الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

مجلة الهلال و الجيش المصري

0 58

كتب :سمير فرج

عندما نستعرض تاريخ شارع الصحافة المصري اعتقد ان مؤسسة الاهرام و مجلة الهلال هما اكثر الاصدارات الوطنية المصرية في تاريخ الاعلام المصري و في تجوالي في صفحات مجلة الهلال مركزا فيما قدمته للعسكرية المصرية أجد ان ما كتبه فتحي رضوان عن عبد المنعم عبد الرؤوف في اكبر قضية عسكرية في التاريخ ثم ما كتبه عباس العقاد عن الجيش المصري و قائده محمد نجيب   عذاة قيام الثورة ثم ما كتبه قائد ثورة 52 اللواء محمد نجيب بخط يده عن ان مجلة الهلال داعمة للأدب و اساس النهضة العلمية و الاقتصادية و ان لدار الهلال أيادي بيضاء على وادي النيل ثم شكر اللواء محمد نجيب كل القائمين على مجلة الهلال في الخامس من اغسطس 1952 و كذلك كتب الاستاذ عبد الرحمن الرافعي مقالته بعنوان عرابي و محمد نجيب وثم جاء اقوى ما قدمته مجلة الهلال مقالة  بعنوان ” نهضة الجيش في عهد محمد علي بقلم الجنرال الفرنسي ” فيجان ” عضو الأكاديمية الفرنسية .

حيث تحدث هذا المؤرخ الفرنسي بصورة واقعية عن الجيش المصري في عهد “محمد على ” و عندما تأتي هذه الشهادة من جنرال أجنبي أعتقد انها توضح المصداقية و الحرفية في تناول هذا الموضوع علاوة انه لا يجامل الجيش المصري او الشعب المصري حيث يقول ان جيش محمد على كان مؤلف في بادئ الامر من جنود مرتزقة من الاتراك و الالبان و السوريين و المغاربة و ظهرت عبقرية محمد على في تنظيم هذا الجيش بعد انتصاراته على الانجليز و المماليك و الوهابيين و كذلك فتح بلاد النوبة و كوردستان و دارفور، و نظرا لان هؤلاء المرتزقة تنقصهم الروابط الادبية و وحدة الروح و عامل التجانس في انشاء جيش جديد من المصريين و حتى انه بعد الانتصارات التي حققها اطلقت صحف الغرب على هذا الجيش هو جيش الفلاحين و لقد كانت حاجة محمد على الي المدربين لتدريب هذا الجيش الجديد فاستعان بالضباط الاجانب بعد سقوط نابوليون و استغل هؤلاء في ان يكونوا مستشارين له فاختار الجنرال ” فيسيه الفرنسي” مستشارا لإبراهيم باشا في حملته ضد الوهابيين كذلك قام بتجميع نخبة من الضباط الفرنسين و الإيطاليين الذين خدموا في جيش نابوليون ثم تبعهم ضباط اسبانيين و برتغاليين، كذلك أنشأ محمد على المدرسة العسكرية عام 1820 برئاسة ” جوزيف سيف ” و كانت البداية بعدد 400 طالب من اقارب محمد علي  و من الموظفين و هكذا كانت بداية الانتماء من ابناء المصريين لجيش مصر بعدها نقل المدرسة الي اسوان تجاه حدود النوبة و على مقربة من مركز التجنيد.

 

و لقد حققت هذه التعديلات طفرة كبيرة في  صفوف الجيش المصري حيث سادت روح الطاعة و القتال من اجل مصر كما اتبع الجيش المصري نفس الاساليب التي كان يتبعها الجيش الفرنسي في تدريب جنوده و ضباطه كما تم لأول مرة تنظيم الجيش الي فصائل و كتائب حيث يصنف الكاتب الجنرال الفرنسي ” فيجان” ان فتح السودان كان لا يقصد به الحصول على الذهب فقط  بل الحصول على رجال يتم تجنيدهم في الجيش الجديد حيث جند محمد علي جزءا كبيرا من السودانيين للانضمام لهذا الجيش الجديد و انشأ لهم ثكنات عسكرية في اسوان زودهم بمكتب صحي أشرف عليه طبيب فرنسي هو “دوساب” و علاوة على تجنيد السودانيين ركز محمد علي على ان يكون دعائم جيشه من الفلاحين حيث لقى ذلك الامر في البداية اعتراض الطبقة الراقية في المجتمع المصري اذ كيف تعطي السلاح الي الفلاحين و يصبحون جنودا في جيش مصر ، لذلك شد ذلك من همم المصريين و تدربوا على حمل السلاح و توافدوا على مراكز التدريب في اسوان و أنشأ الجنرال ” سيف” منهم 6 فرق من البيادة ” المشاة” تم تنظيمها وفقا لأسلوب الجيش الفرنسي و بعد ان استكملت هذه القوات تدريباتها سار اليهم محمد علي بنفسه ، و استعرض هذه القوات العسكرية التي اظهرت قدرة فائقة على القتال تحت قيادة ابراهيم باشا و اعترف قنصل فرنسا في مذكراته ان هذه القوات كانت على اعلى قدر من التدريب و الانضباط حيث حققت انتصارات كبيرة في مواقع مشهورة في عام 1828 و انتهت ببسط هذا الجيش المصري على قطاعات كبيرة ، و يضيف الجنرال الفرنسي ” فيجان ” ان المدفعية التي استخدمها الجيش المصري في هذه العمليات العسكرية تم صنعها في مصانع مصرية أنشأها محمد علي على ضفاف النيل و جلب لهذه المصانع طائفة من العمال المهرة ، و يضيف الجنرال في مقاله ان ترسانة القاهرة التي افتتحت عام 1834 داخل القلعة اشتملت على مصنع للمدافع أنشأها الفرنسي ” جونون ” أما إنتاج البارود فتولى انشاء هذا المصنع الفرنسي  “كوسيت” الذي جدد مصنع معمل البارود الذي أنشأ اثناء الحملة الفرنسية في مصر.

و نظرا لان جيوش محمد علي كانت موزعة في افريقيا و اسيا و أوروبا فلقد فكر في انشاء ثلاث فرق جديدة اسند لتنظيمها للقائد الفرنسي ” بوابيه” الذي ظلت في مصر من شهر نوفمبر 1824 الي أغسطس 1826 و خلالها اعاد تنظيم هذه الفرق و أنشأ مدرسة لهيئة الاركان حرب و هي طفرة كبيرة في العلم العسكري ثم اعاد تنظيم سلاح المدفعية ، كما استطاع خلال فترة خدمته إقناع محمد على باستقدام الكولونيل راس الفرنسي لإصلاح و تطوير سلاح المدينة و ترسانة السلاح و أنشأ فرق عسكرية جديدة مؤلفة من 25 الف رجل و تكوين أخرى لبناء الكباري و اقامة الاستحكامات و بدأ الجيش المصري يدخل مرحلة جديدة في التدريب على نظم القتال الحديثة و الاهتمام بمناطق ايواء الجنود و تدريبهم على اعمال المناورة و الاساليب الحديثة للهجوم و الدفاع و المناورات والتقهقر المشي الطويل في خطوط متراصة.

 

و لقد وردت في احد رسائل القائد ” بوابيه” هذه العبارة ( ان محمد علي هو الرجل الوحيد الذي كان حقا يريد تمدين المصريين و ان عبقريته لتجاوز حدود بيئته و ذهنه ليسبق أذهان مواطنيه و ان كل ما شيد في مصر أنما تم تشييده على عاتقه )

تلك المقالة قدمتها مجلة الهلال ضمن أعدادها الاولى و التي لم يقدم أحد من الصحف مثلها في تلك التوقيت و هذا يدل على ان هذه المجلة كانت مخلصة لمصر و تريد ان ترفع معنويات هذا الشعب بتقديم هذه الاسرار من خبراء و اجانب قاموا بتطوير الجيش المصري ليصل لهذا المستوى المتميز.

و عندما نستعرض موضوع آخر تناولته مجلة الهلال بمقال الاستاذ عبد الرحمن الرفاعي  عظيم المؤرخين المصريين في هذا الزمن عندما قدم مقالته عرابي و محمد نجيب حيث قال ان مصر قامت بانقلابين في تاريخها الحديث قام بها رجال الجيش اولها عام 1881 على يد احمد عرابي و الثاني سنة 1952 على يد محمد نجيب و على الرغم من طول المدة التي تفصل بين الانقلابين فان كثيرا من الشبه يجمع بينهما ، فالثورة العرابية كانت صدى لرغبات الشعب و سخطه على نظام الحكم . الذي كانت تعاني منه البلاد و قوامه الاستبداد و الفساد و المظالم , و الحركة التي قام بها الجيش سنة 1952  كانت ايضا صدى لشعور المواطنين في تبرمهم بفساد الحكم و تدخل غير المسئولين فيه و تضحية مصالح الشعب في سبيل أهواء المحظوظين فالثورتان قامتا لأغراض وطنية متماثلة و كلتاهما تعبران عن مشاعر الامة و آلامها و آمالها ، و هما وليدتا ارادة الشعب ، فلا غرو ان قوبلتا من طبقات الشعب بالتأييد و المؤازرة و الغبطة و الابتهاج و لم يصدر الجيش في كلتيهما عن نزعات شخصية أو مطامع فردية بل كان ترجمانا لأمال الشعب مدافعا عن حقوقه فهما حركتان وطنيتان كان الجيش فيهما وكيلا عن الشعب . ولا غرابة في ذلك ، الجيش من الشعب و للشعب و العسكريون كالمدنيين في شعورهم القومي و الروح الحربية خليقة بأن تقوى في النفوس الوطنية و العزة القومية .

و لقد شبه الثورة العرابية في اوائل سنة 1881 و كانت في مبدئها ترمي الي انصاف الضباط الوطنيين و تخويلهم حقوقهم المشروعة في المناصب و الرتب العسكرية ووضع حد للاضطهاد الذي كانوا يعانونه من رؤسائهم الاتراك و الشراكسة.

ثم تطورت الي حركة عامة اشتركت فيها طبقات الامة كافة للتخلص من الحكم الاستعبادي، و تقرير مبادئ العدل و الحرية و الدستور و قد نجحت في تحقيق مطالب الضباط و مطالب الامة معا فنال الضباط حقوقهم و نالت الامة النظام الدستوري، وانشئ مجلس النواب الذي كفل المصريين حقوقهم و حرياتهم .

وثورة الجيش سنة 1952 قامت لتطهيره من الفساد الذي تغلغل فيه من تدخل الملك السابق في شؤونه و حمايته للمفسدين فيه . فاعتزم محمد نجيب وصحبه تطهير الجيش و تطهير أداة الحكم عامة . و كان فكرهم بحق ان يبدأوا حركة التطهير بارغام الملك فاروق على التنازل عن العرش . و تم لهم ما ارادوا بفضل شجاعتهم و تضامنهم و احكامهم خططهم الحربية ، فنجحت الحركة التي قاموا بها نجاحا منقطع النظير اذ تم الانقلاب دون ان تراق فيه قطرة دم وجاء مضرب الامثال في تاريخ الانقلابات العسكرية الناجحة .

و ثمة وجه آخر للشبه بين الثورتين وذلك في تقارب المدة التي كانت بمثابة فترة التمهيد لكلتيهما ، فالدعوة العرابية ظهرت حوالي سنة 1875 اذ أخذ عرابي من ذلك الحين بيث في نفوس الضباط الوطنيين فكرة الاتحاد و المطالبة بحقوقهم ورفع الغبن عنهم و اخذت اجتماعات الضباط تتعدد و تتوالى ، يتبادلون فيها الرأي عما يجب ان يسلكوه تحقيقا لمطالبهم و ظلوا في دور التحضير و التمهيد حتى انفجرت اول قنبلة للثورة في واقعة قصر النيل – اول فبراير سنة  1881 – و نال العرابيون اول نصر لهم بعزل وزير الحربية البغيض الي نفوسهم ( عثمان رفقي ) و اسنادها الي اكبر نصرائهم ( محمود سامي البارودي ) ثم بلغت اوجها يوم 9 سبتمبر سنة 1881 حيث احتشد الجيش في ميدان عابدين و تظاهر امام الخديو توفيق ، و ارغمه على اسقاط نظام رياض و تأليف وزارة محمد شريف .

فهذه الفترة التمهيدية لقيام الثورة العرابية تشبه الي حد كبير الفترة التي انقضت في التمهيد لثورة سنة 1952 . فقد بدأ الضباط الاحرار و على رأسهم محمد نجيب و رشاد مهنا ، يفكرون في الثورة سنة 1948 حين توالت الهزائم على الجيش المصري في حملة فلسطين .. إذ رأوا ان اهم سبب لهذه الهزائم و الفساد الذي دب في ادارة الجيش و قيادته و اسلحته ، وتدخل الملك  في شئونه و مساهمته في هذا الفساد . و انتقضت مدة التمهيد للثورة تلك التي كانت لمحات قليلة مما قدمته مجلة الهلال حلال تاريخها و بالذات في الفترات الاولى من ثورة 1952 عندما دعمت الجيش المصري في كتاباتها و الحق انها استضافت كبار المفكرين و المتخصصين في هذا الموضوع فكانت كتابات هادفة علمية موثقة و من هذا المنطق نتمنى لهم دائما بالتوفيق لهذا الصرح الثقافي الاعلامي المصري لخدمة مصرنا العزيزة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.