الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

رحلتي مع الهلال

0 45

بقلم – سناء أبو شرار

قضيت الجزء الأكبر من طفولتي بين الكتب وكان حلمي أن أكون كاتبة، وكان اسم الهلال مألوفا لدي، عبر الروايات والمجلات. طفلة فلسطينية لم تعرف عن مصر سوى تلك الروايات التي كانت تقرؤها لكتاب مصريين والأفلام وبعض المسلسلات، ولم يكن خيال تلك الطفلة يسافر لأبعد من حدود مدينتها الصغيرة.

ولكن ورغم صغر المدينة، كان هناك مكتبة صغيرة توجد بها جميع الكتب التي جعلت تلك الطفلة تسافر حيث تشاء ولكنها ورغم رحلاتها الخيالية لم يصل خيالها إلى أنها سوف تنشر يوماً ما ولو كتاباً واحداً في الهلال المصرية، التي كانت ولا تزال من أعرق دور النشر العربية.

بكلمات خجولة بدأت رحلتي مع الكتابة ثم النشر لدى الهلال المصرية، ولا أكتب عن  الهلال هنا لامتداح يمكن أن يتغنى به أي كاتب، ولكن لأن تجربتي مع  الهلال تجربة فريدة من نوعها، ففي وطني تجاهل من حولي موهبتي في الكتابة، ولم يكن هناك أي اهتمام لما أكتب وهو حال معظم الدول العربية حيث العلاقات أهم من الموهبة والمصالح أجدى من البحث عن الكاتب الحقيقي.

وهذا لا يعني بأن موهبتي فذة أو غير عادية، بل هي موهبة منحها الله لي ولا فضل لي بها، وهناك من هو أفضل وأعلى رتبة مني، ولكن ما يميز تجربتي مع  الهلال ليس موهبتي، بل قبول  الهلال لي، فلم أكن مصرية، ولم أكن معروفة، ولم يكن لدي أي علاقات ، كاتبة مجهولة من جنسية فلسطينية تضع روايتها الأولى في دار الهلال ولديها من الشك أكثر من اليقين بأن يتم قبول روايتها، وكانت أول رواية أنشرها  في روايات  الهلال بعنوان ” في انتظار النور” ثم يأتي الرد بالموافقة.

وقفت طويلاً خلف نافذة غرفتي أراقب تساقط الأمطار في أوائل فصل الشتاء، وتذكرت تلك الطفلة التي كانت تسير حاملة كتبها في كل يوم جمعة باتجاه المكتبة القديمة، ودمعت عيناي لأنه أصبحت لي رواية سوف يقرؤها أحد ما، راقبت الوجه الذي إنعكس على الزجاج أمامي وأدركت حينها بأنني يمكن أن أقول عن نفسي الآن بأنني كاتبة.

تحقق حلمي في مصر وليس في فلسطين أو الأردن حيث أعيش، لم تسألني  الهلال إن كنت مصرية أم لا، بل لم تسألني إن كنت أحب مصر أم لا، استلمت الدار مني الرواية ووافقت على النشر دون شروط، وليس هذا فحسب، بل تم توزيع الرواية في كل المكتبات واتصل بي أشخاص لا أعرفهم ليبدوا رأيهم بالرواية؛ لم يذهلني تحقق حلمي بقدر التعامل الحضاري والرقي الأدبي لتعامل الهلال المصرية، والتي قبلت وتقبل جميع الكتاب من أي جنسية عربية، في حين تشترط العديد من الوزارات في الدول العربية أن تكون جنسية الكاتب من نفس البلد ليتم مجرد قبول قراءة كتابه دون حتي قبل أن يطلب نشره.

ولكن الهلال ليست فقط تجربة الشخصية، بل كثيرا ما أثارت في نفسي تساؤلات عديدة، ففي مجتمع عربي تتقلص به مساحة الثقافة لا تزال الهلال تصر على الاستمرار ولا تزال تشكل مركزا مهما في الحياة الثقافية العربية.

يقول أينشتاين:” الشيء الوحيد الذي لابد أن تعرفه هو مكان المكتبة” وقد منحت الهلال للمواطن العادي المصري والعربي فرصة معرفة مكتبته ودار نشره، ولم تبن جسورا من الجفاء والطمع المادي ما بينها وبين الكاتب المصري أو العربي.

ثم بنت تلك الألفة النادرة ما بين الكاتب ودار النشر والقارئ، فجميع مراكز بيع الكتب في مصر تنتظر إصدارات الهلال تضعها على رفوف المكتبات أو تعلقها على الحبال الرقيقة في أكشاك بيع الكتب؛ وهي علاقة لم أجدها في أية دولة أخرى في العالم بل هي تجربة فريدة من نوعها أوجدتها الهلال المصرية ولابد من عمل دراسة أو رسالة دكتوراه عن الأثر الذي تركته الهلال المصرية في وجدان المواطن المصري بشكل خاص والعربي بشكل عام؛ فحتى أكبر دور النشر الغربية لم تستطع أن تبني مثل هذه العلاقة الوثيقة الحميمة بين الناشر والكاتب والقارئ؛ هناك شركات عالمية هدفها الأهم هو إنشاء هذه العلاقة الحميمة مع الزبون وتعتبر أن نجاحها بإيجاد هذه العلاقة هو المعيار الأهم لتفوقها فتستشير علماء النفس والاجتماع والاقتصاد بدافع تقوية هذه العلاقة؛ وهو ما قامت به الهلال المصرية على مدار عشرات السنوات بتلقائية وعفوية نادرة وغير مسبوقة، إن دار نشر تمتلك هذه القاعدة الشعبية الضخمة على المستوى المصري والعربي لابد أن يكون لها امتداد واستشراق أكبر وأوسع مما حققته لأن ما تمتلكه يعتبر ثروة لا يمكن تقدير قيمتها في عالم النشر والثقافة.

ويقول ” راي برادوي” 🙁 هناك جريمة أسوأ من حرق الكتب وهي عدم قراءتها) وهي جريمة ترتكبها يومياً دور النشر التجارية، التي جل همها أن تحصل على المردود المادي ولا يهم أن توزع الكتاب الذي تم نشره والذي يقبع منسياً في مخازنها ولا تقوم بما يجدر بها القيام به من التسويق والتوزيع وعمل الدعاية اللازمة للكتاب وما ينتج عن ذلك من إحباط للكاتب واستغلاله مادياً ومعنوياً ثم ربما توقفه نهائيا عن الكتابة مما يعني قتل موهبة ربما تكون مبدعة ومتميزة ؛ وهو أيضاً ما يُحسب للهلال من نشرها وتوزيعها للكتاب الذي تنشره بسعر بمتناول المواطن العادي؛  فالهلال لم تساهم فقط بمساعدة الكتّاب بنشر كتبهم بل كذلك ببيع وتوزيع هذه الكتب ومنح الفرصة لأي كاتب موهوب بأن يكون له جمهور وقراء وأن يشعر بقيمته الأدبية حتى ولو لم تطاوعه إمكانياته المادية. ويقول ” جيفري واكر” : ( بمجرد أن تبدأ بنشر كتابك تصبح نجماً ويراك الناس كذلك) وهو ما تقدمه الهلال لكتابها دون شروط مُسبقة، أن يحصل الكاتب على إستحقاق وشرف كونه كاتبا لأن هذا اللقب لا تمنحه الجامعات ولا حتى الحكومات، من يمنح هذا اللقب هي دار نشر أمينة وملتزمة أخلاقياً وقارئ أحب دار النشر هذه ويثق بكل ما تقدمه، وحين يقبل القارئ بما يكتبه كاتب معين ويعتبر بأن ما يكتبه له قيمة وكذلك دار النشر فيتمتع بهذه الحالة فقط بلقب الكاتب ليس ليفتخر بل ليكون على مستوى المسؤولية التي تطلبها منه دار النشر والقارئ أيضاً.

ولكي نفهم فعلاً أهمية دور الهلال المصرية، فليسأل كل منا نفسه سواء كاتب أو قارئ : كيف لكاتب مبتدئ مغمور أن يصبح كاتبا معروفا- ليس لأجل الشهرة بل لأنه فعلاً موهوب ولديه ما يقوله، ولأن الشعوب الحضارية تكن كل الاحترام والتقدير للكاتب وتعتبره أساس كل تطور في المجتمع- كيف لهذا الكاتب المغمور وخصوصاً إن كانت إمكانياته المادية معدومة كيف له أن يقدم ما لديه وهو ربما يصبح من أكبر كتاب دولته ! لابد من التأكيد والإصرار بالإجابة بأنه دون وجود دور نشر  كالهلال أو حكومات داعمة بشكل حقيقي للثقافة والأدب فإن هذا الكاتب المغمور سوف يتوقف عن الكتابة وسوف يعود لعمله اليومي كي يُعيل أطفاله وينسى حلمه بل لن يتجرأ على حلم يؤلمه أكثر مما يُسعده.

نحن هنا لا نتكلم عن مدح  للهلال وإن كانت تستحق المدح، ولكن نتكلم عن مشكلة حقيقية قاسية تواجه الكتاب المبتدئين أصحاب المواهب الفذة والمغمورة والذين لن يجدوا فرصة لهم ليتم التعرف عليهم سوى عبر دور نشر لها سياسة ومنهجية الهلال بتشجيع الموهبة بغض النظر عن الاسم أو الجنسية أو الانتماء.

ثم أبدعت دار الهلال حرفية عالية جداً وهو ما عبر عنه الكاتب والمفكر ” سميث جودين” بقوله : ( مستقبل النشر هو وجود اتصال مع القراء ومعرفة ما يريده هؤلاء القراء) ومن المعروف أن النشر في الغرب عبارة عن صناعة عالية الجودة والحرفية، فدور النشر العريقة تستلم مئات النصوص الأدبية يومياً وتنتقي منها الأفضل والذي تكون متأكدة من أنه سوف يلاقي الرواج والنجاح، بينما الغالبية العظمى من دور النشر العربية تنتظر المكسب المادي من الكاتب الناشر فقط وهو ما يسبب التعثر الثقافي والأدبي بنشر كتب دون المستوى المطلوب مما ينفر القارئ ويساهم في إضعاف الثقافة العامة؛ وهو ما لم تتبعه الهلال بإصرارها على قيمة ما تنشر بغض النظر عن الكسب المادي، وبإيجاد تلك العلاقة الفريدة بين الكاتب والناشر وهي علاقة غير موجودة في أي دار نشر أخرى عدا عن دار الهلال لأنها وببساطة دخلت جميع البيوت وتواصلت مع جميع فئات المجتمع ومنحت القراء الشعور بأن القراءة جزء من حياتهم وأنها ليست تكلفا حضاريا أو ثقلا ماديا بل منحتهم متعة القراءة والتواصل الدائم عبر انتظار ما يتم إصداره فأصبحت القراءة روح لحياتهم وأجنحة لأحلامهم وسعادة بسيطة يشعرون بها عبر التآلف من هذه الدار التي شكلت جزءا من موروثهم الثقافي وثرائهم الاجتماعي.

ورغم كل ما حققته الهلال المصرية من إنجازات، هناك الكثير لتحققه وأن تستثمر رأس مال ادخرته منذ سنوات بأن تكون دار نشر على مستوى عربي وعالمي تفتح أبوابها للمواهب بجميع اللغات، وأن لا تتوقف طموحاتها على ما تمتلكه الآن بل إن ما تمتلكه الآن هو أساس لثراء قادم عبر سياسة متطورة للنشر، والبحث عن المواهب الفذة وتقديم الأجود والأفضل، وفتح الأبواب على مصراعيها والتواصل مع جميع دول العالم عبر الترجمة وفتح أسواق عالمية للكتب الصادرة عن الهلال فنحن في عالم الرؤية المحدودة والضيقة به لا تشكل أساسا للثراء والانطلاق بل لابد من رؤية عالمية طموحة بها إصرار واعتزاز بما تم إنجازه ثم التطلع إلى ما يمكن تحقيقه، لتكون مصر في الصدارة في إيجاد دار نشر عالمية لا يوجد لها نظير في الدول العربية ودار الهلال تمتلك جميع المؤهلات وذلك من حيث الشهرة والعراقة وموقعها في مصر وأهميتها على صعيد الوطن العربي، فلا يكفي الرضى بما يحقق كل منا بل لابد أن تكون التطلعات بأجنحة تحلق إلى الأعلى.

فالشكر والعرفان للهلال المصرية من طفلة فلسطينية كانت تحلم بأن تكون كاتبة وحققت لها الهلال المصرية حلما صغيرا أصبح كبيرا؛ وكل التقدير لمصر العراقة والأصالة شعباً وثقافةً وحضارةً، مصرنا الجميلة الدافئة حفظها الله من كل مكروه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.