الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

عندما خصصت”وقت الفسحة”لها ..فتغيرت حياتي للأبد

0 50

 كتب :د. محمد فتحى

عَرفتُ مجلة الهلال فى وقت مبكر جدا من حياتى الواعية .. أقصد منذ أن بدأت أعى معنى الثقافة. وأدرك جيدا فعل القراءة الساحر، وأثرها الحميد، وتصويرها المثالى للحياة التى ينبغى أن تكون .. فى مواجهة حياة نعيشها وقد لا نرضى عنها كل الرضا.

وهنا تبرز حاجتنا للثقافة بكل أطيافها من أدبية واجتماعية وعلمية وفلسفية وسياسية واقتصادية وتاريخية وفنية (مجال اهتمام أية دورية ثقافية شاملة كالهلال مثلا) كوسيلة فذة للتغيير والتطوير والسير الحثيث نحو ما نصبو إليه ونبتغيه من حياة قد نرتضيها مرحليا لنقفز منها إلى ما هو أفضل وأكمل وأجمل ، وتلك سنة الحياة فى التغيُّر والتطوُّر.

كان هذا فى منتصف ستينيات القرن الماضى، وكنت آنذاك قد أنهيت المرحلة الابتدائية وانخرطت فى المرحلة الإعدادية، ولم يكن بمدرستها مكتبة؛ إذ كانت مدرسة تم إنشاؤها على عجل لتخدم عدة قرى فى مركز أشمون بالمنوفية.

فكنا نحن التلاميذ ـ فى حصة المكتبة ـ نتوجه إلى مكتبة المدرسة الابتدائية الملاصقة للمدرستنا الإعدادية. ومنذ أن وقعت عينى على نماذج من مجلة الهلال فى ذلك الوقت انبهرت بها، وبأسماء كتابها الكبار، وبإخراجها الفنى الذى كان يختلف تماما عن إخراج كتب ذلك الزمن؛ فصممت أن أكرس وقت “الفسحة” فى منتصف اليوم الدراسى للمكتبة؛ لتصفح أعدادها المختلفة حيث لم يكن وقت الفسحة الضيق يسعفنى للقراءة المتأنية.

ومنذ ذلك الوقت حافظت على اقتنائها شهريا بشكل منتظم، ومحاولة قراءتها كلما تيسر الوقت، وكثيرا ما كنت أسعى نحو توفيره رغم انشغالى بعبء الدراسة وغيره من أعباء أخرى فى فترات متعددة من حياتى، لاسيما وأنه كان ينبغى علىّ أن أطلع أيضا على أخواتها الصغيرات من المجلات الشهرية التى كانت تصدر فى تلك الأيام، والتى خرج بعضها من عباءتها، ومنها ما هو مستمر حتى الآن كمجلة “العربى” الكويتية، وغيرها.

ما كان يؤرقنى حقا ـ بعد إدراكى لقيمة هذه المجلة وأهميتها الثقافية الشاملة ـ هو كيفية الحصول على الأعداد السابقة التى صدرت منها حتى قبل أن أولد! هكذا كان حلمى .. أن أحصل على أعداد الهلال منذ صدورها فى سبتمبر 1892 وحتى ذلك الوقت.

وقد تصادف أن قامت مَدْرَستى برحلة لزيارة معالم القاهرة فى تلك الفترة، لمدة يومين، فكان من الطبيعى أن ننزل فى (فندق) يتوسط المعالم المراد زيارتها للبيات بها عقب انتهاء اليوم الأول، المهم أن هذا الفندق، أو على الأصح هذه اللوكاندة كانت تقع فى ميدان العتبة الخضراء، أعلى ما كان يعرف وقتها بـ “سوق ليبيا”، فكانت تطل على الميدان من جهة الشرق، أما الجهة الأخرى فكانت تطل على المسرح القومى. فكان الذى يتطلع من نوافذ الحجرات الشمالية يرى واجهة المسرح القومى وسوره. وكان يتواصل مع هذا السور ـ وبامتداده ـ سورٌ آخر طويل يمتد حتى نهاية الشارع حول حديقة الأزبكية ـ إلى أن يصل إلى ميدان الأوبرا القديمة التى احترقت فى عصر السادات ـ وبه ما يشبه الدكاكين الصغيرة المكدسة بالكتب، وأمام كل منها مناضد صُفَّت عليها الكتب والمجلات لعرضها للبيع، وكان هذا ما يعرف فى ذلك الوقت وحتى الآن – مع تغير مكانه عدة مرات – ب”بسور الأزبكية” لبيع الكتب القديمة. وقد وجدت فى هذا السور ضالتى، فحصلت منه على بعض ما فاتنى من أعداد مجلة الهلال، وبعض المجلات الأخرى،  وترددت بعد ذلك على هذا المكان كثيراً، وغلى وقت قريب. لم يكن الأمر سهلا يسيرا، ولكننى كنت دءوبا مثابرا على تحقيقه مهما كلفنى من جهد ووقت ومال.

وحسنٌ ما صنعته “مكتبة الإسكندرية” بالتعاون مع مؤسسة دار الهلالحينماأعادت نشر أعداد الهلال كاملة منذ أول عدد صدر منها وحتى العام 2007 إلكترونيا على عدة أسطوانات بعضها موجود الآن على الشبكة العنكبوتية. وقد زرت الدكتور أحمد الشوكى رئيس دار الكتب المصرية آخر يوليو الماضى لتذكيره باستكمال مشروع فهرسة مجلة الهلال الذى توقف عند العام 1952؛ وذلك لأهميته البالغة للباحثين والدارسين ولتاريخ الحياة الثقافية بشكل عام.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.