الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

صديقى توفيق الحكيم

0 66

بقلم: محمو تيمور بك

عين توفيق الحكيم بك مديرا لدار الكتب المصرية، وقد أراد صديقه محمود تيمور بك أن يحييه بهذه المناسبة تحية أدبية، فكتب هذا المقال النفيس.
المحرر
بدت القصة العصرية فى بستان الأدب العربى نبتة ضئيلة المظهر، تحاول جهد مستطاعها أن تشرئب وأن تزدهى… نبتة غرسها نفر من ناشئة المدرسة الحديثة، تسامت نفوسهم إلى إمداد أدبنا المصرى بذلك الفن الطارف من فنون البيان.
وأن من الناسلمن كان يجوس خلال البستان، فإذا لمح هذه النبتة فى أهابها الغض، لم يزد على أن يوليها ابتسامة استهزاء وسخر… وقليل أولئك الذين كانوا ينظرون إلى تلك النبتة نظرة التفاؤل والاستبشار، ويقدرون لها فى قابل الأيام مجد النماء والازدهار.
على أن نبتة القصة ما فتئت تتعلق بأسباب البقاء، مغالبة عثرات الطريق على ضعف واستحياء، حتى كان يوم شاهد فيه رواد البستان فى أصيص تلك النبتة المستضعفة زهرة فتية نضرة تتيه على فننها الرطيب، وتروغ بمفاتنها الحسان … ولم تكن زهرة البستان إلا قصة «أهل الكهف» تحمل اسم «توفيق الحكيم»!.
طبع من هذا الكتاب بادئ بدء مائة نسخة، فى معرض أنيق، من طبع جميل ، على ورق فاخر، وعرضت للبيع عشرات من هذه المائة غالية المهر…
وتساءلت جمهرة من الناس، وهم يمطون شفاههم فى عجب:
«أهل الكهف»… وهل هى إلا أسطورة أكل الدهر عليها وشرب؟ ففيم يبعث اليوم رفاتها فى هذا الكفن المزوق، خدعة للأعين، وتزويرا على الأفهام؟
و«توفيق الحكيم»… لمن يكون هذا الاسم؟ إنه ليس له فى نوادى الأدب صوت، ولم يسبق له فى الصحف ذكر، وما ذاع له فى معبد الفكر قربان!
أترى الرجل أراد بكتابه أن يزود أبهاء الضيافة وقاعات الاستقبال فى بيوت السراة بتحفة من تلك التحف التى تتناثر على المناضد، تلهية للأنظار، فى فترات الانتظار؟!
ولكن الكتاب استن طريقه إلى طائفة من أعلام الأدب الرفيع، فراعتهم منه جدة فى الموضوع، وعمق فى التفكير، وقدرة على معالجة التأليف القصصى فى نطاق إنسانى المنزع، يساير نهج الأدب الحى فى العالم المتحضر.
وما أسرع أن تهادى قادة الفكر هذا النبأ السعيد: مولد ضوء جديد!
وتهافت القراء ينشدون الكتاب، فلم تسعفهم به السوق…
üüü
وطلع على الناس عميد الأدب العربى «طه حسين» هاتفا «بأهل الكهف» مشيدا بتلك الوثبة الكبرى فى ميدان القصة الفنية، فأثارت هتفة العميد تطلع القوم، فتتابعوا ينفضون الأسواق سائلين: أين الكتاب؟
وكان صاحب «أهل الكهف» فى مرقبته، على حذر واهتياج، طاويا جناحه على النسخة الباقية من الكتاب، ينظر إلى ذلك كله بتينك العينين النفاذتين يسطع منهما البريق..
ولما اطمأن إلى الأمر كل الاطمئنان، واستوثق لنفسه كل الاستيثاق، خرج من مرقبته يزجى الطبعة الثانية من كتابه إلى معشر القراء، فإذا هم يتخاطفون نسخه، فلم يكن بد من أن يطبع الكتاب طبعة ثالثة، حتى ما بقى أحد من صفوة المثقفين إلا قرأ «أهل الكهف» فعرف «توفيق الحكيم»!
وكذلك كان لخروج «أهل الكهف» روعة المفاجأة، وأنها لخصلة فى «توفيق الحكيم» أن يرتب ويدبر فى سر، وأن يعمل جاهدا فى صمت، حتى إذا أوفى على الغاية من عمله تجلى به على الناس يثير فيهم التطلع والتشوف، ويستهوى نفوسهم فى إقبال وإعجاب…
ليس صاحبنا كمثل ذلك الذى يطهو ألوان طعامه بمرأى من الغادين والرائحين، فهم يتنسمون شذا الطعام حالا بعد حال، ويتعرفون مذاقه على مراتب نضجه طيبا وغير طيب… ولكن صاحبنا الألمعى يريد نفسه على أن يخلو إلي قدور طعامه بنجوة من أعين الناس، فلا يظهر للملأ إلا وقد أعد مائدته ناضجة الألوان، موفورة الحظ من سبك وحبك، ومن تنسيق وتنميق…
üüü
تواردت كتب «الحكيم» يأخذ بعضها برقاب بعض، ولكنها متباينة الأنواع، متجددة السمات، لكل كتاب مذاق، وعلى كل كتاب طابع، فلا تكرار ولا إعادة، ومن ثم لا تزهيد ولا إملال.
كتب الرجل القصة على تخالف نطاقها طويلة وقصيرة، وعلى تعدد نوعها تمثيلية وغير تمثيلية، ودون المذكرات واليوميات، ودبج الفصول فى نقد الحياة والمجتمع، وأرسل لوامعه الفلسفية فى أسرار النفس وحقائق الوجود، فكان في كل ما جرى به قلمه مصطبغا بصبغة وضاحة، هى صبغة «الفكر» فى سبره لأغوار الحياة، وفى توجيهه لتيار الرأى، وفى تحليله لأحداث العيش، وتعليله لتصاريف الناس.
فيما بين أعوام قلال، تجمع إنتاج «الحكيم» فكان ضخما، وهو زبدة قريحة، وعصارة فن… ولا غرو أن يتيسر ذلك لرجل شب موهوبا للأدب، منهوما بالتزود من الثقافة.
üüü
احتوته «باريس» سنين من زهرة عمره، فورد فيها مناهل الفنون يكرع، المسارح تشغل لياليه، والمحافل الموسيقية تتجاذبه، وأشعة المعرفة فى مدينة النور تضىء له الطريق أنى حل!
ولكأن هذه الحقبة من حياة «توفيق الحكيم» فترة التأهب والاستعداد، ومهلة التدبير والاختطاط، وفاتحة التمرس بالكتابة والتسجيل.
ولعل ما مزقه «الحكيم» فى هاته الحقبة مما كتبه أكثر مما أبقى عليه، مستريبا بما صنع، يائسا ممن يقرأ، ضنينا بهذا الجهد أن يذهب سدى، غير بالغ بصاحبه مأربة.
ولكنه لم يكن يملك إلا أن يكتب وأن يسجل، وإن محا فى غده ما فرغ منه فى أمسه، فقد كان محدوا على أن يكون من أصحاب الأقلام وجماعة الكتاب، بقوة خافية ماضية، كأنها القضاء فى خفائه ومضائه!
كان مكتوبا على «الحكيم» أن يبلغ رسالة فى الأدب الحديث، فسيق إلى أدائها غير مخير، ولو لم يكن راضيا بأن يؤديها لفعل على كره.
ما كاد «الحكيم» يؤوب من سفره، ويحل فى وطنه، بين قومه، حتى دأب على الكتابة والتأليف، لا يعتاقه منصب من المناصب، ولا تستأنى به مشغلة من مشاغل العيش… فطوى مع الأعوام مؤلفات مخطوطة ظلت فى خدورها رهينة الأدراج لا تنالها العيون، فإذا خلا إليها فى محبسها لبث يناجيها ويسائلها:
ترى هل يتاح لها أن تسفر وأن تخرج إلى العالم الفسيح تتملاها الأنظار؟
وأنه ليكون فى بعض أرجاء الريف، يمارس عمله المرسوم فى حماية الأمن وتحقيق الجنايات، فلا يحتويه بيته، حتى يلتمس الأنس بتلك الأوراق التى يترقرق فيها نبع روحه وفيض فنه، فيقلب الصحائف طائفة بعد طائفة يستمرئ ما فيها من غذاء ومتاع، وهو عن كثب من النافذة يستنشى أنسام العشية الرطاب، وما يزال ماضيا فى قراءة ما كتب، حتى يملكه النوم على تلك الأهازيج… فإذا استيقظت الشمس، بعثت إليه رسولها يميط عن عينيه خدر النعاس، فيصحو وأوراقه على صدره مستلقية، يحيطها بذراعيه، فينفرج فمه عن ابتسامة استسلام، ويستقبل يومه بما يحمل إليه من أعباء المنصب وتكاليف الحياة، فيغادر الدار متأبطا حوافظ القضايا وأضابير التحقيق، متوخيا دار النيابة ليعرض أشتات الوجوه من خفراء وحجاب، ومن أعيان وغير أعيان، ومن متهمين على اختلاف الأشكال والألوان…
وتتعاقب حواليه المشاهد، فإذا بيده تهرب من نطاق الأقضية والتحقيقات مختلسة وقتا بعد وقت، لتسجل فى قصاصات من الورق صورا وخواطر، يهدى إليها الفكر، ويوحى بها الفن…
وحين يفرغ «الحكيم» من ساعات عمله، يكون جيبه قد امتلأ بهذه القصاصات التى لا تمت إلى المحكمة بسبب… ولكنها على مر الأيام تتخلق عملا أدبيا هو مخطوط جديد، حظه من الحياة ذلك المحبس العتيد!
كمنت فى هذه المخطوطات ذخيرة من الحيوية واليقظة والحرية، فعز عليها أن يلزمها صاحبها جانب الأسر، وأن ينصرف عنها بما بين يديه من شئون حياته الراتبة… فما هى إلا أن أزمعت هذه المخطوطات أن تثأر لنفسها مما تلقى، وأن ترغم صاحبها على أن يعرف لها حقها من التفرغ والتعهد، وجمحت بها الثورة عليه، حتى أخضعته لسلطانها كل إخضاع، فعصفت فى ثورتها بما له من وظيفة حكومية وعمل رسمى..
وتمخضت ثورة ذلك التيار الفكرى العارم عن «توفيق الحكيم» أديباً خالصا لأدبه، خاليا لمخطوطاته، ينشر منها ما ينشر، ملقيا بنفسه فى ذلك العباب الزاخر من جمهور القراء.
ومن أعاجيب الموافقات أن مؤلفاته ومخطوطاته التى قطعت بينه وبين عالم الوظيفة، وأطارته من منصات القضاء وكراسى المناصب، أبت أن تعيده موظفاً بعد لأى إلا بين دفتى كتاب، فإذا هو أخيرا «مدير لدار الكتب»!
üüü
لكل ظاهرة علة… ما من ذلك بد… فأية علة يا ترى ساقها القدر لتجلو عبقرية هذا الفنان وتبعثها على الإنتاج؟
أما أنا – ورزقى على الله – فأقولها جهرة… أن «توفيق الحكيم» بمؤلفاته وما أفاءت عليه من جاه الأدب ومجد الفكر، مدين كل الدين بهذا الإنتاج الوافر وذلك الصيت البعيد لفنانة من أساطين الأفراح والليالى الملاح، فى العهد الغابر، تسمى «الأسطى حميدة».
وما أدرى كيف كان التواصل بينها وبينه على وجه التحقيق، ولكنى أعلم على يقين أنه لازمها فى شرخ صباه، واستهواه من فنها اللحن والإيقاع، فتعشق الموسيقى ما وسعه أن يتعشق، وآثر صحبتها على كل صحبة.
وإنى لأتمثله ضامر العود، ضئيل الشخص، تبرق منه عينان نفاذتان ملؤهما التطلع والشغف، آخذا مجلسه على مقربة من تلك السيدة الطروب، وقد أخلد إليها يستمع بمجامع قلبه، وهى تشدو فى موكب من الأنغام.
ومنذ ذلك الحين تمكن حب الموسيقى من نفس «توفيق الحكيم» وملكت عليه النغمة أقطار لبه، فتسامى من أفق «الأسطى حميدة» إلى آفاق فنية رفيعة، حتى أسلمه ذلك التصوف الموسيقى إلى روائع الأعلام من أمثال «بتهوفن» و«باخ» و«موزار»، يبذل وقته قربانا لما تركوا من قدسى النغم!
وأكاد أقرر فى إيمان وثقة أن «الحكيم» لو لم يسعفه القلم بصريره، فينفس عن نزعته الفنية الأصيلة، لظفرنا به كوكبا لامعا فى أجواء الموسيقى والغناء.
أنت لا يعوزك أن تلمس خفقة الموسيقى تسرى فى آثار «الحكيم» مسرى الروح فى الجسد… وأنه والقلم فى يمينه يصرف به موضوعه وفق مشيئته، لكأنه موسيقار يتولى تحديد الوقع، وتدبير اللحن، وتنسيق الرنيم، حتى يسود الموضوع توافق وانسجام.
على أن موسيقى «الحكيم» فى فنه الأدبى ليست تلك الموسيقى العابرة التى تثير هزة الطرب العجول، ولا يلبث أثرها أن يزول…
هى موسيقى عميقة تبعث أخفى ما فى النفس من كوامن العواطف والنزعات، وتحمل الروح إلى مجالات رحيبة من التفكير الخصيب.
üüü
«الإسكندرية» داره، فيها نشأ، وعلى شاطئ بحرها درج، ومن «الإسكندرية» ورث خصال أهل الثغور: عزة واعتداد، وهمة للسعى، وإقبال على الغنم والاكتساب.
أنظر إليه فى مشيته، وقد بدا مشرئبا، ناهض الصدر، مترنح الأعطاف، حثيث الخطو، كأنه أبدا معجل يخشى فوات وقته المقسوم لإنجاز عمله.
يده تقبض على عصاه، لا متوكئا عليها، ولكنه يتخذها رمزا لمظهر القوة فيها..
وعصا «الحكيم» تقول لك:
إن ما يبديه صاحبى من فتوة وقوة، ليس إلا وسيلة يستر بها خلة الخشية والتحوط والجذار. وقد طبعت نفس صاحبى على أن يحذر ويتحوط ويخشى، وقد نجلته مدينة البحر، حيث الجو قلب، وحيث الحياة تحدو على مغامرة وتطير…
وإذا كانت المرأة نصف الإنسان على وجه عام، فهى نصف «توفيق الحكيم» على وجه خاص… وبرهان ذلك حبه التقليدى لها، أعنى عداوته إياها!
يؤمن «الحكيم» بقوة المرأة، ويعرف لها سطوتها، ومن ثم يخشاها ويحذرها ويتحوط منها، أو قل إنه يتطير بها، اتقاء لما لها من فتنة وهيمنة وسلطان!
تخطئ الخطأ كله إذا لم تفسر تهوين «الحكيم» من شأن المرأة وازراءه بها وتهجمه عليها بأن ذلك ليس إلا دفاعا منه عن نفسه، وإلا تظاهرا بالقوة والغلبة، لكى يعالج بذلك حفظ التوازن بين المرأة وبينه، وبث الطمأنينة من جانبها فى قلبه، حتى يكون ذلك سبيلا إلى إخضاعها والظفر بها فى يسر وأمان!
على أن «شهر زاد» فى فطنتها الأصيلة لا يفوتها سر «توفيق الحكيم»… فهى مزهوة بأن يكون ذلك الفنان العبقرى مشغولا بمهاجمتها، طاويا فى أهابه شخصية العدو الحبيب!

*يوليو1951

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.