الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

محمد صبري  صورة على ممر الهلال

0 58

حوار: محمود الشيخ

-سامح فايز

عشقت الرسم طفلاً والحرب العالمية أوقفت حلم السفر لاستكمال تعليمي

– أول صورة ملونة في الهلال لونتها بيدى عام 1948 لحسيبة رشدي وبعدها صورة الفنان حسن البارودي

اخترع «جاك مانديه داغير» آلة التصوير الشمسي عام 1839، وفى الرابع من نوفمبر أي بعد أقل من شهرين على ذلك الاختراع ومن مدينة الإسكندرية التقطت أول صورة شمسية في قارة إفريقيا؛ داخل قصر محمد علي باشا.

ثم أسس بعد ذلك «غابرييل ليكيجيان» صاحب التوقيع الأشهر في عالم الفوتوغرافيا «ليكيجيان G. Lekegian» أول ستوديو فى مصر عام 1887 بالقرب من فندق شبرد  تلاه ستوديو المجري «بيلا» بمنطقة عابدين عام 1890.

قدوم المصور الأرميني «ليكيجيان» إلى مصر  والأرميني «ألبان» مصور العائلة المالكة البلجيكية ثم قيام مصور أرميني آخر «أرمنياك أرزوروني» والشهير بـ «أرمان» بفتح ستوديو بميدان مصطفى كامل كان له الأثر الأكبر فى تغيير مسار حياة الشاب المصري «محمد صبري» المولود عام «1925»، والذي عشق الرسم صغيرا ثم تبدل مساره لاحتراف التصوير، ليقرر «إميل زيدان» في الأربعينيات من القرن الماضي أن يسند إليه تأسيس أول قسم للتصوير الفوتوغرافي بمؤسسة دار الهلال ومعمل على أحدث الأنظمة العالمية عام 1948 وهو لا يزال ابن الثالثة والعشرين عاماً.

شارع المبتديان

خطوات قليلة تفصل بين مقر مؤسسة دار الهلال فى شارع المبتديان بالسيدة زينب ومنزل المصور محمد صبري بشارع قصر العيني، اجتزناها ونحن نتبادل أطراف الحديث متسائلين، هل يستطيع محمد صبري الذي أصبح فى الرابعة والتسعين من عمره أن يتذكر ذلك الماضي البعيد؟ هل مازالت ذكرياته مع مؤسسة دار الهلال وتأسيس قسم التصوير وتقديمه لباب الروح والصورة فى مجلة الهلال وقت رئاسة «كامل زهيري» فى الستينيات من القرن الماضي حاضرة؟

بعد دقائق من تحركنا وصلنا إلى مقر سكنه، صعدنا إلى الطابق الأول، على باب الشقة استقبلنا المهندس المعماري أحمد صبري الابن الوحيد لمحمد صبري.

فى غرفة إضاءتها خافتة انتظرناه، في هذه الغرفة التي تملؤها لوحات رسمها محمد صبري – حتى أصبحت جدرانها كأنها قطعة فنية فى حد ذاتها – كان يجلس أحمد بهاء الدين وحلمي التوني وعبد الهادي الوشاحي ومصطفى حسين ليشهدوا معا العصر الذهبي للثقافة والفن فى مصر. وفي أثناء انشغالنا بتأمل لوحاته البديعة أقبل محمد صبري مبتسما حاضر الذهن، ثم بدأت رحلة الذكريات.

البدايات

هو الابن الأصغر للمستشار أحمد محمد صبرى أحد المحققين فى قضية (ريا وسكينة) الشهيرة عام 1920. والدته جميلة حكمت محمد أغا الأرناؤوطى، وشهرتها جميلة صبرى إحدى رئدات الحركة النسائية، وعندما انتقلت الأسرة إلى القاهرة فى عام 1920 كانت رفيقة درب هدى شعراوى فى مشاريع النهوض بالمرأة.

ولهذه الأسرة العريقة ولد صبري، وعندها يبدأ الحكي قائلا:” عشقت الرسم طفلا، وحين حصلت على شهادة التوجيهية توقفت عن إكمال تعليمي وسعيت للسفر إلى إيطاليا لتعلم الرسم فى مدارسها، إلا أن الحرب العالمية الدائرة حينها أوقفت ذلك الحلم سريعا”.

وعن بداياته مع تعلم التصوير يقول:” أهديت إحدى لوحاتي إلى شقيقتي الكبرى والتي علقتها على جدران فيلتها، وعندما أرادت بيع الفيلا، كان المشترى هو المصور الشهير «ألبان» مصور العائلة المالكة فى بلجيكا والذى توقف عند اللوحة كثيراً وسأل عن مصدرها مبديا دهشته؛ فهو يعرف جميع الرسامين ولا يتذكر لمن ترجع هذه اللوحة! فأجابته: إنها لشقيقى الأصغر، فى هذه اللحظة طلب ألبان رؤيتي».

عندما التقى محمد صبرى المصور ألبان أثنى على لوحاته ونصحه بتعلم فن التصوير الفوتوغرافى وتنبأ له بأنه سيكون إضافة حقيقية لهذا الفن .

لم يكن ألبان هو الأرميني الوحيد الذي داعب أحلام الشاب محمد صبري، هناك أيضا «أرمان» الذي تعلم على يديه التصوير، وهو أيضا الذي رشحه إلى إميل زيدان ليؤسس قسم التصوير بمؤسسة دار الهلال، ربما ترشيح أرمان هو الذي شجع زيدان أن يسند هذه المهمة لشاب فى ذلك السن.

رئيس قسم التصوير

في بداية رحلته للعمل كمصور صحفي ذهب صبرى  إلى «أخبار اليوم» والسبب صداقة جمعت بين أخيه الكبير المهندس سيد صبري ومصطفى أمين. يستكمل صبري حديثه متذكرا ذلك اللقاء:«عرفت بعد مقابلة مصطفى أمين أننى سأعمل تحت رئاسة المصور محمد يوسف، إلا أنني رفضت أن أكون مجرد «صبي» تحت رئاسة أحد فخرجت من أخبار اليوم ولم أعد إليها مرة أخرى، ثم رشحني أرمان لـ إميل زيدان وطلب تأسيس قسم للتصوير أكون مسئولا عنه، وكانت المؤسسة قبل ذلك تتعامل مع مصورين أجانب لهم ستوديو خاص دون أن يكونوا تابعين للمكان».

يمسك صبري بعصا يتكئ عليها ثم يعتدل فى جلسته وهو يبتسم حين تذكر رئاسته للقسم:”كان فى المؤسسة مصورون أقدم وأكبر سنا، وكانت مسألة مرهقة أن يتأقلموا على الوضع الجديد، لذلك طلبت فى البداية أن يخفي عنهم زيدان مسألة أننا نسعى لتأسيس قسم للتصوير وأننى رئيسه، حتى أشاهد المعمل وأستعد للمسئولية جيدا، لكننى لم أطق صبرا إذ عاملوني باعتباري «صبي» فطلبت من زيدان إعلان الخبر، وكانت مفاجأة للجميع، واستلزم مني الأمر أن أتعلم الفرنسية لأقرأ كل ما هو جديد فى عالم التصوير والمعامل ليكون قسما مميزا بين أقسام التصوير فى الصحف المصرية ذلك الوقت”.

أحيانا كانت تختفي ابتسامة صبري وهو يستعيد ذكريات قسم التصوير فى مؤسسة الهلال، مشيرا إلى وضع الصحافة المصرية الآن، وغياب قيمة الصورة من الصحف القومية والخاصة.

من المؤكد أن سبب ذلك الحزن يرجع  لأن صبري أحد رواد التصوير الصحفي، فهو رابع مصري عمل فى ذلك المجال بعد أن كانت السيطرة للمصور الأرمني تحديدا، حتى افتتح المصور «رياض أفندي شحاته» ستوديو خاص عام 1907 ليكون أول مصري يقدم على هذه الخطوة، ثم تعلم التصوير فتى آخر لا يقل أهمية وشهرة، وهو المصور محمد يوسف، الذي بدأ التصوير الصحفي عام 1933 بمجلة روز اليوسف ثم انتقل إلى دار الهلال ليعمل فى مجلة الاثنين من إصدارات الدار برئاسة تحرير مصطفى وعلى أمين، لكنه انتقل معهما حين أسسا أخبار اليوم عام 1944، وكان ثالث الرواد رشاد القوصي المصور الصحفي فى «الزمان»، والذي صاحب محمد حسنين هيكل فى رحلة صحفية إلى فلسطين وقت معركة 1948، ثم رابعهم محمد صبري، الذي رفض أن يعمل تابعا لمحمد يوسف فى الأخبار فأصبح منافسا قويا له فى مؤسسة دار الهلال لعقود امتدت بعد ذلك.

دار الهلال

تسلم صبري العمل مديراً لقسم التصوير، ثم بعد سنوات قليلة قام  بأشهر رحلاته الصحفية، حين تنكر فى زي صياد ودخل بورسعيد عام 1956، رغم فشل محاولات مختلفة لمعظم الصحفيين في الصحف الأخرى لدخول بورسعيد وقت العدوان، غير أن محمد صبرى رأى أنها قابلة للتنفيذ؛ فسافر إلى المطرية ومنها إلى بحيرة المنزلة وقابل الصاغ نعمان مسئول المخابرات وطلب منه تصريح الدخول إلى بورسعيد، وبدأت المهمة بتغيير ملابسه بملابس الصيادين ثم العمل معهم لأيام قبل أن يدخل بورسعيد حتى تخشن يداه وليتعلم طريقتهم فى الحديث ويتفهم نمط حياتهم، ثم السير حافى القدمين حتى تشققت قدماه إلى جانب عدم حلاقة ذقنه. ثم انتقل صبري إلى داخل بورسعيد ليبدأ العمل، وكانت الصور التي أرسلها صبري من بورسعيد للنشر فى مجلة المصور فى ذلك الوقت هى الحدث الأهم، أيضا تعد أهم الصور التي قدمها كمصور صحفي.

بعد مرور وقت ليس بالقليل من بداية لقائنا بالمصور والفنان محمد صبري عرضنا عليه أن يرتاح قليلا قبل أن نكمل الحوار، لكنه يضحك كشاب فى العشرينيات قائلا:«أنا معاكم لحد انتم ما تتعبوا». توقفنا قليلا عن الحديث ثم عدنا مجددا لصندوق ذكريات محمد صبري،  والحديث عن أول صورة ملونة قدمها  لدار الهلال عام 1948، عنها يقول:« كانت صورة للمطربة حسيبة رشدي، صورتها أبيض وأسود ثم بدأت فى تلوينها بيدي».

لا ينسى صبري موقفه مع صورة أم كلثوم الشهيرة وهى تروي حديقتها بخرطوم مياه والتي نشرتها مجلة الكواكب، عن ذلك الموقف يحكي:«طلب أحمد بهاء الدين من أم كلثوم تصويرها، فردت أنها سمعت عن مصور جيد بمؤسسة دار الهلال اسمه محمد صبري، فأخبرها بهاء الدين أن صبري يرفض الذهاب لأحد، وأن جميع الفنانين يحضرون إليه فى المؤسسة لتصويرهم، إلا أن بهاء قال لأم كلثوم إنه سيعرض المسألة عليَّّّّّ، وحين عرض وانتظر ردى وافقت بالطبع، وذهبت إليها فى منزلها، وكانت تلك هى المرة الأولى والوحيدة التي لا يحضر فيها الفنان إلى مؤسسة دار الهلال لتصويره، لكنني طلبت من أم كلثوم أن نقدم صورا غير تقليدية، فعرضت علي أن تخرج إلى حديقة منزلها وأمسكت خرطوم المياه وبدأت فى ري الزرع، فالتقطت لها صورة بديعة والتي نشرتها مجلة الكواكب».

الروح والصورة

خلال الحوار ردد صبري عبارة واحدة أكثر من مرة، كان يتوقف أحيانا عن الحديث ملتقطا أنفاسه، ثم بعد صمت يتحدث بنفس الكلمة كأنه نسي أنه قالها من قبل:” فترة كامل زهيري كانت العصر الذهبي لمجلة الهلال”.

حين يأتي الذكر على كامل زهيري يبتسم صبري كأنه يتذكر شيئا كان بالأمس القريب:«عندما تولى كامل زهيرى رئاسة تحرير مجلة «الهلال»، كان شاغله كيفية تطوير المجلة والاهتمام بالصورة، وطلب زهيري أن نجتمع سويا بعد توليه تحرير مجلة الهلال وفى الاجتماع تحدثنا فى شئون المجلة فعرضت عليه فكرة التعليق على صور من كل العالم، فاقترح هو عنوان الباب، فكان باب «الروح والصورة».

توقف صبري عن تقديم باب الروح والصورة في مجلة الهلال بعد رحيل زهيري، وعن ذلك يحكي:”لم أجد من يقدر الصورة كما قدرها زهيري، فتوقفت»

استراحة المحارب

7 أكتوبر 1985، آخر يوم عمل لمحمد صبرى بدار الهلال بالإحالة إلى المعاش، ليخرج من بوابة المبتديان يحمل فى ذاكرته تاريخاً كبيراً من عشق الصورة. لكنه لا ينسى الذكرى الأصعب، حين طلب من رئيس مجلس إدارة دار الهلال فى ذلك الوقت أن يحتفظ بالكاميرا التي عاش معها لسنوات، كان يرى أنها هدية مستحقة لسنوات عمله فى دار الهلال، إلا أن المسئول رفض اعتبارها هدية وطلب تحديد سعرها بالمثل فى السوق، وقدرت بسبعمائة جنيه، قرر صبري أن يدفعها حتى لا يفارق الكاميرا التي شهدت ذكرياته وذكريات الهلال.

وتكرر موقف شبيه مع صبري عام 2005 حين طلب الحصول على صورة من أرشيفه فأخبره الموظف المسئول أن عليه دفع 50 جنيه مقابل الصورة، فى ذلك الوقت أدرك صبري أن الزمان قد تغير، وأنه لم يعد كما كان، ثم عاد لصمته.

محمد صبري الذي قدم معرضه الأول في سن الستين بعد تاريخ مع الصورة الصحفية في مؤسسة الهلال انتظر طويلاً تكريماً مستحق، أو جائزة هو الأجدر بها، حين سألناه لماذا لم تحصل على ذلك التكريم حتى الآن فابتسم قائلاً: “اسألوا وزارة الثقافة” ولأنه الأحق بالجائزة سألناه مرة أخرى، هل يتوقع أن يحصل على جائزة الدولة وأنت في الـ 94 من عمره، فقال: “فى المشمش” وعادت نفس الابتسامة الساخرة على وضع الثقافة المصرية المريضة حسب رأيه.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.