الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

ديوان العرب الثقافى والمعرفى

0 59

كتب :عاطف مصطفى

 تظل مجلة الهلال على مر الزمان هي الأمين على الثقافة العربية، وهي رائدة التنوير منذ بداياتها الأولى في عام 1892م وحتى الآن، أي على مدى 125 عاما كاملة.

كانت وما تزال المجلة الثقافية الأولى في العالم العربي التي تعني بقضايا الأمة وهمومها في كل مجالاتها الثقافية والمعرفية والحياتية، فلم تترك شأنا من شئون الحياة إلا وتناولته وألقت الضوء عليه من خلال صفوة الكُتَّاب والباحثين في عالمنا العربي كافة.

صاحبها جرجي زيدان صال وجال في ميدان الثقافة العربية والإسلامية بجرأة وشجاعة، وواصل أبناؤه مشواره من بعده، حتى تسلمها أستاذنا الدكتور أذحمد زكي، ومن بعده رؤساء التحرير العظام الذين تسلموا المهام من مدير التحرير الرائع الخلوق الأستاذ طاهر الطناحي ليبدأ الدور الحقيقي للتحية ابتداء بالأستا كامل زهيرى ثم الأستاذ رجاء النقاش، ومن بعده بشهور الدكتور علي الراعي، والذي يتسلم منه الراية الشاعر المبدع صالح جودت وكان حرصه شديدا بأن يشارك المبدعون من الشعراء العرب من سوريا ولبنان والعراق والمغرب العربي ومن كل أنحاء دول الخليج العربي.

ولم يتوقف قطار إبداع رؤساء تحرير هذه المجلة الرائدة عند صالح جودت، بل تولَّى رئاستها العالم المؤرخ حسين مؤنس، ومن بعده الكاتب الخلوق والمبدع الأستاذ كمال النجمي، لنصل إلى واحدة من أهم مراحل هذه المجلة التي تولاها الأستاذ مصطفى نبيل، والذي تولَّى رئاسة التحرير من عام 1984م وحتى عام 2005.

التحقت بالهلال في مارس عام 1963م مصححا لغويا، وبعدها بعام عُينت بسكرتارية تحرير الهلال، لتبدأ مرحلة من أعذب وأجمل مراحل حياتي، وكان قرار تعييني مديرا للتحرير في الاحتفال بمرور مائة عام على صدور الهلال، وثابرت وعملت بجد واجتهاد واعتبرت “الهلال” بيتي أحافظ عليه، وأبذل كل جهدي وعرقي من أجل رفعته وتقدمه حتى تركت محبوبتي “الهلال” بقرار صعب على نفسي في 16 أبريل عام 2009م.، رأيت فيها وشاهدت خريطة العالم العربي الثقافية من خلال قامات ثقافية كبرى يتقدمهم المفكر الكبير عباس محمود العقاد الذي كان يحرص على الحضور إلى مقر مجلة الهلال ليقرأ مقاله الشهري، فضلا عن حرصه الشديد على أن ينشر كل إبداعاته الثقافية في كتاب “الهلال” الشهري.

كنت على مدار رحلتي في “الهلال” من أسعد الناس حظا، فقد كان أساتذتي في كلية الآداب جامعة القاهرة، قسم اللغة العربية، من كُتَّاب الهلال ومبدعيه من أمثال الدكتورة سهير القلماوي، والدكتور حسين نصار، والدكتور شكري عياد، والدكتور يوسف خليف، والدكتور عبد الحميد يونس، وانضم إليهم أستاذ التاريخ المعاصر الدكتور محمد أنيس، والمبدع الكبير رشاد رشدي، ومن بعدهم الدكتور جابر عصفور والشعراء حسن توفيق وحسن طلب، كما كان للدكتور الطاهر أحمد مكي الدور الكبير في معالجة كل ما يخص الأدب الأندلسي والدراسات العربية المعاصرة ، ولينضم إليه من نفس الكلية الأثيرة إلى قلوبنا جميعا الرائد الكبير محمود قاسم – عميد كلية دار العلوم- وطابور كبير من الأدباء الدكتور أحمد هيكل – وزير الثقافة الأسبق- والدكتور محمد أبو الأنوار، والشاعر الكبير فاروق شوشة، والشاعر المجيد المبدع محمود حسن إسماعيل.

هذه الأسماء اللامعة شكَّلت “ديوان ثقافة العرب” من خلال مجلة الهلال التي سطعت في عالم الثقافة والأدب، وشكَّلت وجدان العرب جميعا، وقد سمعت بأذنيَّ من أدباء عرب في منطقة الخليج العربي من السعودية ومرورا بالبحرين وسلطنة عمان ودولة الإمارات كيف كانوا ينتظرون وصولها إليهم في الثلاثينيات والأربعينيات ليعرفوا كل جديد في مجال الثقافة، وليقرءوا لكُتَّابهم المفضلينكثير من كُتَّاب “الهلال” تربطهم بي علاقة وثيقة، سواء في مصر أو في بلاد عربية كثيرة، منهم من هو على قيد الحياة –أطال الله عمره-، ومنهم من رحل!! لكن “الهلال” مازالت تحمل إنتاجهم بحوثا ومقالات وقصائد شعرية نذكر منهم الشاعر المبدع محمود درويش، والشاعر العربي الكبير نزار قباني، والشاعر العراقي الفذ محمد الجواهري، والقاصي السوداني الطيب صالح، إضافة إلى أدباء عرب أثروا مجلة “الهلال” في مقدمتهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة.

ولو تحدثنا عن أدباء مصر الذين أثروا “الهلال” بإنتاجهم فإننا نحتاج إلى مجلدات، وفي مقدمتهم العالمي الأديب نجيب محفوظ، والدكتور يوسف إدريس، والقاص يحيى حقي، والقاص محمد عبد الحليم عبدالله، والدكتورة لطيفة الزيات، والدكتور زكي نجيب محمود والأستاذ محمود أمين العالم، وطابور طويل من الكتاب الذين أثروا مجلة “الهلال” بإبداعاتهم، وكانت بالنسبة لهم المجلة المحببة إلى نفوسهم لكي يعبروا عبر صفحاتها إلى كل عوالم الثقافة والإبداع في عالمنا المعاصر!.

وابتداء من هذا العدد تدخل “الهلال” عامها الخامس والعشرين بعد المائة، وهي أكثر صلابة وقوة، وقد حصلت في يناير عام 2001م على الجائزة من معرض الكتاب بفضل الطفرة النوعية في الإخراج والتحرير، وتسلمها رئيس مجلس الإدارة من رئيس الدولة آنذاك أمام حشد كبير من مثقفي مصر.

وكما أشرت بل وأؤكد هنا بعد رحلة 46 عاما مع مجلة “الهلال” خادما فيها ومخلصا لها أن العديد من كبار مؤرخي الصحافة الأدبية والثقافية في العالم قد اعتبروا أن مجلة الهلال تعد بحق السجل الدقيق لتطور الحياة الفكرية والثقافية العربية على مدى قرن وخمسة وعشرين عاما، ومازالت هذه النبوءة تزيد الهلال إصرارا على أداء دورها المحوري من خلال ما تقدمه من فكر وإبداع سواء من خلال المقالات والدراسات المتميزة في شتى ألوان المعرفة أو الملاحق والأعداد الخاصة التي كان لها فضل السبق حيث خصصت أعداداً خاصة لعميد الأدب العربي طه حسين، والأديب الكبير عباس محمود العقاد، ولصاحب نوبل الأديب الكبير نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ومحمود تيمور، ومحمود درويش، ورجاء النقاش، وعبد الرحمن الأبنودي وغيرهم.

إن مجة “الهلال” هي بحق السراج المنير للفكر والثقافة بفضل جهود رؤساء تحريرها المخلصين، وبفضل الدعم الكبير من رؤساء مجالس إدارات دار الهلال والذين يعرفون قيمتها ودورها الإبداعي في حياتنا الثقافية، فإلى المزيد من التقدم والازدهار كنهضة أمة تبحث عن عودة مجدها وحضارتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.