الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

روميو وجولييت.. أيقونة الحب والمصير

0 91

كتبت:د.وفاء كمالو

عندما كتب شكسبير مسرحيته الثائرة “روميو وجولييت” أهدى التراث الإنساني، وهجا وشوقا وحنينا ظل مرتبطا بسحر الحب، بغموضه وأسراره، وبكارته وأحلامه .ففى هذه التراجيديا المأساوية يأخذنا المؤلف إلى أعماق عالم مثير يشتبك فيه الحب والعشق بالقدر والوجود والمصير، لنصبح أمام ومضة وجودية خاطفة تشتعل بجمرات عشق نادر، انطلق ليعانق ضوء الشمس، ودفء القمر وسحر الليالي، وجموح مشاعر شابة هادرة، واجهت منذ اللحظات الأولى، صراعا عنيدا ساخنا، يحكم وجود أسرتين من النبلاء .   

تنتمى المسرحية إلى الأساطير الشعبية الإيطالية، وقد كتبها شكسبير ليضعنا أمام اختراق درامى مبهر لعالم النبلاء الإقطاعي، المسكون بالفساد والعذاب والانهيار، تلك الرؤى التى تغتال إيقاعات الحياة، لتصبح صمتا وسكونا وموتا وعبثا .

منذ اللحظات الأولى نتعرف على العائلتين الكبيرتين، حيث النبيل كابيوليت، والشريف مونتاجيو، البدايات تكشف أبعاد الصراع والعداء المستحيل، وتأخذنا إلى أعماق عالم جامد، غابت ملامحه الإنسانية، فافتقد المعنى والهدف وكل الدلالات، ويظل بريق الوعى الثائر كاشفا عن ارتباط الأحداث بظروفها التاريخية والاقتصادية والاجتماعية، فنحن أمام مجتمع شديد التسلط، محكوم بتقاليد سائدة، وتابوهات مخيفة جامدة، لا يعرف المشاعر، ولا مكان فيه لإنسانية الإنسان، لذلك كانت موجات القهر العارم تنفى كل أحلام التمرد والعصيان، ورغم ذلك يظل الحب الأسطورى النادر، هو الفيض المثير، الذى كان وسيظل قابلا للجدل والاشتباك مع أعماق الإنسان .

لقد كتب شكسبير قطعة فريدة من الفن الجميل، جاءت كتراجيديا مدهشة للحب والموت والمصير، الأحداث تتخذ مسارا لاهثا نحو النهاية، والصراع يضع الجميع أمام مواجهة قدرية عنيفة، أما روميو وجولييت فهما مزيج من سحر الطبيعة وحرارة الشباب، واندفاعات المشاعر، وموجات الوهج الوردى فى إيطاليا، حيث الشمس والضوء والحرارة والنجوم، وسحر الحب الأبدي، الذى سكن عيون روميو حين نظر إلى جولييت، فبادلته وعودا وعهودا وأشواقا وأحلاما، ويقينا عارما بالاكتمال، وفى هذا السياق كانت نظرة الحب فى الحفلة، هى ميلاد خارق لعلاقة غريبة نادرة ، لا يتسع لها الكون الإنساني، ومع ذلك انطلق الحبيبان فوق كل وقائع الوجود العدوانى الآثم، ودفعهما السحر المثير إلى علاقة محكومة بالموت والغياب .
كان القمر هو الشاهد الوحيد على ما حدث بين روميو وجولييت فى الشرفة، كان شاهدا على تلك الليلة الأبدية، حين قرر الحبيبان أن يتزوجا سرا، حينها تكلم روميو بلغة شكسبيرية ساحرة، تكشف أبعاد حالة حب تقع فوق كل التصورات والتفسيرات والمبررات، كان الفتى مدفوعا إلى عينى جولييت، التى جذبته إلى دوامات البراءة والبكارة والدهشة والغموض، وكأنها امتزجت بالشمس والقمر والموج والفيض، فتوحدت مع الطبيعة، لتصبح قديسة باحثة عن الشرف والوفاء والحب والاكتمال، وهكذا نلمس سر اشتباك ذلك العناق الساخن مع لغة شعرية رفيعة المستوى، تتجه على مستوى التشكيل الجمالى إلى الربط المثير بين الفانتازيا والواقع والطبيعة، وأجمل ما فى الإنسان.
بعد لقاء روميو وجولييت فى تلك الليلة،يتجه الفتى فى الصباح إلى الكنيسة، حيث الأب «لورنس»، الذى يعترف له روميو بكل الأسرار ويطلب منه أن يزوجهما اليوم، فيوافق القس مؤكدا أن الزواج، قد يحل مشكلة العداء الطويل بين عائلتى كابيولت ومنتاجيو، وهكذا أصبحت جولييت زوجة روميو، لكنها عادت إلى منزلها، وانطلق فتاها إلى عالمه،ليواجه بدايات مصير مخيف، حيث تدفعه الظروف إلى مواجهة «تيبالت « – ابن عم جولييت – فيقتله روميو بعد مبارزة عنيفة، ويأتى الأمير ليشهد تلك الموقعة الدامية، التى بدأها ابن العم، ويصدر حكما بنفى روميو بعيدا عن فيرونا، أصبح روميو قاتلا وعاشقا معذبا منفيا، فيذهب إلى الأب لورنس، الذى ينصحه بالذهاب إلى زوجته جولييت فى هذه الليلة، كى يتجه فى الصباح إلى منفاه البعيد –، وفور خروجه من حجرة زوجته تأتى أمها لتخبرها أن زواجها من الكونت “باريس”، سيتم خلال أيام –، ورغم رفضها القاطع إلا أن أباها يؤكد أن هذا الزواج هو قرار نهائى ولا مجال لرفضه، وهكذا تقرر جولييت الذهاب إلى الأب لورنس ليساعدها، وإذا لم يستطع فسوف يكون الموت هو طريقها –، وهناك يقترح عليها القس أن تأخذ ذلك الدواء، الذى سيجعلها شبيهة بالموتى، حتى تتجاوز عار الاقتران بباريس، وتظل زوجة لروميو –، وفى ذلك السياق تأخذ السائل، لتشربه فى الغد وتنام –، وسوف تظل غائبة عن الوعى لمدة يومين ثم تفيق .
ارتدت جولييت أجمل ملابسها وشربت السائل، وغابت عن الوجود، وفى الصباح دخلت المربية لتوقظها –، لكنها صرخت حين رأتها باردة لا تتحرك –،و

جاء الأب والأم يبكيان الجميلة، التى ماتت، وهكذا نجحت خطة القس لورنس ووضعت جولييت فى تابوت مفتوح، وانتقلت إلى مقبرة كابيوليت، ويذكر أن القس كان قد أرسل شخصا ليخبر روميو بكل التفاصيل، ليعود ويأخذ جولييت ويعيشان بعيدا–، ولكن يبدو أن الأقدار شاءت غير ذلك، حيث عجز رسول القس عن الوصول إلى الفتى المعذب، الذى علم من أحد أصدقائه أن جولييت الجميلة ماتت .
اندفع روميو إلى الصيدلانى واشترى سمًا قاتلاً، أخذه وذهب إلى المقبرة التى ترقد فيها الحبيبة، وهناك تظل الأقدار تعانده، حيث يتهمه الكونت باريس، بانتهاك حرمة الموتى، فيتبارزان بالسيوف، ويقتله روميو –، وأخيرا يشرب روميو السم، ويسرى المفعول القاتل فى جسده بسرعة، ويهوى عند قدمى جولييت وهو يناجيها –، وحين يأتى القس تفيق جولييت وتسأله عن زوجها – فتراه ميتا وزجاجة السم فى يديه –، تندفع إلى شفتيه لتقبله بشغف، لعل السم ينتقل إليها –، ثم تأخذ خنجره وتدفعه إلى قلبها بقوة، وتموت هى أيضا، وحين يجتمع الأهل أمام هذا المشهد المخيف، تذوب الأحقاد والخلافات، ويتصافح كابيوليت ومونتاجيو، وتظل التساؤلات التى تطرحها المسرحية قائمة – فهل هذا الصباح سيحمل معه السلام والعدل ؟ ؟
هذه هى تراجيديا روميو وجولييت، التى ستظل تشاغب أعماق المبدعين، تناولها المسرح العالمى والمصري، وتناولتها السينما والأوبرا والباليه، لكننا الآن سنتوقف أمام تلك الرؤية الهزلية، التى هزت عرش التراجيديا المأساوية، والتى قدمها مؤخرا مسرح الشباب فى مصر، حيث دخل المخرج الشاب “محمد الصغير»، عالم شكسبير وتناول روميو وجولييت، فكتب إعدادا شديد الرشاقة، ليحولها عبر بصمات لغته المشاغبة، إلى كوميديا هزلية صاخبة، هزت عرش اللغة الكلاسيكية الشعرية الأنيقة، لنصبح أمام لغة عامية بسيطة، تنتمى إلى إيقاعات زمننا الشرس العنيد، تحطمت معها أيقونات الحب الأسطورى المثير، ليكتب الشباب والصبايا أساطيرهم الخاصة، ويذكر أن المخرج قد امتلك مبررات انقلابه على التراجيديا وإيقاعات المأساة، فقد أدرك أن وجودنا تحول إلى نوع من الكاريكاتير الإنسانى المثقل بالخلل والانهيار، وأن العالم من حولنا أصبح ساحة تتفجر بالتناقضات، لذلك اتجهت فلسفة الإعداد إلى الهزل بمفهومه العلمي، حيث أعلن العصيان على هيمنة الرضوخ، واتجه إلى التفاعل الحركى والخطوط السريعة، وتجاوز مفاهيم الإيهام والتوحد، ليخرج من أسر الجدية والحس المأساوي، بحثا عن الرؤى الضدية المشحونة بلغة المفارقة الساخنة، والسخرية اللاذعة، والجروتسك الشرس، وفى هذا السياق نجد أن الجروتسك يسكن قلب عالم المأساة، ولكن إذا كانت رؤية العالم التراجيدية هى تأكيد للثابت والمطلق –، فإن الرؤية الجروتسكية هى نقد وانتهاك واختراق للثابت والكائن والمطلق، ورغم أن الكاريكاتير الساخر يتبنى تيمات المأساة ويطرح نفس تساؤلاتها، إلا أن الإجابات تأتى دائما مختلفة ..كانت الكوميديا الهزلية روميو وجولييت تدور فى أجواء صاخبة من المرح والفرحة والتوتر والأضواء والرقص والغناء، المخرج يطرح نفس أحداث وشخصيات وصراعات التراجيديا الشكسبيرية، لكن اتجه إلى تقنيات اللعبة داخل اللعبة، لنشاهد معا قصة روميو وجولييت، تلك الحالة التى لونها العرض المصرى بألوان واقعنا الحالي، فكان روميو فتى أسمر نحيلاً ومشاغبًا، نراه كثيرا فى شوارع مصر، بينما جولييت مراهقة صغيرة، حادة الصوت، دائمة الصراخ والانفعال، ينادونها بجولييت كابيوليت عبد الرحيم، وهكذا تسقط الأقنعة، وتغيب أيقونات الحب والسحر والخيال، ويظل الجدل متوترا بين النص والإعداد .
تمتد الأحداث والتفاصيل، وتمتزج إيقاعات الراب العصرية، بالدقات المبهرة وموسيقى الجيتار، وتأتى النهاية الجدلية الثائرة، فنرى القس لورنس يتصدر المشهد الرهيب، يقف ليواجه العائلتين فيتحدث كثيرا، لكن صوته لا يصل أبدا إلى الناس، وقار الموت وصمته يأخذنا إلى مصالحة مؤقتة بين العائلتين –، بينما يأخذنا البعد الأعمق للمسرحية إلى احتفال مبهر بالحياة، الغناء يشتبك مع الرقص والضوء، والإظلام يضع حدا لمأساة شكسبير، بينما ينقلنا الضوء الكاشف إلى أهل البلدة الذين يشاهدون قصة الحبيبين، ليعلنوا عبر الرقص والضوء والغناء، العصيان على القهر والتسلط، ويطرحوا نفس التساؤلات التى طرحها شكسبير من قبل ، لكن الإجابات جاءت مختلفة عبر شراسة الكاريكاتير والجروتسك .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.