الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

حيّوا “الهلالَ” و”زيدان” أحقاباً وأحقابا!

0 20

 

كتب: صلاح حسن رشيد

 

ولا أنسى ما حييتُ مقولة أستاذي العلاّمة الدكتور الطاهر أحمد مكي عندما ذكرتُ له الهلال؛ فقال _ لي: “هي المجلة الوحيدة التي ازدهرت في الملكية، وتفوَّقت في الجمهورية، ومازالت المجلة الأولى الثقافية؛ حتى وإنْ اختلف العصر والناس”!.

(الهلال) وُلِدَتْ فتيَّةً عذراء شهيَّةً؛ أثارتْ بجمالها؛ وطريقتها؛ ومضمونها؛ وقضاياها؛ وانفتاحها على_  المجتمع لأول مرَّةٍ في البيئة العربية؛ وحفاوتها بالمرأة عقلاً لا جسداً

_ كلما تصفَّحتُ الهلال، وما أكثر ذلك؛ دعوتُ لزيدان، وورثته، وجمهوره الكبير الكبير من المحيط إلى الخليج؛ وتساءلتُ كيف ابتنى هذه المجلة المعجزة؟!

_ فلم يحظَ بشرف الاقتراب منها إلا أعاظم الكُتّاب والكاتبات؛ من قبيل: جرجي زيدان نفسه، وشبلي شميل، وفارس نمر، وأنطون الحداد، وروزا الحداد، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومطران، والعقّاد، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وأحمد أمين، ومصطفى عبد الرازق، وعلي عبد الرازق، ومحمود شلتوت، والسنهوري باشا، ومحمد كرد علي، ومي زيادة، وجبران خليل جبران، و سلامة موسى، والمازني، والزيات، ولطفي جمعة، وبشر فارس، ومحمد فريد وجدي، وغيرهم من العباقرة.

 أجل أجل؛ صدق العلاّمة الدكتور حسين مجيب المصري(1916-2002م)؛ عميد الدراسات الشرقية المقارنة؛ عندما قال عن مجلة الهلال، ودورها الفكري العظيم: “هلالُ الناس؛ يغيب فينزوي؛ و”هلالُ” الفكرِ؛ في كلِّ أرضٍ ينتشي! فلا الناس تسلوه؛ ولا الثقافةُ تنمحي”!

وها هو ذا أمير الشعراء/ أحمد بك شوقي(1868-1932م) يُحَيِّي هذه المجلة العريقة؛ فيقول عنها، وعن رسالتها الثقافية العريضة المديدة الميمونة:

قد أكملَ اللهُ ذيّاك”الهـلالَ” لنا           فلا رأى الدهر نقصاً بعد إكمالِ!

فيه الروائعُ من علمٍ ومن أدبٍ           ومـن وقائـع أيـامٍ وأحـوالِ

وفيه هِمَّة نفـسٍ زانـها خُلُقٌ           هما لِباغي المعالي خيرُ مِنوالِ!

ولا أنسى ما حييتُ مقولة أستاذي العلاّمة الدكتور الطاهر أحمد مكي رحمه الله(1924-2017م)؛ عميد الأدب المقارن؛ عندما ذكرتُ له الهلال؛ فقال لي: “هي المجلة الوحيدة التي ازدهرت في الملكية، وتفوَّقت في الجمهورية، ومازالت المجلة الأولى الثقافية؛ حتى وإنْ اختلف العصر والناس”!.

وأقول أنا بدوري؛ وهل يمكن أن نلتمس أدق صورةٍ للحياة المصرية والعربية في شتى المجالات إلا مع الهلال؛ المجلة، والدور، والثقافة، والتنوير، والنهضة، والتقدم، والتسامح، والصحافة الصادقة، والإخاء الإنساني؟!

وأستطيع أن أدلي بدلوي؛ بعد أن عركتني الحياة الثقافية؛ وثقَّفتني التجربة الصحفية؛ وتمرَّست بين أضابير الدوريات الرصينة؛ وخبرتُ العمل الميداني في أروقة الصحافة والأدب؛ وطالعتُ أغلب الصحف والمجلات المصرية والعربية الشهيرة؛ فما وجدتُ في(الرسالة) إلا الأدب ومعاركه، وفي(الثقافة) إلا الصورة الصغرى من الرسالة مع التخفيف من حدة السجال والنِّزال بين الرجال! وفي(المجلة) الوجبة الدسمة من الفكر، وفي(المقتبس) التحقيق والتاريخ؛ بلغةٍ متينةٍ، وفي(البلاغ) الحِدَّة والتلاسن، وفي(الجهاد) إلا مسايرة أهل الحكم، وفي(لغة العرب) إلا البحوث العويصة والاستغلاق، وفي(المشرق) إلا الانكفاء على بحوث الاستشراق، وفي(المنار) الوجبة الدينية لا الدنيوية، وفي(كوكب الشرق) إلا السير وراء التكرار والاجترار، وفي(السياسة الأسبوعية) إلا غلبة السياسة على الأدب والفكر، وفي(المقتطف) الانعزال عن المجتمع وقضاياه، وفي(الأزهر) إلا الرصانة والفخامة، وفي(السفور) إلا إثارة القارئ، وفي(أبولو) إلا الشعر فقط، وفي(السيدات والبنات) إلا الانحياز للمرأة، مع الميل نحو التاريخ المدرسي، وفي(العربي) النجاح، وعدم المحافظة عليه، وفي(الآداب) الانفتاح على التحديث فقط، وفي(شِعر) الموت سريعاً للانحياز غير الأدبي، وفي(الدوحة)التعقيد والتعالي على القارئ، وفي(آفاق عربية) إلا السير بخطى حثيثة وراء اجترار تجربة الرسالة الزَّيّاتيَّة، وفي(فصول) العجمة والادعاء والمظهرية القاتلة، وفي(إبداع) موت الإبداع!

مجلة المجلات

أمّا(الهلال)؛ فما وجدتُ شيئاً فيها مما سبق؛ فهي وُلِدَتْ فتيَّةً عذراء شهيَّةً؛ أثارتْ بجمالها؛ وطريقتها؛ ومضمونها؛ وقضاياها؛ وانفتاحها على المجتمع لأول مرَّةٍ في البيئة العربية؛ وحفاوتها بالمرأة عقلاً لا جسداً، وهَمّاً كان مسكوتاً عنه من الجميع ..فأثارت بمصداقيةٍ وفنٍّ؛ ما تحتجنه الضلوع؛ وما تمنعه الدروع؛ ومن الممنوع؛ ما فيه السطوع والذيوع؛ فتلقّاها الناسُ أفضلَ تلقٍّ؛ وقَبِلوها القَبول الحَسَن؛ فأنبتها اللهُ نباتاً حَسَناً؛ فكانت مجلةً شاملة الأبواب؛ ثقافية الإهاب؛ اجتماعية النطاق؛ تربوية الهدف؛ تعليمية المُنعَطَف؛ تجديدية الشعار؛ تنويرية الباعث؛ تحرص على رعاية الأسرة؛ وتميل إلى مناقشة الشباب بأسلوب الشباب؛ لا بالوعظ والإرشاد! مع اللغة الجميلة؛ قريبة الفهم؛ عصرية الواقع؛ ابنة كُتّابها وكاتباتها!

ففي(الهلال) فقط؛ وَجَدَ القُرّاءُ .. الفكرَ إلى جانب الأدب؛ والموسيقى بجوار النغم والآثار؛ والتاريخ صنو السياسة؛ والمرأة شريكة الرجل وشقيقته في الكفاح والعمل والمساواة؛ والتربية أخت الاقتصاد؛ والاجتماع قرين الدين؛ والوسطية رمز النهضة؛ وأُسّ الرخاء وأساسه!

فلا جرم؛ أنَّ الله شاء لـ(جرجي زيدان) يومَ خطَّ الهلال، وبنى بنيانها السامق السابق؛ ولِمَنْ جاء بعده؛ من الرعيل الأوَّل؛ أن يتفقوا على خُطَّةٍ واحدةٍ؛ وأن ينتهجوا النهج الأعز الرائق الشائق؛ فكان الناسُ ديدنهم؛ وكان المجتمعُ مطلوبهم؛ فتحقَّقتْ له ولهم .. المعادلة الصعبة؛ التي افتقدتها كل المجلات والصحف الأخرى؛ التي تعثَّرتْ، وعانتْ، واحتجبت؛ فماتتْ!

على أنَّ مِنْ طريقتي وسُنَّتي؛ أنني كلما تصفَّحتُ الهلال، وما أكثر ذلك؛ دعوتُ لزيدان، وورثته، وجمهوره الكبير الكبير من المحيط إلى الخليج؛ وتساءلتُ كيف ابتنى هذه المجلة المعجزة؟! وكيف استمرَّتْ برغم الشدائد العاصفة من حولها؛ والعثرات؛ والجوائح الطاحنة الضاغطة؟!

العبقرية الهلالية

فلا جرم؛ أنها العبقرية(الهلالية) التي استعصت على الذوبان؛ وقاومت الاضمحلال؛ ورفضت التلاشي والاندثار! فقد حملت في جسدها جينات البقاء؛ ورضعتْ لبان الفَتاء؛ وتغذَّتْ على عقول أبنائها وبناتها النوابغ والنابغات؛ فعاشت ما عاشت؛ بانفتاحها على الجميع؛ وحملها للرسالة القيِّمة في المجتمع؛ وتبشيرها بالعلم؛ والفكر؛ والجديد؛ والمفيد؛ وإفساحها الطريق للجيل الجديد؛ واكتشافها للمواهب؛ وعنايتها بالقيم الفاضلة؛ ووسطيتها واعتدالها؛ فلا هي مع التغالي؛ بقدر ما هي حلقة وسطى؛ تُخَفِّف من غلواء المُغالين؛ وتمتصُّ رعونتهم وحماستهم؛ وتُحيلهم كائنات نورانية ملائكية؛ تحمل النفع والخير لكل الناس على اختلاف مشاربهم، وألوانهم، ومذاهبهم، وأديانهم!

لماذا الهلال؟

زَهَتْ؛ فزَكَتْ؛ فاستحقت؛ أنْ يتسابق لخطب ودها خُطّابها من كل البلاد، والأجيال، والثقافات، والطبقات؛ فلم تقبل أن ينتسب إليها إلا كل موهوبٍ؛ صاحب القلم الجرئ؛ والعقل الكبير؛ والرسالة الكبرى؛ والتأثير الواسع؛ والصدق؛ والأمانة؛ فلم يحظَ بشرف الاقتراب منها إلا أعاظم الكُتّاب والكاتبات؛ من قبيل: جرجي زيدان نفسه، وشبلي شميل، وفارس نمر، وأنطون الحداد، وروزا الحداد، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومطران، والعقّاد، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وأحمد أمين، ومصطفى عبد الرازق، وعلي عبد الرازق، ومحمود شلتوت، والسنهوري باشا، ومحمد كرد علي، ومي زيادة، وجبران خليل جبران، و سلامة موسى، والمازني، والزيات، ولطفي جمعة، وبشر فارس، ومحمد فريد وجدي، وغيرهم من العباقرة.

وفي أعدادها التذكارية الخاصة؛ أتحفت الهلال، وماتزال قُرّاءها في مناسبات: المولد النبوي الشريف، ورمضان، وليلة القدر، والحج، والأعياد؛ وعيد الميلاد المجيد، وغيرها من المناسبات المهمة؛ بأعدادٍ زاحمت الشمس في عليائها؛ والقمر في بهاه؛ والنجوم في ألقها؛ فكانت عزيزةً على الباحثين؛ نفيسةً لدى الأجيال والأعصار والأمصار!

وقد ظلت الهلال تُعاهِد قُرّاءها على الإجادة والتَّميُّز والتبريز؛ فلم تُخْلِفْ لهم وعداً؛ ولم تحنث لهم في يمينٍ؛ فكانت على العهد نفسه؛ والروح عينها؛ والتفوق ذاته! ولِمَ لا؟! وهي ابنة السؤدد والشرف؛ تربَّتْ لدى أرباب القلم الماهرين؛ وشبَّتْ عن الطوق بين أيدي الآباء والأمهات الفاضلين؛ واستطالت بثقة القُرّاء العارفين؛ الباحثين عنها وسط زحام الصحف وزخمها؛ بحبٍّ مُنْتَشين هانئين وادعين! حتى؛ وإنْ أصابها الحيفُ في بعض الأوقات .. بالنُّدوب والسُّعال والمَغَصِّ والزُّكام؛ فقد قاومت؛ ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً!

فأيُّ فضلٍ؛ نراه لمجلةٍ إذاً؟!

اللهمُّ إلا الهلال؛ التي سدَّتْ عين الشمس والأفق؛ وحجبتْ أعين العرب إلا عنها؛ فلم تر غيرها؛ ولم تتنسَّم سواها؛ ولم تأكل إلا على موائدها الماتعة، ومآدبها العامرة؛ بأطيب غذاءٍ؛ وأشهى مأكولٍ؛ وأروع مقروءٍ!

ألا؛ إنَّ التفوق؛ له ضريبةٌ باهظةٌ باهظة!

ألا؛ فقاتَلَ اللهُ؛ مَنْ لا يسير وراء تجربة الهلال الساطعة الواضحة؛ امتياحاً ومُدارَسةً ومُثاقفةً!

ولا؛ بارك اللهُ؛ في مَنْ يُبَهْرِج بهرجاتٍ؛ باسم الثقافة الكالحة النابحة، وبدعوى الصحافة الشائهة الضائعة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.