الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

على هامش سيرة «الهلاليين» ! 16 رئيساً لتحريرها في 125 عاماً وبوصلتها نحو التنوير لا تتحول :

0 31

بقلم: أحمد النجمى

لم نعمد إلى السطو على عنوان عميد الأدب العربى «د. طه حسين» لكتابه متعدد الأجزاء «على هامش السيرة»، وإن كان طه حسين واحداً من كتاب «الهلال» الذى أوحى لنا شيطان الكتابة باستلهام عنوانه، ولكن حين تتسع السيرة لأسماء كثيرة ويطول مداها الزمنى، وتواكب تغييرات شتى فى مجتمعها، ويقف على رأس محطاتها أسماء لها اعتبارها.. يصبح لها هامش يتسع للحكى.. وقد اتسع هامش سيرة الهلال زمنياً ليصبح مداه (125 عاماً) أى قرناً وربع القرن من الزمان واتسع هامشه البشرى ليشمل 16 رئيساً للتحرير، خاضوا 16 تجربة لإدارة هذه المجلة، واتسع أفقها لجميع الأقلام والكتاب من مصر والعالم العربى ولأقلام غير عربية أحياناً، احتضنت «الهلال» الجميع، وكانت بوصلتها دوماً تشير إلى نفس الاتجاه: نشر الاستنارة والانتصار على الظلام وكسب مساحات جديدة للعقل العربى..!

لعل فى التوقف قليلاً أمام سيرة «جرجى زيدان» مؤسس «الهلال» ما يكفى لكى نفهم هذا الاتجاه الذى أشرنا إليه.. اتجاه (الاستنارة) والانتصار على الظلام لصالح عقل عربى متجدد..! ولنضع تحت كلمة (متجدد) هذه مائة خط وأكثر، فـ «الهلال» تنتمى فى مشروعها النهائى إلى فكرة (الإحياء العربى)، التى ازدهرت فى القرن التاسع عشر سياسياً واجتماعياً وثقافياً وفنياً وإبداعياً أيضاً.. وهى (النبتة) التى سيخرج منها الثمر اليانع لـ «القومية العربية» فى مصر بعد ذلك بعقود – فى النصف الأول من القرن العشرين – فهى إذن مجلة تنويرية إحيائية عروبية منذ اللحظة الأولى.

بهذه «المنظومة» جاء جرجى زيدان من لبنان ليؤسس الهلال، وزيدان متعدد المواهب الأدبية – جعل مجلته هذه التى أسسها وأصدر أول أعدادها فى سبتمبر 1892، منبراً لفنون عدة: الشعر والقصة والمقال.. كذا فنون الصحافة – بمقاييس عصره – التى شملت الطرائف والغرائب حول العالم، ومقالات لكتاب عصره.. لا يغيب عنها جانب «الرصد الاجتماعى» للظواهر التى تستجد على المجتمع .. ولأن جرجى زيدان كان عروبياً، فإنك – أيها القارىء الكريم – لن تلاحظ أية عنصرية فى خطاب مجلته أو نعرة طائفية أو انحيازات دخيلة، على العكس .. لقد اختار زيدان – وهو مسيحى – هلال أول كل شهر عربى اسماً لمجلته، ليكرس بهذا اتجاهاً يعلو على الفوارق بين «الملل والنحل»، ويأخذ القارىء نحو (العروبة) .. ومن فرط انغماس زيدان فى سياقه العروبى هذا، فقد أخذت المجلة «نكهة مصرية» بعض الشىء، فلا تشعر وأنت تتصفحها أنك بإزاء مجلة يصدرها مثقف لبنانى الأصل، بل تشعر بأنك أمام مثقف مصرى، فقد اختفت كل الفوارق العرقية أو الأنثروبولوجية من صفحات «الهلال».. وصارت عربية الوجه واليد واللسان من عددها الأول.. فضلا عن كونها سعت إلى «التنوير» من لحظتها الأولى، لم تصطدم بثوابت مجتمعها اصطداماً مباشراً، بل سعت إلى تغيير ما راكمه العصر العثمانى البغيض من تخلف وصدأ على العقل العربى، وكرست «الهلال» لمفاهيم متقدمة فى مواجهة «الظلامية»: الحرية، الحرب على الخرافة، مواجهة التشدد الدينى، الترحيب بالعلم ومكتشفاته، فتح باب النشر لنصوص أدبية باهرة.

ظل جرجى زيدان رئيساً لتحرير الهلال 1892 إلى وفاته فى 1914، أى 22 عاماً .. ولم يرحل إلا بعد أن أصبح «الهلال» أهم إصدار ثقافى عربى على الإطلاق، فضلا عن كونه أول إصدار ثقافى صحفى عربى من الأساس.. لا يغيب عن قرائه مطلع كل شهر.. حتى يومنا هذا بعد مرور 125 عاماً على إصدار جرجى زيدان عدده الأول سبتمبر 1892 .. هذا الرجل الذى جعل شعاره منذ العدد الأول لـ «الهلال»: «لا يصح إلا الصحيح.. ولا يبقى إلا الأصح» واختار مبدأ منذ صدور نفس العدد: «إلى الأمام» وهو مبدأ دال بما يكفى!.

بعد المؤسس

بعد رحيل «جرجى زيدان» فى 1914، أشرف على المجلة «إميل زيدان» لفترة طالت بقيت فيها «الهلال» على عهد قرائها بها، ليس فقط من حيث الانتظام فى الصدور، ولا فى الرواج وارتفاع معدلات التوزيع، ولا فى انتشار الإعلانات بها.. وإنما فى إخلاصها لثوابتها: الاستنارة، والعروبة، وتقديم المواهب الأدبية الشابة وإعطاء مساحة مميزة لكبار كتاب العصر.

فى العشرينيات والثلاثينيات .. كانت كتاب «الهلال» من طراز: العقاد، طه حسين المازنى، على الجارم، عبدالعزيز البشرى، عبدالرحمن شكرى، حافظ إبراهيم، الدكتورة بنت الشاطىء فضلا عن أن الهلال فى هذه المرحلة، ازدانت بالصور الملونة لأول مرة، وقد كان هذا يمثل تطوراً نوعياً مهماً فى الصحافة، ولا سيما الصحافة الثقافية التى لم تكن تنشر صوراً بالأساس.

أحمد زكي

فى المرحلة اللاحقة.. يبزغ اسمان فى «الهلال»: العالم والأديب والمفكر الراحل «أحمد زكى» رئيساً لتحرير «الهلال»، إلى جانب «طاهر الطناحى» مدير التحرير.

فأما زكى فهو مفكر وكاتب وعالم مرموق، وهـو الذى سيؤسس- بعد ذلك – مجلة «العربى» الكويتية أهم المطبوعات الثقافية فى خليجنا العربى، والرجل جعل لـ «الهلال» أبعاداً إضافية ملموسة، نقول إضافية ولا نقول جديدة.. فقد عرفت «الهلال» إلى جانب ثوابتها التى ذكرناها عدة مرات فى سالف السطور، أبواباً فى العلوم والفلسفة والسياسة لم تعهدها من قبل، مع الحفاظ على «الرصانة» التى تأسست عليها المجلة، كما ازداد عدد صفحاتها، وازداد عدد الصور المنشورة والملونة بها.. الحق أن مرحلة «أحمد زكى» هى التى أهلت «الهلال» للانتقال النوعى المهم الذى حدث لها بعد ذلك فى الخمسينيات والستينيات.

وأما «طاهر الطناحى»، فهو واحد من أهم أبناء الرعيل الأول لدار الهلال، وهو كاتب وأديب مهم من أدباء عصره، وهو – دون منازع – صاحب أطول مدة شغلها مدير تحرير لمجلة «الهلال»، وكان رئيس التحرير الفعلى قبل فترة «أحمد زكى» وبعد أن تركها أحمد زكى، وربطته علاقات واسعة ومتشابكة مع مثقفى ذلك الزمان، منفتحاً عليهم.. واسع الصدر فى النشر لهم.. فاستكتب أجيالاً جديدة من الكتاب والمبدعين المصريين والعرب على السواء.. ينتمون إلى مدارس فكرية وأدبية جديدة ومتنوعة.

صارت «الهلال» فى الأربعينيات والخمسينيات حديقة تزدهى بكافة الزهور!

علي أمين

لفترة قصيرة .. أمسك «على أمين» برئاسة تحرير «الهلال»، حين أتى هو وشقيقه «مصطفى أمين» لإدارة (دار الهلال) مع تأميم الصحافة الخاصة فى مطلع الستينيات، وكان أن أسند إلى «على أمين» رئاسة التحرير فى «الهلال».

وابنا أمين – مصطفى وعلى – عبقريان من عباقرة الصحافة اليومية، التى تختلف عن الأسبوعية والشهرية سواء فى اهتماماتها أو إيقاعها، ناهيك بأن «الهلال» على وجه التحديد مجلة ثقافية. ولم يكن فى مصر فى ذلك التوقيت إصدار ثقافى يخرج من مطابع المؤسسات الصحفية – التى صارت قومية بعد التأميم – إلا «الهلال».

الحق أن تجربة «على أمين» لم تأت بجديد ملموس فى «الهلال» إلا فى الشكل والتبويب، وإعطاء مساحات أكبر للصورة، وسعى على أمين إلى «تخفيف» المادة الثقافية المنشورة فى «الهلال» اعتقاداً منه أن هذا يزيد معدلات التوزيع، ولم تكتمل تجربة «على أمين» فى «الهلال» على أية حال، لكنها صنعت حالة من الاحتياج إلى مثقف كبير يرأس التحرير من بين الأسماء اللامعة فى ذلك التوقيت، لكى تسترد «الهلال» توازنها المعهود، وفى ذات الوقت تقدم الجديد.

كامل زهيري

وجاء «كامل زهيرى» .. الكاتب والناقد التشكيلى والأدبى والفنان والأديب والمثقف واسع الاطلاع.. صنع زهيرى ثورة ثقافية على صفحات «الهلال»، واستكتب أقلاماً من كافة الاتجاهات ومن كافة البلدان العربية.. واستحدث أبواباً لاتزال موجودة إلى الآن من الفن التشكيلى إلى النقد المسرحى إلى النقد السينمائى، وأفسح المجال لنشر موسوعات على صفحات الهلال – كالموسوعة الاشتراكية – ونشر نصوصاً مترجمة على صفحات المجلة، ونهض نهوضاً خطيراً بالغلاف الذى تحول إلى لوحات من الفن التشكيلى المعاصر.. جميع الأقلام التى صارت معروفة بعد ذلك إلى جانب التى كانت معروفة قبل الستينيات.. واشتبك كامل زهيرى مع قضايا عصره.. ومع المعارك الوطنية والقومية الكبرى آنذاك: الصراع العربى – الصهيونى، القومية العربية، البناء الاشتراكى، التصنيع، الصراع بين القطبين الاشتراكى والرأسمالى عالمياً، قضية الحرية حول العالم.

باختصار، صنع كامل زهيرى فى نحو خمس سنوات تولى فيها رئاسة تحرير «الهلال» مجلة موسوعية ثقافية شديدة الحداثة شديدة الثقل.. صارت «الهلال» فى عهده رصيداً شديد الأهمية للثقافة المصرية والعربية والعالمية، وعملت كـ «مدفعية ثقيلة» للمشروع الثقافى الذى تألق – بقوة – فى الستينيات.

رجاء النقاش

بعد كامل زهيرى يأتى «رجاء النقاش» فى العام 1969 ولمدة عامين.

صنع النقاش – الذى كان ناقداً بارعاً وكاتباً عملاقاً – «خلطة» جديدة شديدة الخصوصية لـ «الهلال»، لا نبالغ إذا قلنا إن المشروع الذى وضعه النقاش للهلال هو «المشروع المثالى» لها فى كل مرحلة.

لقد صنع النقاش تركيبة خاصة.. تجمع بين اكتشاف أدباء جدد صاروا ذائعى الصيت بعد ذلك، وأضاء لهم الطريق نحو القارئ المصرى والعربى على أوسع نطاق، كمحمود درويش ومعين بسيسو والطيب صالح وغيرهم.. فضلا عن استكتابه ألمع الكتاب المصريين والعرب آنذاك، فى قضايا تمس الواقع الثقافى المعاش، أى أنه حافظ على مشروع كامل زهيرى كما هو، وأضاف إليه اشتباكاً خطيراً مع الواقع الثقافى المصرى والعربى.

وإلى جانب كل هذا.. حقق رجاء النقاش قضايا ثقافية مهمة بقلمه على صفحات «الهلال» فى ذلك الزمان، فضلاً عن أعداد خاصة بالغة الأهمية من «الهلال» عن كبار أعلام الثقافة المصرية والعربية لاتزال تحتل ركناً إلى الآن فى مكتبتنا العربية كمراجع عن هذه الشخصيات.

من الراعي إلي مؤنس

تولى الناقد المسرحى والأدبى الكبير «د. على الراعى» رئاسة التحرير بعد رجاء النقاش. لبضعة أشهر.. اهتم فيها الراعى بالمسرح وبالدراسات النقدية الرصينة ولم تكتمل تجربته فى «الهلال» نظراً لضآلة المدة التى قضاها رئيساً للتحرير، ولو كانت التجربة قد امتدت لصنع على الراعى تجربة فريدة فى «الهلال» بكل تأكيد.

بعد الراعى جاء الشاعر الراحل «صالح جودت»، فعادت «الهلال» وفق رؤية جودت إلى رصانتها التى كانت فى الأربعينيات والخمسينيات قبل كامل زهيرى، وركزت اهتماماتها فى الشعر والمقالات النقدية.

وبعد جودت جاء الأديب والكاتب والباحث الراحل «حسين مؤنس»، لم تتغير «الهلال» فى عهده عما كانت عليه فى عهد «صالح جودت».. فقط حدث تغيير فى القطع.. إذ زادت قليلاً فى طولها وعرضها، بما لم يقبل عليه القارىء، لكن «الهلال» حافظت فى جميع عصورها على القراء الذين يداومون على قراءتها كل شهر.

كمال النجمي

سأحاول فى هذا الجزء أن أبتعد عن اعتبار لا يجوز الابتعاد عنه وهو أن «كمال النجمى» كان أبى، سأبتعد عن هذا لأرصد تجربته.. كان قبل رئاسة تحريره للهلال رئيساً لتحرير الكواكب، وهو الشاعر والناقد الموسيقى والمؤرخ والباحث المدقق .. لقد استعاد كمال النجمى للهلال قطعها الصحيح – الذى غيره حسين مؤنس – وصنع لها غلافاً عربياً مبنياً فى تصميماته وخطوطه، واسترد لـ «الهلال» خطها العربى فى الفكر والكتابة، صارت مجلة ثقافية مصرية وعربية على الوجه الصحيح، كمال النجمى الذى رأس التحرير لعامين ونصف العام (1982-1984) فتح المجلة لكتاب من كافة الاتجاهات، وشن حرباً ضد الأفكار الدينية المتطرفة التى كانت قد ملأت المجتمع، وصنع باباً لأبرز كتب وأمهات التراث، وأبواباً للدراسات الجامعية ورسائل الدكتوراه، وأبواباً للعلوم والتكنولوجيا.. فضلا عن تدقيقه الشخصى فى نشر أفضل النصوص الأدبية، بما أعاد للهلال رونقها وحضورها مجدداً بعد سكون دام نحو عشر سنوات.. وأعاد إليها اهتمامها بالقضايا المتصلة بواقعنا ابتداء من الصراع العربى الإسرائيلى وصولاً إلى لقمة العيش والفقر والعدل الاجتماعى.

مصطفي نبيل

لما يزيد على 20 عاماً يأتى اسم «مصطفى نبيل» رئيساً لتحرير «الهلال» ليصبح صاحب ثانى أطول مدة فى رئاسة التحرير بعد جرجى زيدان نفسه.

مصطفى نبيل كاتب صحفى متأمل ومثقف من طراز رفيع، استطاع صنع حالة من «الإضاءة الشاملة» للثقافة المصرية لاسيما فى مواجهة الأفكار الظلامية .. وجعلها مجلة لكل الأقلام المصرية والعربية، شريطة أن تدعو هذه الأقلام إلى الاستنارة .. وفى عهده احتفلت «الهلال» بمئويتها، احتفالاً شاملاً.. سواء بالمطبوعات التى أصدرتها ولاتزال تشكل زاداً مهماً للمثقف العربى، أو فى شتى الصور التى اتخذها الاحتفال.. الذى كان له مردود واسع على مجلة «الهلال» و«دار الهلال» واشتبكت المجلة فى عهده مع شتى القضايا المعاصرة – وليس قضية الإرهاب الفكرى وحده – وتجاورت فيها أجيال متعاقبة من الكتاب والكاتبات، كل يسجل بقلمه خلاصة أفكاره، فعملت «الهلال» فى عصره كناقل عظيم للأفكار المعاصرة.

من الدقاق إلي القرش

بعد مصطفى نبيل – تحديداً فى 2005 – جاء «مجدى الدقاق» المثقف والكاتب السياسى رئيساً لتحرير «الهلال» لأربع سنوات.. أعاد فيها الدقاق للمجلة رونقها سواء من حيث الإخراج أو التوزيع، وانفتح فيها – بليبرالية لا لبس فيها – على كافة الأفكار المتاحة على الساحة، واستكتب أقلاماً انتصرت بحسم على الظلامية والتيارات الهادمة التى سادت فى المجتمع آنذاك، وأصدر مجموعة من الأعداد الخاصة شديدة الأهمية ، وصنع حالة من (الألفة) مجدداً بين الهلال وقرائها واستقطب شرائح شابة سواء للكتابة فيها أو لقراءتها.. مع الحفاظ على القيم الفكرية للمجلة وعلى ثوابتها ورصانتها أيضا.

بعد «الدقاق» جاء الكاتب الكبير «عادل عبدالصمد» رئيساً للتحرير لنحو ثلاث سنوات، حافظ فيها على السمت الرئيسى للهلال، وبروح الباحث الدءوب.. استكتب أقلاماً مصرية وعربية جادة فى مختلف الشئون، وصنع «الهلال» بشكل ومضمون أقرب إلى الاهتمام بالمستجدات التى احتاجت العالم العربى كله فى 2011، أو ما يعرف بـ «ثورات الربيع العربى» فعالج قضاياها برؤية علمية وروح وطنية.

ثم جاء الناقد والباحث والكاتب الكبير «محمد الشافعى» فى 2012 رئيساً للتحرير، وإلى جانب ما كان عادل عبدالصمد قد صنعه فى «الهلال» وتركه فيها من أبواب وأقلام واهتمامات، صنع الشافعى حالة وطنية خاصة.. وجاءت «الهلال» لتنتصر على الظلامية فى أوج انتصار هذه الظلامية بوصول الجماعة الإرهابية إلى الحكم آنذاك.. استقل الشافعى بمطبوعته عن التيار السائد وقدم مجلة ثقافية منتمية وعروبية، وحافظ على روح المطبوعة فى زمن كانت الدولة فيه ضد الثقافة.

وبعد الشافعى – تحديداً فى 2014 جاء الروائى والقاص والأديب البارع «سعد القرش» رئيساً للتحرير .. صنع القرش بهدوئه المعهود حالة من «التفكير» على صفحات «الهلال»، كان حكم «المحظورة» قد سقط بثورة 30 يونيو المجيدة، وصار المجال فسيحاً أمام «الهلال» مجدداً، واستكتب القرش أقلاماً عربية مهمة، وجعل لمجلته بعداً عربياً واضحاً، وقدمت «الهلال» فى عصره نصوصاً أدبية شهرية وقصصية شديدة الأهمية وانشغلت صفحاتها بكبريات القضايا المعاصرة التى تؤرق الذهن المصرى والعربى .. واستمر القرش رئيساً للتحرير إلى ما قبل ثلاثة شهور مضت.

خالد ناجح

للمرة الثانية فى نفس المقال أجدنى مضطراً لتنحية مشاعرى الشخصية، فخالد ناجح رئيس التحرير الجديد هو صديق قديم، يمتد تاريخ علاقتنا إلى نحو 18 عاماً، والأغرب أننا ننتمى إلى نفس البقعة من أرض مصر.. نجع حمادى الجميلة، بمحافظة قنا خالد ناجح محقق سياسى بارع وصحفى شامل، لم يترك تخصصاً صحفياً إلا عمل فيه وأثبت جدارته.. جاء إلى «الهلال» رئيساً للتحرير قبل ثلاثة أشهر.. إذا دخلت مكتبه شعرت بأن هناك (ثورة) فى هذا المكتب.. ثورة تتخذ من الابتسامة على جميع الوجوه طريقاً لها، ومن العمل الجماعى الدءوب دستوراً لها، ومن الارتفاع بشأن المطبوعة شكلاً وموضوعاً هدفاً أعلى لها .. قفزت أرقام التوزيع بسرعة مع خالد ناجح، صنع جسراً وطيداً بينه وبين القارىء فى مدة قصيرة جداً، طور فى الشكل، وفى المضمون.. اشتبكت الهلال فى عهده مع كافة القضايا على الساحة، وتمارس دوراً نشطاً فى الحرب الفكرية على الإرهاب .. وتحتفل فى عددها هذا بمرور 125 عاماً على تأسيسها، ولدى خالد ناجح الكثير لكى تقف «الهلال» على قدميها الثابتتين، ولديه من العزم والقدرة على التخطيط ما نتمنى أن يحقق به للهلال ما تصبو إليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.