الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

رائد تاريخ أدبنا العربي

0 33

كتب :د.محمد فتوح أحمد

حين وصل إلى القاهرة في أكتوبر سنة 1883 م لم يكن أحد – ولا هو نفسه – يعرف أن عاصمة المعز تشهد قدوم أحد فرسان التنوير الفكري، الذي سوف يستأثر بمكانة لا تبارى في ميادين العلم والثقافة و الأدب على حد سواء.

جرجي زيدان العصامي الذي فر من جحيم الفتنة الطائفية التي ضربت وطنه – لبنان – منذ سنة 1860 ، والذي علم نفسه بنفسه، فكان آية عصره في التربية الذاتية ، والقدرة على هزيمة الصعاب ، والإيمان بسلطة العقل وقيمة الحرية، وهما أقنوما التنويرفي أدق مفاهيمه الإنسانية، ناهيك عن عزيمة لا تقل صلابة عن الحديد، وفدت إلى القاهرة وهي لا تملك من متاع الدنيا شيئا، فإذا هي تبني لنفسها كيانا باذخا وشهرة عريضة في ساحات الصحافة والأدب والتاريخ.

وإذا ذكرنا لجرجي زيدان آثاره الصحفية ممثلة في إدارته الرشيدة لمجلة المقتطف طيلة عام ونصف العام، ثم إصداره لمجلة الهلال (سنة 1892) التي كان يتولى تحريرها بنفسه حتى كبر ابنه “إميل” فصار يساعد والده في تحريرها، ثم ذكرنا له جهوده في التدوين التاريخي ممثلة في دراساته التاريخية عن “مصر الحديثة”، و عن “تاريخ التمدن الإسلامي”، ولا سيما ما خطته يراعته خاصا بتاريخ الإسلام في سبع عشرة رواية تعالج فترات من التاريخ تمتد من الفتح الإسلامي حتى عصر المماليك – نقول إذا ذكرنا كل هذا وغيره من فتوحات “زيدان” في ساحات معرفية كان يرتادها ارتياد المتخصص، فإننا لا يمكن أن ننسى له ريادته لتاريخ الأدب العربي ممثلة في كتابه الموسوعي “تاريخ آداب اللغة العربية” الذي صدر في أربعة أجزاء في الفترة (1911 -1914م)، فكان فتحا في بابه من حيث اعتماده على عنصرين لا غنى عنهما لأي باحث منصف في تاريخ الأدب العربي، وهما: الحياد في النظر، و الموضوعية في رصد الظواهر، حتى عد هذا الكتاب – منذ صدوره – عمدة للمشتغلين بتاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة، وصحيح أن التأريخ للأدب العربي لم يتقطع منذ ابن سلام الجمحي في كتابه “طبقات فحول الشعراء”، وابن قتيبة في كتابه “الشعر والشعراء” وحتى المحدثين من أمثال أحمد طه إبراهيم وحسن توفيق العدل، ولكن ما يميز كتاب جرجي زيدان هو موسوعيته ومنهجه الذي يتشيث بأهداب المنطق العلمي في تفسير الظواهر، متأثرا في ذلك بمنهج المستشرقين في دراسة تاريخ آداب اللغة العربية، وبخاصة كارل بروكلمان المستشرق الألماني في كتابه الموسوم “تاريخ الآداب العربية”، وإن كان الطابع الموسوعي و المنهج العلمي الذي تذرع به جرجي زيدان في مؤلفه لم يحولا بين الكتاب و رواجه في أوساط جمهرة الناطقين بالعربية، وربما رجع ذلك – في بعض أسبابه – إلى سلاسة لغته وتدفق أسلوبه، بحكم أنه نشر في الأصل منجما على هيئة فصول في مجلة الهلال ( سنة 1894م) تحت ذات العنوان الذي ظهر على غلاف الكتاب في طبعته الأولى.

 

في المقدمة الضافية – رغم اكتنازها – التي صدر بها الدكتور شوقي ضيف طبعة دار الهلال من كتاب “تاريخ آداب اللغة العربية” بتكليف من السيدين “إميل وشكري زيدان”، اللذين انتدباه لمراجعة الكتاب و التعليق على ما يستحق التعليق عليه من قضاياه وأفكاره، مع تصحيح  بعض ألفاظه وضبط أشعاره، ينوّه مراجع الكتاب بمنهج صاحبه الذي يأخذ نفسه بأساليب البحث الحديث في دراسة العلل و الأسباب السياسية و الاجتماعية التي أثرت في أدبنا على مر الأحقاب والعصور، حيث يفرد فصولا للحياة العقلية ليتبين أصداءها في الحياة الأدبية، فالأدب الخالص ليس شعبة منقطعة عن بقية شعب الحياة والفكر في الأمة، “بل هو فاعل فيها ومنفعل بها، لا ينم تاريخه ولا تصوره بدونها”.

وإذا كان لنا أن نسم هذا المنهج الذي يصل النتاج الأدبي بعصره، وبما يموج به هذا العصر من تيارات الفكر والسياسة، فإنه يقع – غالبا – في نطاق المنهج التاريخي الذي كان سمة الفكر بعامة، غربيه وشرقيه، على مفرق القرنين التاسع عشر والعشرين، ولكن الإنصاف يقتضينا أن نشير إلى أن جرجي زيدان، الذي كان يمتاح من معين معرفي تمتزج فيه أمشاج الثقافات الأوروبية على تنوعها، لا يقنع بمجرد رصد لقاح العقلية العربية في تفردها وخصوصيتها، بل يضيف إليه ضربا من المقارنة المفيدة بين هذا اللقاح ونظائره فيما اطلع عليه من نتاج اللغات الأوروبية التي كان يجيدها ويتمثل عطاءها، “فيعرض من حين إلى حين للآداب الغربية، وخاصة

 

الآداب اليونانية، مؤمنا بأن دنيا الأدب جميعا واحدة، وأحكامها العامة واحدة، لأنها تستقي من موارد واحدة، هي الحياة الإنسانية بكل ما اختلف عليها من صروف”. وهكذا لا نكاد نفرغ من مطالعة هذا السفر بأجزائه الأربعة، حتى نصبح على يقين بأن صاحبه لم يأخذ نفسه بالقيود الصارمة للمنهج التاريخي، بل أضاف إليها وعيا مقارنا، يصل الظاهرة بأشباهها في الآداب الإنسانية الكبرى، ومن ثم يئول في نهاية الأمر إلى ما يمكن أن يطلق عليه المنهج التاريخي المقارن.

و”زيدان” لم ينته إلى هذا المنهج إلا بعد روية وتفكير، فقد كان بين أمرين، إما أن يرصد العلوم والآداب في تفردها وتطورها، أو أن يرصد العصور في تعاقبها وما حفل به كل عصر من تيارات الأدب والفن، فإذا لجأ إلى الطريقة الأولى، كأن يدرس الشعر مستقلا، والنثر منفردا، فإن هذا قد يعني انقطاع الظاهرة عن أشباهها، أما إذا لجأ إلى الطريقة الثانية فقد يعينه ذلك على ما أخذ به نفسه من ربط الظاهرة بأسبابها، وتعليق الإبداع الثقافي بمحيطه الزمني وبيئته الحضارية، وهكذا كان اختياره لتلك الطريقة لأخيرة في دراسة تاريخ آداب اللغة العربية قبل الإسلام وتاريخها بعده، ثم دراستها في ظل الإسلام مقسمة إلى عصور وفق تقلبات السياسة والتطور الزمني، فيبدأ بعصر صدر الإسلام، فالعصر الأموي، فالعباسي، فالمغولي، فالعثماني، فالعصر الحديث، وهكذا لا تفرغ من أجزاء الكتاب حتى تنطبع في ذهنك صورة لتاريخ العقل العربي منذ الجاهلية حتى اليوم.

  • 3 –لقد صدرنا مقالنا هذا بأن “زيدان” هو أحد رواد التنوير الفكري في حقل التأريخ الأدبي، ولم يكن هذا الوصف من قبيل المصادرة، لأن الرجل في تقديمه لهذا الكتاب – الموسوعة – لا يخفي هذا المنزع التنويري، حين كان يبتغي من كتابه “أن يكون معجما للعلم والعلماء، والأدب والأدباء، والشعر والشعراء، ولما جادت به قرائحهم من التصانيف والمنظومات، ووصف كل منها ومحل طبعه أو وجوده”، وبالجملة كانت بغيته أن يكون لهذا الكتاب فائدة عملية، فضلا عن الفائدة النظرية.

وإذا كان هذا المنزع التنويري غير بعيد عن روح الفترة التي كان “زيدان” يتنفس عبقها، ممثلا في تراث “الطهطاوي” و”علي مبارك” و”محمد عبده”، وفي فتوحات القباني وأديب إسحاق المسرحية، وفرح أنطون مؤسس مجلة الجامعة، فإن ما يحسب لرجلنا أن هذا المنزع لم يطفئ – وما كان له أن يطفئ – وهجه “العروبي” الذي بدا واضحا في رغبته في توثيق ثمار عقول أبناء العربية، ونتائج قرائحهم، وبيان منزلة العرب بين سائر الأمم الراقية، وتاريخ ما تقلبت عليه عقولهم و قرائحهم، وما كان من تأثير الانقلابات السياسية على آدابهم باختلاف الدول والعصور، ناهيك عن تاريخ كل علم من علومهم، وتراجم رجالهم، والكتب التي أبدعوها، ومميزاتها، وتأثر بعضها ببعض، ووجه الإفادة منها، والمكتبات الكبرى التي يمكن التماسها فيها، كمكتبة المتحف البريطاني والمكتبة الأهلية في باريس، وغيرهما داخل البلاد العربية وخارجها.

ثم ها نحن اليوم، وقد غبر على هذا السفر الرائد ما يربو على قرن من الزمن، ننظر فيه وقد نرى ما يستحق المراجعة، ونقرأ فصوله في أدبنا القديم والحديث فنجد في قراءتنا ما يمكن التعليق عليه، أو حتى ما يمكن الاختلاف حوله من وجوه النظر أو الاستنباط، بل لعل شيئا من هذه المراجعة قد بدأ عقب ظهور الطبعة الأولى من الكتاب بأقلام الشيخ أحمد الإسكندري وغيره من المهتمين بالدرس الأدبي، بل ربما كان تكليف الراحلين إميل وشكري زيدان للدكتور شوقي ضيف بالإشراف على إصدار جديد لهذا الأثر الفريد يحمل في ثناياه رغبة في تلافي ما عسى أن يكون قد تجاوزه العصر من أدوات البحث ووسائل الاطلاع، هذا فضلا عن أنك أينما وليت وجهك في مكتبتنا العربية وجدت بحوثا غزيرة في شتى مناحي المعرفة الأدبية، عن عصر بعينه، أو شاعر، أو كاتب، أو إقليم، ثم هي تارة تؤرخ وترصد ، وتارة أخرى تلحظ وتنقد، وقد تضيف إلى الرصد والنقد تصنيفا للكاتب أو الشاعر ضمن تيار أو مذهب أدبي في الشعر والنثر، وهذا وغيره لم يكن متاحا في الحقبة التي ظهر فيها سفر جرجي زيدان- نقول: هذا كله وسواه يمكن أن يخطر ببال القارئ حين يعاود مراجعة هذا الأثر الرائد، ولكن يبقى لصاحبه فضل الإسهام في ريادة تاريخ آداب اللغة العربية على مفرق القرنين التاسع عشر والعشرين، وتذرعه في هذا المقام بأقصى ما أمكنه من دواعي التجرد والموضوعية، واستثماره لاطلاعه الواسع على الثقافات الأجنبية في تطبيق آليات المنهج العلمي في البحث الأدبي، ترفده في هذا السبيل معرفة عميقة بعديد من اللغات الأوروبية، واستشراف رحب لمناهج الآخرين في التأريخ لآدابهم، ومحاولة صادقة في الاحتكام إلى النظر العقلي الرشيد في البصر بالظواهر وإناطتها بأسبابها، وكفى بهذا جميعه دليلا على سلامة القصد و نبل الغاية وسداد الطريق.

– كاتب وأكاديمي مصر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.