الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

مجلة الهلال الدليل

0 56

  بقلم :ابراهيم حجازي

لكل حقبة زمنية.. مقولات ومسميات تخترعها الدول الكبيرة.. وتفرضها على الصغيرة!.

فى العقد الثانى من الألفية الثالثة.. طلت علينا أمريكا من خلال وزيرة خارجيتها كونداليزا رايس بتعبير الفوضى الخلاقة وبعدها بَشَّرَنَا الرئيس الأمريكى نفسه بمقولة الربيع العربى.

وقتها أغلبنا فى الوطن العربى لم يأخذ الأمر على مأخذ الجد.. وأى فوضى تلك التى ستكون خلاقة؟!. وأى ربيع يروى خُضْرَتَه بالدم؟. ومرت الأيام وأثبتت الأحداث أن الفوضى وصناعتها.. عِلم كبير!. والفوضى أنواع.. أعلاها تأثيرًا وتدميرًا.. الفوضى الخلاقة.. التى تأتى ثمارها بعد سنوات طويلة من غرس  بذورها  فى أرض البلد المراد تدميره!.  بذرة  هذه الفوضى فى مراحل نموها.. أسمدتها الفعالة لا هى كيماوية ولا هى طبيعية.. إنما قوامها النفوس الخَرِبَة الفاسدة المنزوعة الضمير والإحساس.. والموجودة فى مجالات مختلفة!. النفوس الضعيفة الخائنة هذه.. هى السماد  الأفضل حتى الآن..  لنبات الفوضى الخلاقة!.

عندما بَشَّرتنا المسئولة الأمريكية فى 2006 بالفوضى الخلاقة.. كانت بذرة  الفوضى مزروعة فى الأرض بالفعل.. ونبتتها الخضراء ظهرت.. ومعها ظهرت مسميات.. ليس نحن من أطلقناها.. ظهر ما عرفناه باسم  6 أبريل  وظهر أيضًا اسم كفاية وبعدها تنظيم مختلف شكلًا وموضوعًا اسمه الأولتراس وأظنه أخطرهم على الإطلاق.. وأظنه الشقيق الثالث الأصغر سنًا.. وأرادوه  الصغير  لإبعاد الشبهات عنه.. لكنه فى الواقع الأكبر والأخطر والأكثر تأثيرًا.. لأنه ببساطة استغل تمامًا.. سمة شخصية.. هى الانتماء.. الذى هو حاجة بَشَرية.. والانتماء الرياضى هو أكثر شيوعًا عند الشباب.. لأن النادى الذى يحبه ويعشقه ويشجعه الشاب.. يشبع احتياجاته.. وانتصارات النادى.. انتصار للشباب!.

الأولتراس قام على الانتماء الحزبى أو السياسى.. لذلك ظهرت نبتة  الأولتراس فى الآخر.. لإبعاد العيون عن رصدها!. والتمويه الأهم.. أن الأولتراس فى بدايته.. نال إعجاب الجميع.. لحرصه أن يبقى نشاطه محصورًا فى المدرجات.. وفى تشجيع أكثر من مثالى.. وفى عمل  دخلة  لكل مباراة.. خلاصة القول شىء مُبْهِج!.

هذا السلوك المثالى استمر فترة ليست قليلة.. كانت كافية لصرف أى شبهات عنه.. خاصة أن نفس هذه الفترة.. الأخوان، أبريل وكفاية صداع دائم وصدام مستمر.. لكنهما فى النهاية غير ذى تأثير.. لانعدام أى مصداقية لهما عند الشارع!. ثلاثة  إخوة  اثنان انكشف أمرهما والثالث  نِسْمَة . التنظيمات الثلاثة فى تقديرى صاحبهم.. واحد!. الثلاثة.. يؤتَمَرون من جهة واحدة ويتلقون تعليماتهم منها!.

فى وقت صاحب التنظيمات الثلاثة يعرفه.. صدرت التعليمات لأجل أن يُغَيّر الأولتراس من هويته.. والانتماء للنادى.. مطلوب أن يكون تعصبًا.. والفارق بين الاثنين هائل!.

الأولتراس.. تنظيم عنقودى.. والطفل أو الشاب.. الموجود فى التنظيم.. يعرف المجموعة التى معه فقط ورئيسها.. وخلاف ذلك لا يعرف معلومة واحدة عن مجموعة أخرى!. الطفل أو الشاب فى الأولتراس.. ممنوع عليه أن يقول لشقيقه أى معلومات عن مجموعته فى الأولتراس!. الطاعة العمياء هذه تمت تحت عنوان الانتماء للنادى!. هذا الانتماء جاء الوقت لجعله تعصبًا.. لأن وقت الأولتراس اقترب لدخوله عالم العنف.

بالفعل الانتماء بات تعصبًا!. رأينا شبابًا من أولتراس أهلاوى.. بعد مباراة فى كرة السلة.. يلاحقون شابًا من أولتراس زملكاوى.. ويطرحونه أرضًا.. ويشعلون فى جسده النار!. أولتراس زملكاوى يرد.. بهجوم على مقر الأهلى بالجزيرة.. ويقفزون من فوق السور.. ويقتحمون النادى.. ويرفعون علم الزمالك داخل الأهلى!.

بعد فترة.. التعليمات الجديدة.. تحويل التعصب إلى تطرف.. وهذا معناه أن حدوتة التشجيع المثالى و الدخلة  انتهت.. وهذا وقت العنف وإثارة الفوضى!. وأظن أننا شاهدنا ذلك فى أحداث عنف كثيرة وفى مواضع عديدة.. فى محمد محمود الأولى والثانية والعباسية وماسبيرو.. وأحداث كثيرة تحركها الفوضى  المدروسة  والعنف الزائد!. الذى أريد توضيحه أن مرحلة التحول من التشجيع والانتماء إلى التعصب ثم التطرف.. هكذا تأتى فى إطار مدروس وزمن محسوب.. ألم تُبشِّرنا كونداليزا أنها فوضى وخلاقة.. محسوبة بالثانية!.

زرعوا  بذرة  الفوضى فى نهاية التسعينيات.. ولأجل أن تنمو هذه البذرة.. لابد من ماء يرويها و سماد  يقويها!. دولارات بلا عدد موجودة.. لأجل  رى  زرعة الفوضى!. و السماد  الذى يقويها موجود وتم السيطرة عليه.. بصورة مباشرة أو غير مباشرة!. السينما جزء أصيل من هذا  السماد . السينما بعد ترك الدولة لصناعتها.. أصبح سهلاً استغلالها  لضرب  الدولة!. السينما دورها فاعل فى صناعة وعى الشعب!. السينما على مدى 25 سنة تقريبًا.. نجحت فى تجريف  الرموز  وهل بعد  الأم  رمز؟. السينما دمرت هذا الرمز فى عقول أجيال وراء أجيال.. اقتنعت أن المرأة المصرية.. هى الموجودة فى سينما تغييب الوعى!. اقتنعت أن الرجال لا يقلون فسادًا عن النساء!. ومن هذه النقطة.. أصبح الشباب بلا  كبير  وبدون قدوة!. لم يجد القدوة.. لأن حرب تجريف مصر من رموزها معلنة من سنين.. وللسينما دور فيها.. والإعلام.. أدوار!. تجريف الرموز واقع نعيشه فى كل المجالات.. السياسة والرياضة والفن والتعليم وكل مكان.. لدرجة أنه أصبح صعبًا أن يعيش لنا رمز أو نجم.. وهذا مطلوب.. لماذا؟.

لأن تجريف الرموز أحد الأعمدة الرئيسية  التى تقوم عليها الفوضى الخلاقة.. التى هى فى الواقع تملكت منا وأصبحت من خلال  دولة  الفيسبوك هى مصدر وعى المصريين وتلك وحدها أم الكوارث!.

هل الفوضى الخلاقة عندنا.. داء بلا دواء؟.

لا وألف لا.. لأن عراقة مصر.. تسمح لها.. بعودة الوعى لشعبها.. وهذا الأمر مرهون بالإرادة!..

هل فقدنا الإرادة؟. لا.. والدليل!.

هذا العدد التذكارى من  مجلة الهلال!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.