الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

دفتر أحوال قبط مصر

0 61
  • كتب :عماد المنياوي
  • تزامن صدور العدد الأول لـ«الهلال» عام 1892، مع أزمة البابا «كيرلس الخامس الذي أمر الخديو عباس حلمي الثاني بنفيه إلى دير البراموس بعد مطالبات بإبعاده لكن النفي لم يستمر سوى عام واحد

 

  • التلاحم الوطني بين المصريين (مسلمين ومسيحيين) في  ثورة 1919 كان أبرز نجاحاتها.. هكذا قال سلامة موسى الذي حيّا شهداء الثورة وثمن شعارهم: «الدين لله والوطن للجميع»

 

  • الكنيسة باركت ثورة 52 وتزامن وصول عبدالناصر إلى السلطة مع اعتلاء البابا كيرلس السادس مقعد البابوية عام 1959 .. زعيمان صارت بينهما صداقة كبيرة نفعت الوطن أجمعتبرع عبد الناصر بنصف مليون جنيه لبناء كاتدرائية العباسية .. بينما كانت علاقة البابا شنودة مع السادات أكثر من متوترة حاضرين على صفحات «الهلال» المستنيرة. شاركت المجلة الأقدم الأعرق، أبناء «مارمرقص»، تاريخهم، أزماتهم، التقت القيادات منهم والعامة، زارت أديرتهم، فرحت لفرحهم، وبكت صفحاتها في أحزانهم. إلى جولة تغوص في 125 عامًا من الأحداث والشخوص التي لا تُسقطها الذاكرة أبدًا.

«كيرلس الخامس»

وتزامن صدور العدد الأول لـ«الهلال» عام 1892، مع أزمة البابا «كيرلس الخامس»،- «البطريرك 112، جلس على كرسي مارمرقص في نوفمبر 1874»-،  ورجال الإصلاح من القبط، الذين رأوه مسئولا عن تأخر طائفتهم بطيبته، وحدثت خلافات فى الرأى حول المجلس الملي، الذي رأى هو أنه إجحاف بسلطانه الكنسي، فأصدر قرارا بحله، واستمر المجلس منحلا، حتي ذهب بطرس باشا غالي إلى البطريرك ليقنعه بإعادة المجلس، لكنه فشل.. بينما نجح الخديو عباس حلمي الثاني في الحصول على موافقة البابا في إعادة المجلس وإعادة تشكيله بعد أن أصدر لائحته.

وفي وقت لاحق أعلن البابا كيرلس عدم تقيده بلائحة المجلس لأنها تحد من حريته، فنحا المجلس جانبا إلى ما يشبه التجميد، وتصاعدت الأزمة حتي أن البابا اتهم المجلس بأنه مخالف للدين، وقتها طالب رجال الإصلاح برفع يد البابا عن رياسة المجلس الملي، بل وطلبوا نفي البابا ومساعده الأنبا يؤنس مطران البحيرة، فأصدر الخديو عباس أمرا بنفيهما، وبالفعل تم نفي البابا إلى دير البراموس، ومطران البحيرة إلى دير الأنبا بولا،   لكن النفي لم يستمر سوى عام واحد، وعاد بوساطة من بطرس باشا غالي.

 

وبعد عودة البابا بعشرة أيام جاء بطرس باشا لزيارته وبصحبته جميع المحرومين فاعترفوا بالخطأ، وطلبوا الصفح فسامحهم البابا، وتم الاتفاق على إرجاع الإدارة إلى غبطة البطريرك على أن ينتدب أربعة من أعضاء المجلس لمساعدته فى إدارة شؤون الشعب.

في الفترة قبل ثورة يوليو 1952 مارس الأقباط الحياة السياسية باعتبارهم مواطنين مصريين، ولم يكن للدولة موقف محدد منهم فظهرت الرموز القبطية بوضوح في المجالس النيابية والحكومات كممثلة للمصريين جميعا كمثل القيادي الوفدي ووزير المالية الأسبق مكرم عبيد «1889-1961»، أحد أهم رموز الحركة الوطنية المصرية، وتميزت هذه الفترة بالفصل الواضح بين الرموز الدينية والرموز المدنية للأقباط، فكان ظهور الرموز الدينية في الأحداث العامة محدودا جدا ويتعلق بالقضايا ذات الإجماع الوطنى كمقاومة الاحتلال.

كان للبابا «كيرلس الخامس»، موقف واضح من «ثورة 1919»، حيث أيدها بقوة، وكان على علاقة ودية قوية بأقطاب السياسة في مصر وفي مقدمتهم الزعيم «سعد زغلول» فكان يزوره ويدعو له بالبركة وبالتوفيق في كل خطواته، واستمرت العلاقة والتواصل خاصة بعد ثورة 1919، فجعل من كنائسه منابر للخطباء، وأمر القساوسة أن يتعاونوا مع شيوخ الأزهر على توعية المصريين في طلب الاستقلال ووحدة وادي النيل، وعندما تشكل الوفد المصري برئاسة سعد زغلول للسفر إلى لندن في 11 إبريل 1919 لمفاوضة الإنجليز في الاستقلال، كان من بين أعضائه أربعة من وجهاء الأقباط ، «سينوت حنا – جورج خياط – ويصا واصف – مكرم عبيد».

وظل «كيرلس الخامس»، مرتبطا بسعد وبالثورة حتى توفي، في نفس العام الذي توفى فيه سعد زغلول، بل وفي نفس الشهر، عن عمر يناهز 96 عاما.

التلاحم الذي شهدته ثورة 1919، كان أبرز نجاحاتها، وهو ما أكده «سلامة موسى»، حيث قال «إن أول نجاحات الثورة هو الوحدة الوطنية الملتزمة»، وهو ما يعنى شرطا جوهريا للتقدم، وتحقيق الأحلام التى انطوى عليها قادة ثورة 1919 وشهداؤها الذين تركوا لنا شعار «الدين لله والوطن للجميع».

الأنبا يؤنس سمعان

«الهلال» تناولت حياة الأنبا يؤنس سمعان، المولود في الإسكندرية، وكان معلما في مدرسة القبط بالإسكندرية ووكيلاً لأشغال كريمة الكونت ده زغيب إلا أنه ضحى بكل شيء ، فالتحق بدير السيدة العذراء مريم البراموسى بوادي النطرون، في يوم 5/11/1890. وارتدى الثوب الرهباني بدير البراموس في يوم الأحد الموافق 18/10/ 1891، ورسم كاهنا على يد الأنبا كيرلس الخامس ( 1874-1927) البطريرك الـ112للكنيسة القبطية الأرثوذكسية متخذا اسم يوحنا البراموسي. وقد أنعم عليه الأنبا إيسوذوروس أسقف دير البراموس برتبة قمص في 8/12/1897. ولما تنيح الأنبا لوكاس أسقف مملكة قوجام بالحبشة في يوم 5/1/ 1899 فاختار البطريرك كيرلس الخامس، القمص يوحنا البراموسي أسقفًا لكرسي مملكة قوجام بالحبشة وتمت رسامته الأسقفية بالكنيسة المرقسية بالأزبكية بتاريخ 22/10/1899متخذا اسم الأنبا يؤانس.

 

وعاد الأنبا يؤانس إلى القاهرة في سنة 1920 وأقام في مدرسة الآباء اليسوعيين بالفجالة ، ثم أصيب بالفالج فنقل إلى دار المسنين للراهبات الألمانيات (القديس بورميو) في الإسكندرية. إلى أن رقد في  26/12/1941 وصلى على جثمانه بكاتدرائية القديس أنطونيوس الكبير للأقباط والكاثوليك بالفجالة الأنبا مرقس متياس مرقس خزام (1888-1958) المدير الرسولي، والقاصد الرسولي، ومطران السريان الكاثوليك. ودفن بمقبرة عائلة باسيليوس بك ابن المعلم غالى سرجيوس فيلوثاوس، عميد طائفة الأقباط الكاثوليك (1813 -1822) بمصر القديمة.

كاتدرائية ناصر

اعتلى البابا «كيرلس السادس»، كرسي «مارمرقس»،- البابا 116-، بعد اختطاف البابا يوساب الثاني من قبل جماعة «الأمة القبطية» قبل أن تضطر إلى إعادته مرة أخرى تحت ضغط المجتمع القبطي، ويمكث بعدها لمدة 3 سنوات في المستشفي القبطى لتلقي العلاج قبل أن تعلن وفاته.

كانت الكنيسة شأنها شأن المصريين جميعا، تؤيد حركة الضباط الأحرار، وتزامن وصول الرئيس جمال عبدالناصر إلى السلطة، مع اعتلاء البابا كيرلس السادس مقعد البابوية عام 1959 .

العلاقة بين «عبدالناصر» و«كيرلس السادس»، كانت طيبة، وصلت إلى حد الصداقة، وقال عنها الكاتب الراحل «محمد حسنين هيكل» في كتابه «خريف الغضب»، «كانت العلاقات بين جمال عبد الناصر وكيرلس السادس علاقات ممتازة؛ وكان بينهما إعجاب متبادل؛ وكان معروفا أن البطريرك يستطيع مقابلة عبد الناصر فى أى وقت يشاء. وفى لقاء ودى خاص بين عبد الناصر والبابا كيرلس تم فى بداية سيامته بطريركا عام 1959 قال البابا كيرلس لعبد الناصر: إنى بعون الله سأعمل على تعليم أبنائى معرفة الله وحب الوطن ومعنى الأخوة الحقة ليشب الأولاد وحدة قوية لديها الإيمان بالله والحب للوطن».

ووضع البابا كيرلس مع «عبدالناصر»، حجر أساس الكاتدرائية المرقسية الجديدة بالأنبا رويس بالقاهرة،- «الكاتدرائية المرقسية بالعباسية»-، وقتها قرر «عبد الناصر»، دفع نصف مليون جنيه فى بناء الكاتدرائية الجديدة، نصفها يدفع نقدا ونصفها الآخر يدفع عينا بواسطة شركات المقاولات التابعة للقطاع العام، والتى يمكن أن يعهد إليها بعملية البناء.

علاقات الكنيسة والدولة ظلت جيدة في هذه الحقبة حتي ظهر التوجه العام المعادي للأجانب الذين كانت تربطهم ببعض الأقباط مصالح مشتركة، مما جعل الكثيرين من الأقباط يقدمون على الهجرة، حتي بدأت تظهر المنظمات القبطية في الخارج وأهمها منظمة «أقباط المهجر».

 

أيام السادات ومبارك

تنيح البابا كيرلس السادس، وخلفه البابا شنودة الثالث،-البابا 117، تزامنا مع  وصول الرئيس السادات إلى السلطة، ومعها بدأت مرحلة التوتر في علاقة الدولة بالكنيسة.

واتخذ البابا شنودة، كاتدرائية العباسية مقرا للبطريركية، وكان يلقي فيها عظته الأسبوعية الشهير مساء كل أربعاء، ويحضرها آلاف المسيحيين، ولذلك عرف بـ«معلم المسكونة».

أحب «شنودة الثالث» الكتابة وخاصة القصائد الشعرية ولقد كان ولعدة سنوات محررا ثم رئيسًا للتحرير في مجلة «مدارس الأحد»، وفي الوقت نفسه كان يتابع دراساته العليا في علم الآثار القديمة.

عاصر «البابا شنودة» الرؤساء محمد أنور السادات، ومحمد حسني مبارك، ولم تكن علاقته مع السادات جيدة، حيث اندلعت عدة خلافات انتهت بأن قرر السادات فى سبتمبر 1981م، إلغاء القرار الجمهورى بالموافقة على انتخاب البابا شنودة الثالث بطريركا، وتم عزله وتعيين لجنة خماسية لإدارة الكنيسة، وتحددت إقامته فى الدير.برواز :

رهبنة وأديرة

 

الهلال أفردت مساحة على صفحاتها للحديث عن «الرهبنة»، وذكرت أن الرهبنة انبعثت من مصر وإلى الصحراء المصرية حج جميع طلاب حياة النسك في القرون الأولى، وامتدت من مصر إلى آسيا وأوروبا، وصار للأنبا أنطونيوس «أبى الرهبان»، والأنبا باخوم، أثر بعيد المدى في البلاد المسيحية، التي لم يلبس أهلها أن نهجوا نهج الرهبان المصريين في أنظمتهم وطريقة المعيشة.

ورغم أن الأنبا بولا يعد أول النساك إلا أن الذي أنار له السبيل في عزلة الصحراء هو الأنبا أنطونيوس، فهجر الأخير العالم قبله وهو في سن العشرين من عمره، وقضى في الصحراء 85 عاما، وصور حياته أثانسيوس الرسول بابا الإسكندرية.

فيما يعتبر القديس باخوم، واضع مرحلة «الشركة» حين بنى أول دير في العالم وجمع فيه طالبي الحياة النسكية، واضعا له النظام اليومي الذي يسيرون بمقتضاه، لذا أطلق عليه لقب «أبو الشركة»، ونقلت أوروبا الرهبنة عن مصر، وظهر أثر القديس باخوم في جميع الرهبنات الغربية التي أنشئت بداية القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلادي.

الهلال لم تغفل أديرة الأقباط، فأتاحت للحديث عنها مساحات واسعة، والتقطت صورا نادرة للأديرة في بدايتها، وذكرت أن في الأديرة يهتم الرهبان بالنواحي العلمية والدراسات العميقة المتصلة بالدين المسيحي، كما اهتموا بتعاليم الرهبان الأميين.

وللأديرة قوانينها الخاصة، ومنها أن يقيم الراهب في ديره ولا يبرحه إلا إذا انتدبه رئيسه ويحدث ذلك بعد ثلاث سنوات من رهبنته، ولا يعين الرهبان خداما في كنائس العالم، ويشترط أن يصرف الراهب عمره في الصوم والصلاة وكذلك في الأشغال وقراءة سير القديسين للتشبه بمحبيه.

الرهبنة لم تقتصر على الرجال فقط، بل انتشرت بيوت العذارى في مصر خلال القرن الثالث الميلادي، ولم يمنع النظام في أديرة الراهبات الكثير منهن من حياة الرهبنة الفردية، فقد تدرجت بعض الراهبات في حياة التقشف الشديد حتي أمكن بعضهن ممارسة عيشة الرهبان الخشنة القاسية.

ولعل أبرز الأديرة هو «دير الأنبا أنطونيوس»، الذي لا يعرف بالتحديد تاريخ إنشائه، ودير «سان جورج»، ودير «سانت كاترين»، والذي بقى وكنوزه في أمان طوال مئات السنين، ويتسم بضخامته وقوة أسواره مما جلعه قلعة حصينة، بالإضافة إلى دير «سان بول»، الواقع فوق قمة صخرية شاهقة في الصحراء الغربية، ودير «وادي النطرون»، الذي اكتسب صفة التقديس بسبب ما زاع بين المسيحيين من رواية التجاء العذراء مع طفلها إبان هروبها إلى أرض الوادي، ودير «المحرق» في أسيوط، أشهر أديرة الصعيد، ودير الأنبا شنودة في سوهاج، وهو من أقدم الآثار المسيحية في وادي النيل، ودير القديس سمعان في صحراء غرب أسوان، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع الميلادي.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.