الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

مسامرات جنوبية في ضوء “الهلال”

0 29

كتب :الشاعر عبد الستار سليم

تذكرت وأنا أطالع  مجلة الهلال  فى عددها الرائع  – أقصد  عدد أغسطس ٢٠١٧ م – ما قرأته عن تاريخ صدورها لأول مرة  من مطبعة متواضعة  فى دكان صغير  بشارع الفجالة  بقلب القاهرة قريبا من محطة السكة الحديد ، حيث خرج عددها الأول فى 32 صفحة، وكان ذلك فى أول سبتمبر عام 1892م .. !!  واليوم. تحتفى مجلة  ” الهلال ” بمرور  125  عامًا على صدورها.

تذكرت يوم أن   دخلت  – لأول مرة  –  مبنى دار الهلال ، ذلك المبنى المهيب  القائم  فى إحدى مناطق القاهرة العريقة ، بشارع المبتديان –  محمد عز العرب حاليا –   بحيّ السيدة زينب .

تذكرت وأنا أطالع اسمى  على الدراسة  التى كتبتها تحت عنوان . ” فـــن الواو .. ذاكرة الصعيد الجوّانى “، كم ّ الرهبة التى اجتاحتني وأنا أصعد سلالم المدخل  لأول مرة وأنا شاب صغير، والتي قمت بعدّها سلّمة سلّمة  ..  كما نقول عندنا فى الصعيد .. !! تلك  السلالم الوسيعة  التى احتوتنى وكأننى فى موكب ملكى أسطورىّ

تذكرت ذلك الزمان المزدهر  – بالنسبة لى على الأقل –   وأنا أطالع اسمى مكتوبا مع مربعاتى من  ” فن الواو “. والتى أبدع فى إخراجها الفنان محمود الشيخ.

تذكرت كل هذا وأنا أطالع رشاقة وحيوية العدد ، بعد أن ترأس تحرير المجلة  الصحفى الكبير خالد ناجح، ذلك الصحفى المحنك، صاحب الرأى والرؤية ، وبصحبته هيئة التحرير المخلصين ” محمود الشيخ ،  رضوان آدم  ، أحمد النجمى  ،محمد السيد، فتحى البهلول، ومصطفى أبو عايد، وباقى فريق العمل الذين يستحقون الإشادة بجهدهم والشكر عليه    ..!

تذكرت يوم أن زرت رئيس التحرير كمال النجمى ، والتقيته  لأول مرة ، وكنت أنا والشاعر الكبير عزت الطيري. كما تذكرت ذلك الرجل العصامىّ  ” جرجى زيدان ” –  المولود فى بيروت. عام 1861م ، والمتوفى فى القاهرة عام 1914م – مؤسس المجلة والذى تولى كل أمورها بنفسه ، من إدارة تحرير، ومكاتبات، وغير ذلك، ولما لقيت نجاحا، عهد بإدارتها لشقيقه، تذكرت الأسماء اللامعة  وأصحاب هذه الأسماء  – من أعلام الصحافة –  الذين  تناوبوا على رئاسة تحريرها ، بدءًا. من  جرجى زيدان  عام 1892 م وانتهاء بخالد ناجح  عام 2017، و منهم إميل زيدان ، و د. أحمد زكى ، على أمين، و كامل زهيرى ، رجاء النقاش ،  د.على الراعى ، و صالح جودت ، و د. حسين مؤنس ، و كمال النجمى ، و مصطفى نبيل ، و مجدى الدقاق ،  عادل عبدالصمد ،  محمد الشافعى ، و سعد القرش  ..

تذكرت كل ذلك  حينما  استقبلنى  رئيس التحرير الحالى  – ابن دار الهلال – بقامته الشامخة ولونه الأسمر وابتسامته الودود، خالد ناجح  ابن الصعيد المعطاء ، الصعيد الذى أنجب من   قبل  – لذات المكان – العملاق  كمال النجمى،  ابن بلدى  والذى زرته فى ذات الغرفة ، ومن العجيب أن  أسعدنى الزمن  وجمعنى بالكتّـاب  والصحفيين البارزين  – فى ذات اليوم. – خالد ناجح ،أحمد النجمى – نجل العظيم كمال النجمي – ومحمود الشيخ. ورضوان آدم  .. !!

وكأن الزمن. لم يمرّ، أو كما لو أن الأيام اشتاقت إلى بداياتها، وكأن الذاكرة  استعادت نشاطها، فهل التقائى بهؤلاء جميعهم هو السبب؟ وإلا  فلماذا  أسعفتنى  ذاكرتى – عبر شريطها المصوّر – بتذكر حقبة من الزمن كانت نائمة فى تلافيف خلايا المخ، الممتلئة بالأحداث المتراكمة والمزدحمة  إلى حَــدّ التخمة ؟

هى فترة  – ولا شك  –  تستحق أن تعيد نفسها ، وقد فعلت والحمد لله ، لنعيش معها مرة ثانية  بداية مشوارعمر أدبىّ زاهر، منذ الأيام البعيدة، منذ أن كنت أطالع مجلة الهلال وأناقش ما جاء فيها مع من كانت تجمعنى بهم من أهل قريتى – النائية جنوبًا – المسامرات  فى ضوء القمر ومحاولات إضاءة ذبالات الفوانيس القروية الباهتة ، فى تجمعنا حول الجرون ، وعلى حُـصـْـر المصاطب  ( حُـصـْـر  جمع   حصير  ) فى الساحات. التى كانت أمام ” المنادر ” –  جمع مندرة –  والمضايف – جمع  مضْـيفٓة – فى الليالى القمرية  أيام كان القمر يطلع  على قريتنا بوجهه المنير ، وبرونقه الساحر، وبهيبته الحانية ، وبجلاله البهىّ، ليملأ سماء قريتنا بالنور الفضىّ المترقرق والرائق  والصافي والناعم  ، والذى يجعلنا ننظر إلى صفحة السماء المزيّنة بالنجوم  ،  وهذا شيء لم نكن نستطيعه مع شمس الصعيد الملتهبة ، فقد كان الأجداد  – بخبرتهم – يقولون لنا ” لا تبحلق. يا ولدى فى عين  الشمس. فتلحس بصرك ” ، لكن فى ضوء القمر الرائق والصافي والناعم، كانت السماء مسرحا  لتفقدنا إياها ، مع النجوم الزاهرة والمتلألئة  . . فهذه مجموعة نجوم ” المغرفة”  ، وهذا. النجم ” القطبى”  ، وهذه نجمة “الفجرية” وهذه النجمة ” أم. دويل”  ــ  أى  أم ذويل وهو تصغير ذيل.وكنت أقول  لهم يا صحاب ، مجلة الهلال معنا فى الأرض ، والقمر معنا فى السماء ، وكلاهما ينير لنا  العقول والطرقات ، فيبتسمون من خيالي الجامح. هذه السماء  كنا نتملّاها. ونتأمل فى مساحتها الشاسعة وفى روعتها ، وكنا حينما نسير نتعجب من أن القمر يسير معنا ليصحبنا فى الطريق  أينما ذهبنا ، أو كذلك كان يبدو لنا من على البعد ، وليؤنس ليلنا ، بل ويجعلنا لا نخاف من ظهور العفاريت  فى ليل القرية الطويل  وطرقاتها المتعرجة  ، وفى فضاءات الغيطان الشاسعة.

تذكرت كل هذا حينما طُـلِب منى أن أكتب ذكرياتى مع  مجلة  ” الهلال ” الغراء ، التى تستعد لأن تصدر عددها التذكاري  فى عيد ميلادها  فعدت إلى أوراقى ومكتبتي، وطالعت بعض الأعداد القديمة من  مجلة ” الهلال “.  وبنظرة على أعدادها  على مدار نحو قرن وربع القرن من الزمان، تذكرت مقولة إن مجلة  ” الهلال ”  تعتبر – بحق – سجلا   وديوانا  لتاريخ مصر، بعد أن أصبحت أعدادها وثائق تاريخية، بالكلمات والصور،  ولابد أن نقول إن ” الهلال ”  قد وثـّـقت بأعدادها التذكارية  لأحداث مهمة كثيرة  ..

عادت بى الذاكرة ، إلى  هذه الأيام  ، حيث كانت المجلة تستكتب مشاهير العلماء والأدباء والشعراء ، والكتّاب ، و الفنانين ، أمثال  د. زكى مبارك ، و مىّ زيادة ، و خليل مطران ، و زكى طليمات ، و د. طه حسين ، و توفيق الحكيم ، و عباس العقاد ، و بنت الشاطئ ، و سهير القلماوي ، و أمينة السعيد ، و أحمد بهاء الدين و غيرهم من أعلام مصر والعالم العربى  ، لتترك أثرها فى الحياة الثقافية والأدبية  والفكرية  المصرية والعربية ..

تذكرت كل ذلك  ، وكأننى  فى حلم ، بعد أن أعادتنى مجلة الهلال  ، بمشاركتى فى الكتابة  لعددها التذكاري  ، إلى تذكر قريتى النائية فى أقصى الصعيد، وإلى الاستغراق فى   الالتفاف  حول جهاز الراديو   اليتيم  – فى قريتنا –  فى ذاك الزمن البعيد ، لنستمع إلى  كوكب الشرق  ” أم كلثوم ” وهى تشدو.  وتترنم  بكلمات  من الشعر الجميل.

” شمس الأصيل دهّـبت خوص النخيل  . .  يا نيل ”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.