا، ولا تخاطب أولي الأمر بآليات وسينايوهات وسيناريوهات بديلة لوضع هذه الآليات على الأرض.

نحن نفتقد لدور المثقف العارف ونقع في غواية المثقف الشكاء البكاء المتحسر على الحال. المثقف والمبدع الحقيقي الفاعل هو الذي يمسك بذاته ولا يفرغ هواجسه باستمرار على مواقع التواصل الافتراضي، ويدخر احتشاده للبحث عن الآفاق والسيناريوهات للمستقبل.

 * هل معرض الكتاب.. هذه التظاهرة الثقافية العربية تؤتي ثمارها المرجوة؟

– معرض الكتاب هو طقس مصري عربي شعبي راسخ شئت أم أبيت، والأزمة ليست فيه ذاته إنما في كيفية إدارته والتعاطي معه، هناك أفكار كثيرة لتجديده وبث الروح فيه، ولكن الدائرة المغلقة التي تغذيه لا تسمح للكثير من تلك الأفكار بالخروج للنور، لكنه سيظل طقسا شعبيا مصريا ينتظره المصريون من العام للعام.

 

 

* هل البساط الثقافي المصري انسحب من القاهرة.. أم لاتزال قابضة علي موقعها الريادي؟

– مصر والثقافة الآن جسد ضخم يبحث عن الروح والحياة، هل مات الجسد؟ لا. هو يشغل المكانة نفسها في الحاضنة العربية، لكنها مكانة معطلة، نحن الجسد المريض وليس علينا أن نشكو البعض لاجتهاده لشغل المكانة   المعطلة. على مستوي الشكل الجسد حاضر وموجود، ولكن على مستوي المضمون هناك من تقدم واجتهد وله التحية.

لكل منطقة في العالم قلب، ومصر الآن هي القلب المريض، لم تمت لكنها كامنة، وتعيش في حالة غيبوبة مفتعلة، لكنها ستنفض عن نفسها ذلك قريبا، فكلما زاد الضغط من جهة ليصل قمته، توقع له الردة والنكوص بعدها، وأن ينهض طائر العنقاء المصري بجهد رجاله المخلصين.

 

* ما دور الأكاديمية المصرية في تغذية وتفعيل واقع الثقافة المصرية؟

– هناك جيل جديد فتحت الثورة المنابر أمامه ليقدم التصورات المختلفة عما كان سائدا، لكن الأزمة ان معظم هذه الأقلام خارج أسوار الجامعات المصرية، هذا الجيل يقدم بالفعل في مختلف المجالات تصورات واقعية تعود بالعلم لحاضنته الاجتماعية، وتقف على النقيض من جيل الأكاديمية المصرية المهيمن منذ ما قبل الثورة، والذي تبنى أطروحات ما بعد الحداثة والتمركز حول الأسلوبية وفصل الشكل عن المضمون والتفكيك.

مستقبل الأكاديمية المصرية ودورها في الثقافة المصرية، يعتمد على قدرة الجيل المستقل على الصمود في وجه التهميش المرحلى؛ والتمركز حول “مستودع هوية” الوطن ولحظته المفصلية الراهنة، والبحث عن المستقبل واحتمالات النهضة في أطروحات معرفية جادة وسياسيات ثقافية آملة.

* هل يمكن ان تولد مدرسة فكرية تعبر عن مستقبل الثقافة وحلمها المصري؟

– أري بالفعل في مفهوم “الرومانتيكية الثورية” إطارا جامعا يصلح لمجموعة التصورات والتفاصيل التي خرجت للنور مع 25يناير، الذي قام بالثورة المصرية هم مجموعة الحالمون الذين تمردوا على منظومة قيم القهر والتسلط والفساد وغياب الحريات، ولكن حتي يكتسب الحالمون مهارات “الحسم الثوري” والتصرفات الجذرية، سوف يمرون بمرحلة الرد فعل، واكتساب الحجة النفسية تجاه خصومهم أولا، وسوف يفاجأ هذا الجيل الجميع بقدرته المباغتة في التحول إلى الفعل، بعد ان يدمج ما هو روماتيكي حالم فيما هو ثوري جذري.

وعلى مستوي الأدب ظهرت قصائد “الرومانتيكية الثورية” بعد ثورة يناير، ربما كتبتها انا مبكرا في التسعينيات لكن السبعينيون والتسعينيون كانت لهم الهيمنة حينها. وتلمح هذه الرومانتيكية في كتابات الكثيرين من الجيل الجديد، وتلمحها نقديا وفكريا في اشتداد عود الدراسات الثقافية والبينية في مصر على استحياء، والعودة بالعلم لحاضنته الاجتماعية. وإجمالا أرى أن رجال مصر الأوفياء سيصمودون من أجلها، ويقدمون كل ما تستحقه الآن وفي حينه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.