الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

سياسات رؤساء مصر الاقتصادية والاجتماعية من نجيب إلى السيسي

0 79

كتب :عاصم الدسوقي

عندما قام الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر بالثورة على الحكم الملكى فى مصر ليلة 23 يوليو 1952 أعلنوا حركتهم باسم اللواء محمد نجيب وجاء اختياره لأنه رتبة كبيرة بالنسبة لهم حتى تكتسب الحركة تقدير الشعب المصري. واكتفى الضباط بعزل الملك فى 26 يوليو وتعيين ابنه (البالغ من العمر ستة أشهر) وليا للعهد بمجلس وصاية، وتولى مجلس قيادة الثورة إدارة شؤون الحكم وتنازل عبد الناصر لمحمد نجيب عن رئاسة المجلس، لكن القيادة الفعلية للعمل كانت فى يد عبد الناصر. وعلى هذا فإن أول «رئاسة» لمصر غير الملكية كانت لمجلس قيادة الثورة برئاسة محمد نجيب شكلا، أما فعليا فكانت لجمال عبد الناصر. واستمر هذا الوضع حتى تم إعلان الجمهورية فى 18 يونيه 1953 أثناء التفاوض مع الإنجليز بشأن الجلاء، وكان إعلان الجمهورية فى هذا التوقيت قد تم لإحباط محاولات إعادة الملكية فى مصر.
وهذا التطور يعنى أن أول رئيس لمصر الجمهورية كان محمد نجيب فى 18 يونيه 1953 بقيادة فعلية لمجلس قيادة الثورة ممثلا فى عبد الناصر حتى إعفاء

محمد نجيب من الرئاسة فى 11 نوفمبر 1954. واستمر ناصر رئيسا لمجلس الوزراء حتى تم إعلان الدستور فى 1956 وتم الاستفتاء على رئاسة عبد الناصر للجمهورية فى يوليه 1956.
وبعد وفاة عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970 تولى السادات الرئاسة حتى تم اغتياله فى السادس من أكتوبر 1981. وبعدها تولى الرئاسة نائبه محمد حسنى مبارك حتى قيام «ثورة» 25 يناير 2011 حين تنازل عن الحكم لصالح المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير طنطاوي. وبعد إعلان دستور جديد تم انتخاب محمد مرسى رئيسا فى يونيه 2012 واستمر حتى 3 يوليه 2013 حين قامت مظاهرات فى 30 يونيه تطالب بعزله، وتبنى عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع مطالب الشعب وأجبر محمد مرسى على مغادرة قصر الرئاسة. وبعد ذلك تولى رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلى منصور الرئاسة لحين إجراء انتخاب رئيس وهذا ما تم فى أبريل 2014 حين حصل عبد الفتاح السيسى على غالبية الأصوات المؤهلة للرئاسة.
***
نحن الآن أمام تسع رئاسات للجمهورية منذ ثورة يوليو 1952: ست منها فعلية، وثلاث اعتبارية وهم: مجلس قيادة الثورة برئاسة نجيب-ناصر، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، والمستشار عدلى منصور.
فما هى السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى تمت فى فترة كل من هذه الرئاسات؟.
حين تسلم ثوار 1952 السلطة أعلنوا أهداف الثورة فى ستة مبادئ يهمنا منها فى إطار موضوعنا: القضاء على الإقطاع والاستغلال وسيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق الطبقية .. فماذا فعلوا.. ؟.
بدأ مجلس قيادة الثورة بالعمل مبكرا لعلاج العجز فى موازنة الدولة فتقرر فى 12 أغسطس 1952 زيادة الضريبة على الإيرادات العامة بالنسبة للشرائح العليا، وعلى الأرباح التجارية والصناعية والمهن الحرة، وعلى التركات (18/8/1952). وكانت هذه التشريعات تستهدف الحد من الدخول الكبيرة لتقليل الفوارق الطبقية فى المجتمع.
وفى 9 سبتمبر (1952) صدر قانون الإصلاح الزراعى لتجريد كبار ملاك الأراضى الزراعية من سلاح قوتهم السياسية وضبط علاقات الإيجار. وكان وضع الملكية الزراعية فى مصر سببا رئيسيا للبؤس الاجتماعى للفلاحين فى مصر وهم الأغلبية العظمى من المصريين، ففى عام 1952 عشية الإصلاح الزراعى

كان عدد الأسر المعدمة فى الريف فى ازدياد ملحوظ ففى عام 1929 كانت نسبتهم 24% ارتفعت فى عام 1939 إلى 38% ثم إلى 44% عام 1950. وعلى هذا استهدف القانون تعديل ميزان ملكية الأرض بتوزيع الأرض الزائدة على حد الملكية على صغار المستأجرين وصغار الملاك لأقل من خمسة فدادين. وهكذا وبفعل سياسات الإصلاح الزراعى انخفضت نسبة الأسر المعدمة فى الريف إلى 30% عام 1961، ثم إلى 28% عام 1965.
ولقد كان لتحديد إيجار الأرض الزراعية بسبعة أمثال الضريبة (21 جنيها للفدان)، وتحديد المزارعة بنصف المحصول، تأثيره الكبير على الانتعاش الاقتصادى لصغار المستأجرين إذ تمكنوا من الانتفاع الحقيقى بجزء من ناتج قوة عملهم لينفقوه على احتياجاتهم الاجتماعية وكان قبل ذلك يذهب إلى جيب المالك حيث كان إيجار الفدان قبل الثورة يتراوح بين خمسة وعشرين جنيها وستين جنيها للفدان الواحد. كذلك ضمن القانون للمستأجر عدم الطرد من الأرض التى يزرعها طالما أنه يدفع الإيجار، وضمن له مدة إيجار لا تقل عن ثلاث سنوات حد أدنى تمشيا مع الدورة الزراعية حتى يستطيع أن يعوض خسارته فى محصول بمكسب من محصول آخر حسب مقتضى الحال. ثم تقرر إلغاء الوقف الأهلى (14 سبتمبر 1952) وكان وجوده مثار سخرية الأعمال الدرامية (راجع على سبيل المثال أفلام نجيب الريحانى ومسرحياته)، لأن الأعيان الموقوفة تحول دون تداولها واستثمارها اقتصاديا.
وبعد العدوان الثلاثى (أكتوبر-نوفمبر 1956) تقرر أن تقوم الدولة بكامل الدور الاقتصادى فى الاستثمار. وكانت البداية فرض الحراسة على المؤسسات الإنجليزية والفرنسية وعددها 1500 مؤسسة من بنوك وشركات تأمين وبترول وتعدين استكمالا لتأميم قناة السويس (26 يوليو 1956)، وتأسست وزارة

الصناعة لتوجيه شؤون التصنيع واستغلال الثروة المعدنية. وأنشئ مجلس التخطيط الأعلى (13 يناير 1957) ليتولى تحديد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للدولة وإقرار خطط التنمية فى مراحلها المختلفة تفرعت منه لجنة التخطيط القومى لإعداد الخطة العامة للتنمية، ثم أدمج فيها كل من مجلس تنمية الإنتاج القومى ومجلس الخدمات العامة.
ومع إنشاء مجلس التخطيط الأعلى، تم إنشاء المؤسسة الاقتصادية للإشراف على المؤسسات المؤممة. وفى اليوم التالى لإنشاء هذه المؤسسة تقرر تمصير البنوك.
كما تم تمصير الوكالات التجارية وقصر مزاولة أعمال الوكالات على المصريين أو الشركات المساهمة بحيث تكون أسهمها للمصريين.
وكان لهذا الدور الاقتصادى للدولة نتائج ملحوظة، ففى تقرير لمنظمة العمل الدولية عام 1959 أثبت أن الدخل الفعلى للعامل المصرى ارتفع بنسبة 21%، وفى عام 1960 احتلت مصر المرتبة الثالثة فى المؤتمر العلمى العالمى الذى نظمته الأمم المتحدة بالنسبة لعدد الأبحاث العلمية التى تقدم بها علماؤها ونوقشت فى المؤتمر.
ثم تنبهت القيادة الثورية إلى أن تمصير رأس المال الأجنبى لم يقض على طبيعة الاستغلال الرأسمالى لكنه أدى إلى توسيع قاعدة الرأسماليين المصريين، وأولئك ظلوا يحجمون عن الاستثمار فى الصناعات الثقيلة المطلوبة للتنمية وظلوا على نهج الرأسمالية الأجنبية التى تبحث عن الربح السريع من خلال مشروعات الخدمات والإنتاج الخفيف، ومن ثم كانت التحولات الكبيرة وقرارات تأميم جميع وسائل الإنتاج الكبيرة فى يوليو 1961 وإقامة القطاع العام للقيام بالمشروعات التى يتردد رأس المال الخاص فى إقامتها.
ومن ناحية أخرى استوعب القطاع العام العمالة المتزايدة من خريجى الجامعات وحملة المؤهلات المتوسطة مما كان له أثره على الاستقرار الاجتماعي. وفى هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى أن خريجى الجامعات المتعطلين عن العمل بلغوا فى عام التأميم هذا (1961) تسعة آلاف من خريجى كليات الآداب والتجارة والحقوق والعلوم والزراعة فتم تعيينهم فى وحدات القطاع العام ابتداء من آخر عام 1961. وأخذت الدولة مسئولية تعيين الخريجين فى كافة الوظائف فى الحكومة والقطاع العام فحدث استقرار اجتماعى وتكونت أسر جديدة. وقد سجلت الإحصاءات فى أبريل 1962 أى بعد حوالى عشرة أشهر من التأميم زيادة قدرها 9,2% فى إنتاج الشركات المؤممة. وأكثر من هذا أن مجانية التعليم شملت مرحلة التعليم الجامعى ابتداء من يوليو 1962.
ومع تأسيس القطاع العام تمتع العمال بعضوية مجالس إدارة الشركات وكان هذا مكسبا له أهميته حيث أصبح للعمال دور فى تقرير أمور الشركة التى يعملون فيها. كما تحقق التوازن بين الأجور والأسعار حيث كانت قبضة الدولة شديدة فى مراقبتها، ولم تكن الفوارق الاجتماعية حادة بفعل تكافؤ الفرص. وتمتع العمال بعضوية التنظيم السياسى فى مختلف مستوياته وفى الهيئة التشريعية (مجلس الأمة) حيث تحددت لهم وللفلاحين 50% من المقاعد. وأصبحت النقابات العمالية سندا قويا للحكومة كنتيجة مباشرة لما أولته القيادة السياسية من رعاية للعمال، وكان من مظاهر تلك الرعاية اختيار شخصيات نقابية لتولى وزارة العمل (أنور سلامة، وأحمد فهيم). وعلى هذا كان منتصف الستينيات قمة إنجازات ثورة يوليو الداخلية، حيث بدأ التماسك الاجتماعى يأخذ مجراه بفضل سياسة تذويب الفوارق الطبقية.

وفى إطار المكاسب والتحولات التى شهدتها مصر بفعل سياسات الثورة نذكر أن المرأة نالت حقوقا سياسية كانت محرومة منها وفى مقدمتها المشاركة السياسية فى كافة التنظيمات السياسية التى تكونت ابتداء من هيئة التحرير (1953)، والاتحاد القومى (1956)، ثم الاتحاد الاشتراكى (1962).
وبوفاة جمال عبد الناصر فى الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 بدأت الرئاسة الثالثة للجمهورية بتعيين أنور السادات. وفى رئاسته دخلت مصر فى مرحلة جديدة اختلفت ملامحها الاقتصادية والاجتماعية عن إدارة جمال عبد الناصر لشؤون الحكم. ولقد امتدت هذه المرحلة إلى فترة رئاسة حسنى مبارك (1981-2011) وكأنها رئاسة واحدة. فعندما رشح مجلس الأمة أنور السادات رئيسا للجمهورية ذهب إلى المجلس فى 7 أكتوبر 1970 وقدم نفسه للأعضاء قائلا «إنه جاء إليهم على طريق جمال عبد الناصر .. وأن برنامجه هو برنامج عبد الناصر كما حدده فى بيان 30 مارس 1968..». وفى نهاية بيانه قال: «إن العمل من أجل تطبيق برنامج 30 مارس فى وجود جمال عبد الناصر شيء والعمل والتطبيق فى غياب جمال عبد الناصر شيء آخر ..»، وهى عبارة كانت تحمل اعتذارا خفيا عن عدم مواصلته طريق يوليو.
وكانت البداية فى أعقاب اتفاقيتى فض الاشتباك بين القوات المصرية والإسرائيلية عقب حرب أكتوبر. ففى 27 فبراير 1974 جاء إلى مصر روبرت مكنمارا رئيس البنك الدولى للإنشاء والتعمير، والتقى بالرئيس السادات وأبلغه أن البنك سيولى مصر اهتماما خاصا «إذا صححت سياساتها الاقتصادية وفق توصيات صندوق النقد الدولي»، وهذه التوصيات تدور حول رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية وترك تسعيرها لآلية العرض والطلب، أى الأخذ بالنظام الرأسمالى والابتعاد عن الطريق الاشتراكى (دور الدولة).
وبناء على توصية مكنمارا هذه أو نصيحته قدمت الحكومة المصرية مشروعا بشأن «استثمار المال العربى والأجنبى والمناطق الحرة» لمجلس الشعب فى 19 مايو 1974 ووافق المجلس عليه وصدر القانون رقم 43 لسنة 1974 (فى 9 يونيه 1974). وكان هذا القانون يسمح بقيام بنوك أجنبية 100% بدعوى أنها فروع لبنوك خارجية وتتعامل بالنقد الأجنبي، ولها أن تقوم بتمويل مشروعات فى المناطق الحرة أو مشروعات محلية أو مشتركة أو أجنبية مقامة داخل مصر، وكذا تمويل عمليات تجارة مصر الخارجية، بعد أن كانت مصر قد تخلصت من تلك البنوك فترة حكم عبد الناصر.
وقبل إصدار هذا القانون كان السادات قد انضم إلى اتفاقيات ضمان الاستثمار الأجنبي، والاتفاقية الخاصة بتسوية المنازعات الناشئة بين الدولة ورعايا الدول الأجنبية، وأصدر القانون رقم 90 لسنة 1971 بشأن تعويض رعايا بريطانيا وسويسرا عن تأميم ممتلكاتهم فى الستينيات. وتحقيقا لهذا عقدت اتفاقية حماية الاستثمارات مع سويسرا فى يوليو 1973 أى قبل حرب أكتوبر لتصفية الأوضاع التى ترتبت على التأميم.
ولما جاء الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون إلى مصر (19 يونيه 1974) اصطحب معه وليم سايمونز وزير الخزانة الذى التقى بوزير مالية مصر عبد العزيز حجازي. وفى ذلك اللقاء قال حجازى لسايمونز: إن مصر تتطلع إلى مساعدات أمريكية لعبور اقتصاد الحرب وذلك عن طريق الاستثمارات الأمريكية فى مختلف المشروعات ..إلخ. فرد سايمونز بوضوح قائلا: «إنه لا يمكن مساعدة الاقتصاد المصرى وهو تحت سيطرة القطاع العام under public sector. فلما قال حجازى ما المطلوب ..؟ .. أجاب سايمونز: تحرير الاقتصاد» liberalization . وبعد انتهاء زيارة نيكسون، تم توقيع اتفاقية فى يوليو 1974 مع ألمانيا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية لتشجيع الاستثمارات الأمريكية فى المنطقة نتج عنها فتح أربعة فروع لبنوك أمريكية بالقاهرة. وما إن حل شهر مارس عام 1975 حتى كان قد تأسس فى مصر 19 بنكا عبارة عن فروع لبنوك عالمية.
ومن سلبيات التخلى عن دور الدولة فى إدارة الاقتصاد عودة الشركات العائلية للظهور من جديد ابتداء من عام 1978 بنفس المنهج القديم ألا وهو عدم المخاطرة والمغامرة، والاستناد إلى العائلة ضمانا للثقة بصرف النظر عن توفر الخبرة أو عدم توفرها. وغلب الطابع العائلى على الطبيعة التنظيمية لهذه الشركات الجديدة حيث تكون الشركة مقتصرة على الزوج والزوجة والأبناء البالغين أو القصر (الأسرة النواة). وقد يتسع مفهوم العائلة ليشمل الإخوة والأخوات وأخوات الزوجة وبعض الأقارب والأصهار. ومن هذا النوع شركات رشاد عثمان التى أسسها وأدارها هو وزوجته وأبناؤه وبناته الستة؛ وشركات توفيق عبد الحى التى أدارها هو وزوجته وشقيقه وصهره؛ وشركات عصمت السادات التى أدارها هو وزوجته وأبناؤه الخمسة عشر، وشركة منتصر للمقاولات من الأب والأبناء، وشركة الشرق الأوسط للإنشاءات (ميدكو) لصاحبها غالب وصفى شعشاعة وزوجته ملك هانم الصورانى والأبناء؛ والشركة المصرية للإسكان (برج النهضة) لصاحبها محمد أحمد إبراهيم وأولاده؛ وشركة النيل للإسكان لصاحبها يوسف على يوسف توبة وزوجته وأولاده؛ وشركة فور-إم للإستثمار والإدارة لصاحبها محمد محمود حسن وعائلته.

 

ومن ناحية أخرى فإن هذه الشركات كانت تعزف عن الاستثمارات الإنتاجية وتركز على النشاط الخدمى فى الفندقة والسياحة والخدمات المصرفية والصناعات الاستهلاكية التى لا تحتاج إلى وقت طويل للإنتاج، وتؤدى إلى الربح السريع. كما لم يكن يهمها فى كثير أو قليل قضية التنمية الإنتاجية وتطوير اقتصاديات البلاد، ومن هنا يأتى هذا الطابع السريع والسهل فى توظيف الأموال.
وفيما يتعلق بالقطاع التجارى فقد تقرر فى عام 1975 إلغاء الحظر المفروض على القطاع الخاص للدخول فى مجال الاستيراد وذلك عن طريق ما سمى بـ «نظام الاستيراد دون تحويل عملة»، وهكذا وفى خلال ثمانى سنوات فقط من 1975-1982 تأسست 22 شركة مساهمة، وافتتحت وكالات للاستيراد من الخارج بلغ عددها فى 1982 أكثر من 1800 توكيل أعادت ربط الاقتصاد المصرى بالرأسمالية العالمية مثلما كان الحال قائما قبل 1952، ومن ثم بدأ السماح بتداول النقد الأجنبى فى مصر مما ترتب عليه تجارة العملة والتهريب والسوق السوداء فكان وبالا على الاقتصاد. وعلى هذا أصبح العجز فى الميزان التجارى ظاهرة مستمرة، ففى 1975 بلغ العجز أكثر من 3 بلايين دولار ولم تتحسن مستويات المعيشة، فضلا عن أن الإنتاج المحلى من الحبوب الغذائية لم يعد يكفى بسبب إيقاف الدورة الزراعية الثلاثية، واستوردت مصر فى 1976 أكثر من 3 ملايين طن من الحبوب بلغت 5 ملايين طن فى 1985 واستمرت الزيادة فى السنوات التالية.
ولقد كان لإجراءات الانفتاح والخصخصة التى أخذت تتعمق بشكل ملحوظ تأثيراتها الاجتماعية السلبية، إذ ارتفع سن الزواج بين الشباب ارتفاعا غير عادى لضيق ذات اليد، وانفتح الطريق أمام أشكال متعددة من انحراف السلوك إلا من رحم ربك، ووقع آخرون فى قبضة جماعات الإسلام السياسى التى أقنعتهم بجاهلية النظام الحاكم وجرتهم معها لإقالة دولة الظلم وإقامة دولة العدل. وزاد معدل جرائم السرقة والسطو والاختلاس والتزوير والاعتداء فى محاولات فردية لحل مشكلة الضيق الاقتصادى.
وأما فيما يتعلق بمجتمع الفلاحين فقد تأثر كثيرا بسياسة الانفتاح الاقتصادى سلبيا، وكانت باكورة تطبيق هذه السياسة إنشاء بنك القرية تابعا لمؤسسة الائتمان الزراعى ابتداء من 1977 انتقلت إليه مهام نشاط الجمعية التعاونية الزراعية ولكن فى إطار علاقات رأسمالية وليست تعاونية مثلما بدأت، خاصة وأن بنك القرية طبق فى معاملاته المالية نظام البنوك الاستثمارية مما أوجد صعوبة فى تعامل صغار الزراع معه فضلا عن تعامل البنك فى مجالات استثمارية غير تقليدية بعيدة عن متطلبات الحائز الصغير الذى إذا أراد الإفادة منها فإنها ترهقه ماديا، فقد بلغ معدل الفائدة على القروض الزراعية التى يقدمها البنك من 13-15% عام 1989 إلى 20,3% عام 1992، وعلى القروض الاستثمارية 18-21% حسب مدى القرض وطبقا لآلية العرض والطلب.
واعتبارا من عام 1987 تم إلغاء الدعم على مستلزمات الإنتاج الزراعى نهائيا، فأخذت أسعار المحاصيل فى الارتفاع تدريجيا مما أدى إلى ارتفاع سائر المنتجات والخدمات وبدأت دائرة التضخم فى الاتساع. كما أدى تعديل العلاقة الإيجارية بالقانون رقم 96 لعام 1992 الذى طبق بعد فترة انتقالية بدأت اعتبارا من أكتوبر 1997، إلى ارتفاع إيجار الفدان إلى22 مثل للضريبة السارية خلافا لقانون الإصلاح الزراعى الذى حددها بسبعة أمثال الضريبة من قبل، فضلا عن إقدام بعض الملاك على طرد المستأجرين مما أدى إلى وقوع معارك دامية بين المطرودين وطارديهم. وارتفعت من جديد نسبة الأسر المعدمة فى الريف فوصلت إلى 33% فى منتصف السبعينيات وكانت 28% عام 1965.
وكشفت دراسة ميدانية أجراها مركز البحوث الاقتصادية الزراعية 1991-1992 شملت سبعمائة مزارع وثلاثمائة عامل زراعى فى خمس محافظات عن تدهور الدخول الحقيقية لمعظم المواسم الزراعية عام 1992، وعن انخفاض أيام العمل الزراعية للمشتغلين من المعدمين مقارنة بما كان عليه الحال عام 1987، وانخفاض أجورهم الحقيقية بمعدل يتراوح بين 50-60% فى ضوء التغيرات المختلفة خلال الفترة من 1985-1993.
وفى مؤتمر استراتيجية الزراعة المصرية المنعقد فى التسعينيات عرض المشاركون فيه بعض الآثار الاقتصادية-الاجتماعية الناجمة عن تطبيق الدولة لسياسة «التكيف الهيكلي» وهو الاسم الحركى لسياسة تخلى الدولة عن دورها الاقتصادى باسم تحرير الزراعة. ومن بين هذه الآثار زيادة حدة تركز الملكية الزراعية، وزيادة أعداد صغار الفلاحين والفقراء الذين حل بهم الخراب وهم يمثلون 93% من جملة الحائزين، وكانت الوطأة أشد بالنسبة لحائزى أقل من فدان ونسبتهم 39% من جملة الحائزين بسبب ارتفاع نسبة التكاليف الثابتة (إيجار وضرائب وموارد) مما أدى إلى تجريدهم من حيازتهم ودفع بهم إلى سوق العمل أجراء.
ومن ناحية أخرى ومع زوال دور الدولة فى التخطيط الزراعى وترك أمر الزراعة لحرية المزارعين فإن المزارع أقبل على زراعة المحاصيل التى لا تكلفه مستلزمات كثيرة. كما توقفت الدورة الزراعية الثلاثية، وتوقف التوريد الإجبارى للمحاصيل وأصبح اختياريا مما نتج عنه فوضى فى الإنتاج وعدم توازن بين العرض والطلب. والنتيجة النهائية لحرية الإنتاج والتسويق أن محصول القمح فى مصر كان يغطى من 20- 30% من حاجة السوق المحلية والباقى يتم استيراده فى ضوء اعتبارات سياسية وبالعملة الصعبة مما أدى إلى ارتفاع الأسعار مع انخفاض الأجور. وتأكيدا لهذا فإن مصر كانت تستورد 32% من احتياجاتها من القمح عام 1960 زادت فى 1975 إلى 64% وإلى 80% عام 1984-1985، وأخذت فى الازدياد.
وترتب على ذلك ارتفاع الديون الخارجية إلى خمسين مليون دولار فى نهاية ثمانينيات القرن العشرين، وارتفاع معدل التضخم من 10% أول الثمانينيات إلى 25% فى أواخرها. كما ارتفعت معدلات البطالة وخاصة بين المتعلمين من 7% إلى 15%. وانخفض معدل النمو السنوى للناتج القومى من 8,5% إلى 2%، وتفاقمت مشكلة الإسكان وفرص العمل.
وكان من شأن صورة هذا الوضع الاقتصادى أن الأزمة تزداد ضيقا، فالسكان يزدادون بمقدار مليون نسمة كل عام تقريبا والذين يحتاجون للعمل سنويا ممن هم فى سن العمل يقدرون بنصف مليون. وهذا النصف مليون يمثل خميرة الاحتجاج والعنف والاضطراب فى المجتمع وقابل للاستقطاب خارج النظام القائم. وهذا المأزق الاقتصادي-الاجتماعى يعد سببا رئيسيا لممارسة العنف ضد مؤسسات الحكم القائمة. وابتداء من نهاية الثمانينيات بدأت مشكلة الفقر والفقراء تطل برأسها من جديد وخاصة مع رفع كل دعم عن السلع الأساسية لحياة الناس فزادت المناطق العشوائية حول المدن تلك التى أسسها فقراء الريف المنسحقون من شظف العيش حتى بلغت فى عام 2005 حوالى 1027 منطقة يعيش فيها 15% من إجمالى المصريين.
***
أما فى عهد الرئاسات التى تلت «ثورة» يناير 2011 أى فترة إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فلم يحدث فيها أى اختلاف فى التوجهات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية منذ سياسة الانفتاح الاقتصادى وتخلى الدولة عن دورها الاقتصادي- الاجتماعى والذى وضع خطوطها العامة الرئيس السادات. ولعل شعار الثوار «حرية وكرامة وعيش وعدالة اجتماعية» يؤكد افتقاد الجماهير لدور الدولة الاقتصادي-الاجتماعى الذى قام به جمال عبد الناصر. وكذلك الحال زمن رئاسة محمد مرسى ورئاسة المستشار عدلى منصور وانتهاء بفترة الرئيس السيسي، إذ استمر شعار ثورة يناير قائما كما هو، ذلك أن كل ما حدث ابتداء من تنازل مبارك، كان مجرد الإطاحة برأس الحكم أو تغييره أو استبداله بطريقة أو بأخرى، مع بقاء فلسفة النظام الاقتصادي- الاجتماعى كما هى منذ رئاسة السادات باستثناء محاولة الرئيس السيسى الانفلات منها للمحافظة على التماسك الاجتماعي. لكن الرقابة الأمريكية تحول دون التحرر التام من فلسفة الاقتصاد الحر الذى أصبح فى بلدنا «النهب الحر».
بعض المراجع
– إبراهيم العيسوي، مستقبل مصر: دراسة فى تطور النظام الاجتماعى ومستقبل التنمية الاقتصادية، دار الثقافة الجديدة، القاهرة 1983.
– آلان ريتشاردز، التطور الزراعى فى مصر 1800-1980، كتاب الأهالى، القاهرة يوليو 1991.
– روبرت مابرو، الاقتصاد المصرى 1952-1972، ترجمة صليب بطرس، القاهرة 1976،
– سامية سعيد إمام، من يملك مصر: دراسة تحليلية للأصول الاجتماعية لنخبة الانفتاح الاقتصادى فى المجتمع المصرى 1974-1980، دار المستقبل العربي، القاهرة 1986
– عادل حسين، الاقتصاد المصرى من الاستقلال إلى التبعية، 1974-1979، جزآن، بيروت 1981
– فتحى عبد الفتاح، القرية المصرية: الملكية وعلاقات الانتاج 1952-1970، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1991.
– محمود عبد الفضيل، التحولات الاقتصادية والاجتماعية فى الريف المصرى 1952-1970، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1978.
– محمود عودة (مشرفا)، مستقبل القرية المصرية، المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة 1999.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.